الشيخ د صادق عبد الله عبد الماجد
المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين بالسودان

لم أقف طويلا بين سائل نفسي ومتسائل لها عن هذه الروح التي يتمتع بها، ويتفرد هذا الشعب؛ وقليلا ما تجدها في غيره، أو عند سواه.. تلك الروح التي تتمثل فيه عند الخطوب والنوازل والأزمات، وعند اشتداد الظلمة وهبوب العواصف.. ولم تردد عند السؤال أو عند التساؤل؛ لأجد الأمر في حالَيه هو نعمة ربانية؛ خصنا بها الله؛ لأمر لن يكون إلا في صالح هذه الأمة؛ حاضرا ومستقبلا؛ ممتدا وإلى آفاق بعيدة، وأعماق سحيقة.. ولكنها جميعها لا تنتهي آخر الأمر إلى خير فيها، أو خير لها..
نختلف إلى حد بعيد، ثم لا يطول بالناس الزمن حتى يتفقوا إلى حد بعيد؛ وكأن شيئا لم يكن، وتأتي بين أبناء هذه الأمة ظروف، وتمضي ظروف فيها من الخير ما فيها، ومن عاديات الزمن ما فيها؛ فإذا جبال الجليد سرعان ما تزول وتمضي، وإذا بها هباء.. ونثار وإذا بالمشاركة في الفرح والابتهاج في الخير تملأ القلوب، وتهب نسائم الأمل والتناسي والتسامح والعفو؛ وهي وحدها التي تعطر المكان والزمان والقلوب.. وحين يقلب الدهر للناس ظهر المجن، وتنهال على الناس الكروب؛ إذا بالأسى الذي غلب على أهل المصيبة سرعان ما يضمحل، ويخف أثره من فرط ما انمحى وجف وتلاشى أثرها أو كاد؛ من فرط عمق المواساة؛ المنبعثة من صميم قلوبٍ كانت حتى الأمس القريب تزايلها همسات من كيد الشيطان، ومن صنع بعض الإخوان؛ فينفلق الفجر عن صبح رطيب نديان، وإذا بالقلوب وقد ذهب عنها كل شيء، وصارت أندى من نسائم الفجر الوليد.
هذه الظواهر العجيبة التي أدهشت الكثيرين ممن قلوبهم على السودان تفيض حبا ودهشة وعبرة؛ وهو ذات الأمر الذي أدهش الأمير الحسن بن طلال الأردني؛ وهو يعلق مندهشا على ثلاثة من القياديين السياسيين بقاعة الصداقة بالخرطوم؛ وكل واحد منهم لا يجمعه مع الآخر مبدأ، أو هدف.. صاح الأمير دهشة واستغرابا: (ما الذي جمع هؤلاء الثلاث على منضدة واحدة؛ وكل منهم يغرد وحده؛ فوق سرب حزبه؟).. ولكنه السودان وشعبه، وكل من فوق ظهره وأرضه..
فهل ترى لمثل هذه الروح -التي جمعت فأوعت- أن تقود هذه الأمة إلى وحدة ضاربة الجذور بين أبنائها؛ بكل فصائلهم؛ حتى يتجاوز السودان هذه المرحلة العصيبة، وأن تبقى هذه الوحدة بينهم، وتظل عنوانا لوحدة هادفة دائمة؛ يعبر فوقها السودان إلى بر دائم من الطمأنينة والأمان والسلام، وتظل هذه الروح الشفافة الرفرافة عنوانا دائما ثابتا لوطن عزيز قويم؛ حباه الله بكل مقومات التضافر والتضامن والتسامح؛ بنفوس مطمئنة راضية؛ يبقى العهد فيها على ذلك عهدا ثابتا مع الله؛ لا تراجع فيه: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) صدق الله العظيم.

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :مجتمع