كامل عمر البلال
كاتب سوداني
لا يذكر رمضان إلا وتُذكر غزوة بدر ... فرمضان شهر الانتصارات ، وفتح مكة كان أيضا في رمضان، وكثير من الانتصارات الكبرى لأمة الإسلام كانت في رمضان ، والعالمون بالايام الغُر في تاريخ الأمة يعلمون ذلك جيدا ويذكرون لك على سبيل المثال ( عين جالوت ).. وتمتد الانتصارات الرمضانية حتى تصل إلى العاشر من رمضان في أكتوبر 1973م.
سرد وقائع غزوة بدر شيّق ومثير ، والغزوة فيها مواقف كثيرة تستلزم التأمل وأخذ العبر.. لقد خرج المسلمون بجيشهم الصغير لمقابلة قافلة أبي سفيان القادمة من الشام وعرف أبوسفيان بخبر جيش مكة وهرب بالقافلة محوّلا اتجاهها ناحية البحر ، وعرفت قريش بالأمر فسيّرت جيشها وجاءت بكبريائها وغطرستها وأصرت على ملاقاة المسلمين.. فوقعت الواقعة وهُزِموا شر هزيمة، والقصة بمجملها معروفة للكبير والصغير.
ولكن هنا يبرز سؤال : كيف عرف أبو سفيان بأن المسلمين سيعترضون طريقه؟ وأن جيش المدينة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه لملاقاته لانتزاع القافلة بأموالها تعويضا للخسائر والضّيْم الذي لقيه المسلمون في مكة ؟ كيف عرف ؟ أن أبا سفيان لم يكن رجلا عاديا، بل كان قائدا ذكيا نجيبا ذا فطنة، ولنترك الشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله يروي قصة معرفته خبر جيش المسلمين، فيقول: ... وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حَذِرا متيقّظا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره، حتى لقي مجدي بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة فقال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا إلى مناخهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهم ، ففتّه، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعا، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربا، تاركا الطريق الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا من الوقوع في قبضة جيش المدينة...
هذه القصة باختصار كما أوردها المباركفوري في " الرحيق المختوم " ص 207 ... وتبقى بعد ذلك الفوائد .
الفائدة الأولى : ذكاء البادية . أن البادية العربية الصحراوية لها بيئتها وظروفها ، وقد تعلم الأعراب كيف يتعاملون معها وقد خبروا مساراتها وسبروا أغوارها...فهي عند الغرب حجارة متشابهة ورمال ممتدة وكثبان متتالية ، ولكن إعرابي البادية يستطيع أن يميز بينها ويعرف طريقه بين مساراتها جيدا، ولا يتوه فإذا جنّ الليل، رفع بصره إلى السماء فعرف من النجوم الاتجاهات والمسافات والفصول من السنة والوقت من اليوم و الليلة .. هذا نوع من العلم أصبح نادرا اليوم ، لقد أصبحت الأجهزة هي التي تتحسس لنا الطريق وتحسب لنا المسافات و تحدد لنا الاتجاهات ، فقل ذكاؤنا الفطري.. هذا الذكاء الذي كان موجودا عند هذا القائد وهو يقف في وسط الصحراء ويحمل بعرة البعير ويسحقها بيده فيرى فيها نوى التمر.. والكل قديما وحديثا يعرف ( تمر المدينة ) ، إن الجمل الذي يحوي روثه نوى البلح لابد لن يكون قادما من يثرب ! وهذا هو الاستنتاج الذي فطن إليه هذا الأعرابي القح .
فائدة ثانية : أن المطالب لا تأتي بالتمنّي ، فها هو الجهد يبذل .. بل من الطرفين .. للحصول على النصر، أبو سفيان يستكشف ويستعلم ويرسل إلى أهل مكة ، أبوجهل يحشد الجيش ، وأشراف مكة يموّلون ، وعتبة بن ربيعة يمد بالرأي .. ونفس الاستعدادات كانت على الجانب الآخر : تجييش الجيش، وتوزيع القيادات، ووضع الخطة الحربية، ولكن هنا في معسكر الإيمان كان هناك أمر آخر لا يوجد لدى أهل الشرك .. إلا وهو الاستعانة برب العالمين وسؤال المدد من السماء ، كانت هذه نقطة جوهرية أدت إلى انتصار الإسلام وخذلان الكفر.
انسحب إبليس من ميدان القتال يوم بدر.. هل كان موجودا؟ نعم، لقد خرج مع جيش مكة متمثلا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي سيد بني كنانة.. ولنترك الشيخ المباركفوري يروي القصة:
يقول في "الرحيق المختوم": ولما رأى إبليس ما يفعل الملائكة بالمشركين خر ونكص على عقبيه وتشبث به الحارث بن هشام- وهو يظنه سراقة- فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربا، وقال له المشركون: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا، لا تفارقنا؟ فقال إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب، ثم فرّ حتى ألقى نفسه في البحر. تلك هي القصة وتبقى بعد ذلك الفوائد.
الفائدة الأولى: لقد شكل إبليس حضورا قويا بنفسه في تلك الأحداث والملاحم، لم يكتف بمهنته الأساسية (الوسوسة ثم الخنوس) ولكن تعداها إلى مرحلة المشاركة الفعلية والقولية في الأحداث.
ها هو (أزب العقبة) شيطان من جنود إبليس يصرخ في أهل مكة في موسم الحج الذي بايع فيه الرعيل اليثربي الأول النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، ويقول لهم (يا أهل الأخاشب) صرخ بها في جوف الليل (محمد والصباة لقد اجتمعوا على حربكم).. إنه هنا يحارب بصوت جهير ولا يكتفي بالوسوسة.
وفي ليلة الهجرة يأتي إبليس ويدخل (برلمان مكة).. دار الندوة في قريش متمثلا في صورة شيخ نجدي، ويحضر المداولات، ويرجح بين الآراء ويعطي قصب سبق الفوز للرأي الذي يقترح قتل محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق تفريق دمه بين القبائل.. فيرجح ولا يغادر قاعة الاجتماعات حتى يتفق معهم على طريقة تنفيذ الجريمة.. وهو هنا لا يكتفي بالصياح ولكن يشارك بشحمه ولحمه ورأيه.
إن الأمر جلل وخطير، فالحدث هو الأكبر والأعظم في تاريخ البشرية.. نبوة ستظهر، هداية ستوجد.. وإن الأمم التي ظل إبليس يضلها عبر القرون السابقة سترى نور التوحيد أخيرا، إن النبوة التي ظل العاقلون ينتظرون إشعاعها قد ظهرت أخيرا.. وهذا الأمر لا يريده إبليس، أن يظهر طريق الهداية ويتضح أمام الناس؟ كلا وألف كلا.. هذا لن يكون، ولذا لا يكتفي بإرسال جنوده وتلاميذه وعماله الصغار.. لابد أن يظهر (المعلم الكبير) هنا، فالأمر يتطلب خبرة ودراية، فالصراع الآن ليس مع شخص عادي يمكن لأي (شويطين) أن يضله في (أي ملف) ولكنه مع نبي، مؤيد بالوحي.. منصور بالملائكة، فلا بد لإبليس أن ينزل إلى الساحة بلحمه وعظمه.. والمعركة هنا معركة مصير، فإذا هلكت هذه العصابة فلن يعبد الله في الأرض أابدا، وهذا حتما هو ما يريده إبليس ولذا لم يكتف بالعمل الصغير (الوسوسة) ولا بالعامل الصغير وإنما باشر القتال بنفسه.
فائدة ثانية: إبليس لا يعلم الغيب
فلو كان يعلم الغيب لما طمع في أن يقتل المشركون محمداً صلى الله عليه وسلم، لقد نجحت مؤامراته السابقة في قتل الأنبياء والمرسلين فقتل زكريا وقتل يحيى عليهما السلام ، وقتل الكثير من أنبياء بني إسرائيل، وإبليس هنا يظن أن الخطة الخبيثة ستنجح أيضا هذه المرة، فتعشّم في قتله يوم الهجرة، ولما فشلت تلك الخطة ، واصل عراكه، وها هو الآن يشارك في (بدر) مشاركة كادية محسوسة، ولكنه لا يعلم لمن ستكون العاقبة، ولو علم لما خرج ولما شارك.. ولما رأى الملائكة تنزل من السماء عرف أن الهزيمة ستحيق بقومه أهل الشرك فهرب من ميدان المعركة التي كان يؤمل فيها كثيرا ووضع فيها كل أسلحته..
إبليس لا يعلم الغيب | فالغيب استأثره الله جل وعلا بعلمه ولم يطلع أحدا عليه، ألا فليعلم ذلك الذين يجلسون القرفصاء أمام الدجالين والمشعوذين الذين يزعمون أن لهم علاقة مع ( السفلي)- وينطقونها بكسر السين- يقصدون بها صغار الجن.. يا هؤلاء إذا كان كبيرهم لا يعلم الغيب فكيف بهؤلاء الصغار؟.
في ( ساعة الصفر وأول وقود المعركة) يوم بدر... خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي – وكان رجلاً شرسا ًسيئ الخلق – خرج من بين صفوف المشركين قائلاً : أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنّه أو لأموتن دونه . فلما خرج،
خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فلما التقيا ضربه حمزة ، فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى أقتحم فيه يريد أن تبر يمينه، ولكن حمزه ، ثنى عليه بضربة أخري أتت عليه وهو داخل الحوض. صفة ملازمة لهؤلاء العرب – مسلمهم وكافرهم – الذين اصطفاهم الله تعالى بإنزال الرسالة الخاتمة فيهم ... إلا وهى صفة " المضي في العزائم " ، كان الواحد فيهم .. إذا اقتنع بصواب أمر ، ومشى نحوه فإنه لا يتردد ولا يتراجع حتى وإن كلفه ذلك حياته.
انظر إلى هذا المشرك الذي حدد هدفا بعينه ... (الشرب من حوض المسلمين)،
خرج إليه فارس مغوار " حمزة بن عبد المطلب " فلم يتراجع ... قطعت رجله فلم يرجع بل حبا وهو مقطوع الرجل لكي يبر يمينه وكلفه ذلك حياته |
هذا هو حال " الشرس سيئ الخلق " فيهم فكيف بالأخيار النبلاء الكرماء ، إذا كان الأشرار فيهم يمضون في عزائمهم ولا يترددون ويبذلون حياتهم رخيصة في سبيل بلوغ أهدافهم – والتي قد تكون أهدافا صورية لا طائل من ورائها فكيف بالأشراف فيهم ؟
إن المضي في العزائم وعدم الانحناء للمشاق التي تعترض الطريق وكان قاسما
مشتركاً بين هؤلاء القوم الذين استحقوا حمل الرسالة لهذه الصفة ولغيرها من الصفات التي لا بد من توفرها فيمن أراد أن يواجه سيل الصد والعناد والعادات المستحكمة فيغيرها وجهة أخرى .
إن هذا الرجل لم ينل رضى الله ولكنه مات مشركا لأنه لم يوظف الصفة الحميدة فيه في طاعة الله عز وجل ، ليست القضية أن تكون شجاعاً ، كريماً ، عالماً...
ولكن القضية فيم استخدمت هذه الشجاعة وهذا الكرم وهذا العلم ؟ ولذا تفوق أهل الإيمان يوم بدر والأيام التالية ، ولم يتم ذلك بسبب تفوقهم في الصفات الشخصية والتوقد الذهني ، هذا كان موجوداً في الطرفين ، ولكنهم تفوقوا لأنهم استخدموا هذه الصفات الحميدة في طاعة الله.
إن صفة " المضي في العزائم " تعتبر علاجاً جيداً للاحباط الذي ينتابنا دائماً عندما نصادف العقبات في الطريق ، إن الواحد منا كثيراً ما يحدد له هدفاً سامياً في طريق الدعوة والهدى والإصلاح ويبدأ السير نحوه ، ولكنه يرجع من أول عقبة ، ويحبط لأدنى مشكلة ... فلنستفد من هذا المشرك الذي قطعت رجله تماماً فحبا نحو هدفه ودماؤه تسيل ... هل وصلنا إلى مرحلة قريبة من هذه فعالجنا الاحباط الذي أصبح ملازماًَ لنا؟
نأمل ذلك.
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
عقيدة إسلامية عقيدة غزوات
login |