فصل في نصح العالم:

إن العالم كغيره من الناس له حق النصح إذا أخطأ وهو مندرج تحت قوله - عليه الصلاة والسلام - كما في حديث تميم بن أوس الداري، قال رسول الله: ((الدين النصيحة))، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وعنده أنه قال الدين النصيحة ثلاث مرات، فالعلماء يعتبرون من أئمة المسلمين.
ولكن من الذي ينصحهم؟ أهم أصحاب الألسن الحادة والكلمات الجارحة من المتحمسين والمتشنجين...؟ أم ذلك الذي لا يرى الحق إلا ما كان على مثل ما هو عليه ؟...
أقول: إن الذين ينصحون هو أولئك الذين عرفوا الحق ورحموا الخلق، فكلماتهم بلسمٌ على الجراح، يأتون بالعبارة التي يفوح منها الحنان والشفقة بالمنصوح لا يشعرونه بأنهم مترفعون عليه ولا شامتين به، إنهم العلماء الربانيون الذين لا يشهرون بالمنصوح بحجة النصح ولا يحرجونه بحجة التقويم ويضعون نصب أعينهم ما يلي:
1- الإخلاص لله – تعالى - في هذه النصيحة فإنها من جملة العبادات التي كلفنا بها ولا تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله – تعالى -، قال - عز وجل -: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
2- أن يكون القصد منها الإصلاح: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
3- أن يكون القصد إظهار الحق حتى قال الإمام الشافعي: (قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب) وقوله: (ما ناظرت أحداً إلا سألت الله أن يظهر الحق على لساني أو على لسانه).
4- أن يكون مبتعداً عن كل ما يجعل المنصوح معانداً متمادياً على الباطل متأسياً بذلك بسيد ولد آدم - عليه الصلاة والسلام - حيث كان إذا أراد النصح قال: ((ما بال أقوام يقولون كذا وكذا))، ((ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله)).
5- أن يكون التركيز على الرأي أو المسألة لا على قائلها لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله...)) الحديث، مع معرفته - عليه الصلاة والسلام - بالذين اشترطوا تلك الشروط في قضية عتق بريرة، وفي الثلاثة النفر الذين سألوا عن أعماله فكأنهم تقالُّوها، والسنة مليئة بمثل هذا.
المفاسد المترتبة على تتبع الرخص:
ما أكثر المفاسد التي تترتب على تتبع الرخص؛ منها التهاون بحرمات الله والاستهانة بدين الله – تعالى - وتبديل أحكام الله عز وجل بأحكام البشر وقوانينهم، ومن أعظم ذلك الخروج من دين الله - عز وجل -.
قال الإمام الأوزاعي - رحمه الله - كما في (سير أعلام النبلاء 7/125): (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام).
وقال الإمام الشاطبي كما في (الموافقات (4/147- 148): (وقد ذكر هذا المعنى جملة مما في اتباع رخص المذاهب نم المفاسد سوى ما تقدم ذكره في تضاعيف المسألة كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل على اتباع الخلاف وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط وكترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة وكانحراف قانون السياسة بترك الانضباط إلى أمر معروف وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم وغير ذلك من لمفاسد التي يكثر تعدادها ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغرض لبسطت من ذلك ولكن فيما تقدم منه كاف والحمد لله) ا هـ المراد.
ومن أعظم الضرر ما يحصل من فتاوى علماء السلطات الذين يفتونهم بما يهوون وينقبون لهم عن زلات العلماء لسابقين حتى أنك تجد هؤلاء يدافعون عن السلاطين مدافعة شديدة ويتلمسون لهم الأعذار ويلفقون لهم الفتاوى التي تتمشى مع ما يهوون من القوانين الوضعية، وانظر على سبيل المثال إلى كثير من القوانين تجد أنهم يستندون في أكثر القضايا إلى زلات العلماء. وصدق النبي - عليه الصلاة والسلام - إذ يقول: ((من بدا جفا ومن تتبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلاطين افتتن)).
نعم لقد سمعت هؤلاء من كان يكفر الاشتراكيين الشيوعيين من على المنبر فلما صار مختلطاً بهم انقلب على عقبيه فصار يدافع عنهم، وكان يقول إن كفرهم كفر مجازي يعني (كفر دون كفر)، فلما انفصل الاشتراكيون عن الحكم وحصل تصارع بين الحكومة وبينهم سمعنا هؤلاء عادوا إلى تكفير الشيوعيين وهكذا يكون حال من افتتن، نسأل الله السلامة.
قال العلامة ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس ص121): (ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضاً فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:
الأول: الأمير، يقول: لولا أني على صواب لأنكر عليَّ الفقيه وكيف لا أكون مصيباً وهو يأكل من مالي.
الثاني: العامي، فإنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلاناً الفقيه لا يبرح عنده.
الثالث: الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك) ا هـ.
والملاحظ في هذا الزمان – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – أن الناس قد انصرفوا عن العلماء الربانيين وصاروا حول علماء السلطة لأنهم يسلكون لهم مسلك الرخص متعللين أن هؤلاء متشددون وهؤلاء مستنيرون، ويستدلون بقول الله - عز وجل -: وما جعل عليكم في الدين من حرج، وبقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وبقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إن هذا الدين يسر)) وغير ذلك من الأدلة.
فامتدحوا من لا يستحق المدح وذلك لتتبعهم للزلات والرخص، وذموا من يستحق المدح لدورانهم مع الدليل تحليلاً وتحريماً.
وهذه القضية – أعني ذم العلماء – الذين يقفون مع لدليل ليست وليدة العصر كما يلاحظه من قرأ في كتب الأقدمين فإنه قد شكي بأحد القضاة إلى الفقيه ابن حجر الهيتمي وذكروا له أن هذا القاضي يشدد على الناس فلا يحكم إلا بقول الصحيح المستند إلى الدليل ولا يسلك بهم مسلك الرخص فأجاب الفقيه بقوله كما في الفتاوى الكبرى الفقهية (4/324): (ما ذكر عن هذا القاضي إنما يعد من محاسنه لا من مساوئه، فجزاه الله – تعالى - عن دينه وأمانته خيراً، فإنه عديم النظر الآن، وكيف وأكثر قضاة هذا العصر وما قبله بأعصار صاروا خونة مكسة لا يحرمون حراماً ولا يجتنبون آثاما ً, بل قبائحهم أكثر من أن تحصر وأظهر من أن تشهر حتى قال الأذرعي عن قضاة زمانه إنهم كقريبي العهد بالإسلام، فإذا كان هذا في قضاة تلك الأزمنة فما بالك بقضاة هذا الزمن الذي عطلت فيه الشعائر وغلبت فيه الكبائر وقل فيه الصالحون وكثر في المفسدون فقيام هذا القاضي حينئذٍ بقوانين مذهبه وعدم التفاته إلى الترخيص للناس بما لا يقتضيه قواعد إمامه يدل على صلاحه ونجاحه وفلاحه).
فصل في حجج متتبعي الرخص:
يحتج متتبعوا الرخص بحجج من كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويظنون أنها تسند فعلهم هذا... ولكنه كما قال الأُول ((كلام حق أريد به باطل)) فالأدلة التي يستندون إليها حق ولكنها لا تدل على ما هم فيه.. فمن أدلتهم قول الله - عز وجل -: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقوله: يريد الله ليخفف عنكم، وقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا))، وقوله: ((فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) و ((وما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما))، فيقولون: نحن إذا أخذنا بالأيسر من الأمرين فإنما نأخذ بالأصل وهو اليسر ورفع الحرج.
وكلامهم هذا فيه من خلط الحق بالباطل، فإن الدين وإن كان قد راعى جانب اليسر في التكاليف فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن للإنسان أن يختار من أقوال وفتاوى أهل العلم ما تشتهيه نفسه ويتوافق مع هواه.
فلو كان الأمر كذلك لانهدم الدين ودرست معالمه واضطربت حياة الناس وهذا هو عين العسر والفساد.
قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - كما في كتابه (الأحكام في أصول الأحكام ص896): فإن احتج بقول الله – عز وجل -: يريد الله بكم اليسر، فقد علمنا أن كل ما ألزم الله – تعالى - فهو يسر بقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج.
وقد رد الإمام الشاطبي على من احتج لذلك بقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((بعثت بالحنيفية السمحة)) فقال: (وأنت تعلم – بما تقدم – ما في هذا الكلام لأن الحنيفية السمحة إنما أتى السماح فيها مقيداً بما هو جارٍ على أصولها وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت فما قاله عين الدعوى ثم نقول تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس.
والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه ومضاد أيضاً لقوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، فلا يصح أن يرد إلى أهواء النفوس وإنما يرد إلى الشريعة وهي تبين الراجح من القولين فيجب اتباعه لا الموافق للغرض) ا هـ.
قلت: وأما استدلالهم بحديث: ((ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)) فإنهم لو أتوا ببقية الحديث لسقطت حجتهم منه، وتتمته هو ((...ما لم يكن إثماً)) فاستدلالهم هذا مثله مثل من يمنع من الصلاة بقوله تعالى: ولا تقربوا الصلاة، وبقوله: فويلٌ للمصلين.
فصل في أن المجتهد إذا أخطأ أُجِر ولا يجوز تقليده على خطئه:
روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عمرو بن العاص وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر)).
هذا الحديث يدل على أن العالم – إذا كان مستوفياً لشروط الاجتهاد – إذا اجتهد في مسألة ما واستفرغ جهده للوصول إلى الحق أجر على ذلك أجران إن أصاب الحق, أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق.
وإذا لم يصب الحق أجر أجراً واحداً وذلك على اجتهاده ورفع عنه الإثم والحرج على عدم إصابته للحق لقوله تعالى: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لكن الأمر الذي يجب أن يتنبه له هو أن هذا الخطأ الذي أخطأ فيه العالم لا يجوز متابعته عليه بل يجب أن يحذر العامة كي لا يغتروا به، إلا أن المتتبعين للرخص يحتجون بتقليد العالم في هذه الزلة فيقال لهم: طالما وأنتم مقلدون فما هو الحامل لكم على تقليد هذا العالم ومخالفة الكثيرين من العلماء من أفتى بخلافه.
ثم يقال لهم أيضاً إن كنتم حسب ما تقولون إنكم مقلدون لهذا العالم في هذه الزلة (والتي تسمونها رخصة)، فلِمَ لا تقلدونه في الأمور الأخرى مما لم يرخص فيه ؟..
بل نراكم تبحثون عن عالم آخر تأخذون عنه زلاته التي خالف فيها العالم الأول وهكذا دواليك. والحقيقة أنهم اتخذوا التقليد ستاراً لتحقيق رغبات أنفسهم.
هذا ولقد حذر سلفنا الصالح من زلات العلماء وذلك لأن العالم إذا زل تابعه على ذلك كثير من الناس ولذلك قيل: (زلة العالِم – بكسر اللام – زلة العالَم- بفتح اللام -).
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما روى ذلك عنه الدارمي في سننه (1/71) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/110) بإسناد صحيح قال: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون).
وقال ابن عباس كما في (المدخل) للبيهقي (835, 836) والخطيب في (الفقيه والمتفقه) (2/14) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله 2/112) بإسناد حسن: قال: ويل للأتباع من زلة العالم، قيل: وكيف ذلك ؟قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منه فيخبره ويرجع ويقضي الاتباع بما حكم.
وقال الإمام الشاطبي كما في كتابه (الموافقات 4/171-172): (وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك – يعني في النبيذ المختلف فيه – فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاءمن أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه، فاحتجوا، فما جاؤوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدّة فما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه، قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق: عدَّ أن ابن مسعود لو كان ههنا جالساً فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن: فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام ؟
فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة أفلأحدٍ أن يحتج بها ؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاووس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة ؟ قالوا: كانوا خياراً. قال فقلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يداً بيد ؟ فقالوا: حرام. فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالاً فماتوا وهم يأكلون الحرام، فبقوا وانقطعت حجتهم هذا ما حكى) ا هـ. المراد..
وقال الغزالي في (المستصفى 2/391): فمن اعتقد أن الشافعي - رحمه الله - أعلم والصواب على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده) ا هـ المراد.
وقال الفتوحي في (شرح الكوكب المنير 4/577): (... ويحرم عليه أي على العامي تتبع الرخص وهو أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب.
ويفسق به أي بتتبع الرخص لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين، فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره.
قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً.
ومما يحكى أن بعض الناس تتبع رخص المذاهب من أقوال العلماء وجمعها في كتاب وذهب به إلى بعض الخلفاء فعرضه على بعض العلماء الأعيان فلما رآها قال: (يا أمير المؤمنين هذه زندقة في الدين ولا يقول بمجموع ذلك أحد من المسلمين).
قلت: هذه الحكاية نقلها الإمام الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول ص272) فقال: (وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فرفع إليّ كتاباً [لأنظر] فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم. فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.
وقال الإمام الشوكاني - رحمه الله -: (أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له فقال أبو إسحاق المروزي: يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق قال الإمام أحمد بن حنبل: لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة بالسماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقاً).
قلت: وانظر روضة الطالبين للنووي (11/108).
فصل في كيفية العمل إذا اختلفت الفتية:
إذا اختلفت الفتيا على المسلم فإنه مما ينبغي له أن يسلك مسلك الاحتياط والورع، فيختار أحوط الأقوال فمثلاً يقدم قول من يمنع على قول من يبيح: وذلك سلامة لدينه عن الشبهات، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه...)) الحديث، وقد عد الإمام الشوكاني في رسالته (كشف الشبهات) المسائل المختلف فيها من الشبهات.
ولحديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما - الذي رواه الترمذي وأحمد أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة))، قال الطيبي كما في (مرقاة المفاتيح 3/294-295): (فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة)، جاء في هذا ممهداً لما تقدمه من الكلام ومعناه: (إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب فارتيابك من الشيء منبئٌ عن كونه مظنة للباطل فاحذره، وطمأنينتك للشيء مشعر بحقيقته فتمسك به والصدق والكذب يستعملان في المقال والأفعال وما يحق ويبطل من الاعتقاد).
وروى أحمد في مسنده (4/227, 228) والطبراني (22/147 – 149) والدارمي (2/245 – 246) بإسناد حسن لشواهده عن وابصة بن معبد، قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم ؟)) قلت: نعم. قال: ((استفت قلبك: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)).
قال الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم ص440): (وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا ممن يقتدى به من الصحابة وسلف الأمة فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء وحكَّ في صدره لشبهة موجودة ولم يجد من يفتي بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون).
وقال – أيضاً - معلقاً على حديث النواس بن سمعان الذي رواه مسلم في صحيحه: ((البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس))، قال: (الإثم ما حاك) إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجاً وضيقاً وقلقاً واضطراباً، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه وهو ما استنكره الناس فاعله وغير فاعله، ومن هذا المعنى قول ابن مسعود – رضي الله عنه – ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح.
وفي حديث وابصة وأبي ثعلبة (وإن أفتاك المفتون) يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكراً عند فاعله دون غيره. وقد جعله أيضاً إثماً، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان وكان المفتي يفتي بمجرد ظنٍ أو ميلٍ إلى هوى من غير دليل شرعي فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل: الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال فهذا لا عبرة به.
قال الإمام النووي في (شرح الأربعين) عند شرحه لقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)) مثاله: الهدية.. إذا جاءتك من شخص غالب ماله حرام وترددت النفس في حلها وأفتاك المفتي بحل الأكل فإن الفتوى لا تزيل الشبهة وكذلك إذا أخبرته امرأة بأنه ارتضع مع فلانة فإن المفتي إذا أفتاه بجواز نكاحها لعدم استكمال النصاب لا تكون الفتوى مزيلة للشبهة بل ينبغي الورع وإن أفتاه الناس. والله أعلم.
وقال الإمام الشوكاني في (إرشاد الفحول ص271): (إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلّوه عليه ويرشدوه إليه، فيسأله عن حادثته طلباً منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله – سبحانه - أو ما في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق، ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق، فإن الله - سبحانه وتعالى - قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به ويعرفه حق معرفته وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنّة، وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يسترون النصوص من العلماء ويعملون على ما يرشدونهم إليهم ويدلوهم عليه).

المراجع

شبكة المختار الأسلامية

التصانيف

فقه