بنو مرين
المرينيون، بنو مرين أو بنو عبد الحق هي عبارة عن سلالة أمازيغية قامت بحكم بلاد المغرب الأقصى من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر ميلادي، وتوسعت حدود دولتهم خارج نطاق المغرب في زمن السلطان أبي سعيد الأول، ويوسف بن يعقوب وخاصة أيام أبي الحسن المريني، الذي شمل لدولته المغرب الأوسط والأدنى فوحد المغرب الكبير تحت رايته، مسيطرا على بلاد السوس ومعاقل الصحراء جنوبا إلى مصراتة قرب الحدود المصرية شرقا، ورندة بالأندلس شمالا، ولم يتمكن المرينيون بسط نفوذهم على كامل الأراضي التي كانت تشكل الدولة الموحدية، غير أنهم استطاعوا توحيد المغرب الاقصى والعبور إلى الأندلس للجهاد لوقف زحف ممالك إسبانيا ومكافحة القرصنة المسيحية على سواحل المغرب.
ويرجع بروزهم لوضعية بلاد المغرب الأقصى عقب كارثة معركة العُقاب عام 609 هـ، حيث ضعف وتفتت كيان السلطة المركزية لدولة الموحدين، هذا بالإضافة لتفشي وباء الطاعون وهلاك الجند، فغاب الأمن في البلاد، فبرز بنو مرين على مسرح الأحداث السياسية وتمكنوا إلحاق الهزيمة بالجيش الموحدي الذي جهزه والي فاس لحربهم في أول صدام لهم مع الموحدين، ثم تفاقم خطرهم، وازدادت قوتهم، فاستطاعوا القضاء على الدولة الموحدية والجلوس في مكانها بعد قضائهم على الموحدين في مراكش سنة 668 هـ/ 1269 م، واتخذوا من مدينة فاس عاصمة لهم. وأول سلطان لهم هو يعقوب بن عبد الحق. وحمل المرينيون مهمة الجهاد في الأندلس، ونالوا على مجموعة من المدن الأندلسية، وعلى عهد السلطان يعقوب بن عبد الحق وصل عددها 53 ما بين مدن وحصون، زيادة على 300 من القرى والبروج، أبرزها الجزيرة الخضراء وطريف وملقة وقمارش ورندة، تنازل ولده السلطان يوسف بن يعقوب عن الكثير منها مكتفياً بطريف والجزيرة الخضراء
كما وتميزت دولة بنو مرين عن بقية الدول التي سبقتها في حكم المغرب كونها لم تبلغ الحكم تحت شعار فكرة دينية كما عمل المرابطين والموحدين، فقد ارتكز بنو مرين على قوتهم العددية وتنظيماتهم القبلية، المكونة من قبائل زناتة، والمتحالفة لاحقا مع القبائل العربية، الذين شكلوا أساس جهاز مخزنها. مما أعطى هامشاً كبيراً للإبداع والتطور الفكري والحضاري، فأطلق بنو مرين للناس حرية الاعتقاد والتمذهب، فعاد المذهب المالكي إلى الظهور قوياً كما كان أيام المرابطين، بعد أن نبذ وحارب الموحدون الفروع والتقليد، وقرَّب المرينيون الأشراف الأدارسة وبجلوهم بظهائر التوقير والاحترام، وأعادوا بناء ضريح مولاي إدريس وإحياء الاحتفالات بالمولد النبوي. كما قرَّبَ المرينيون العنصر اليهودي الفارّ من الأندلس.
وواكبت الدولة المرينية تطورا عمرانيا وثقافيا، فبنى المرينيون مدن جديدة كفاس الجديد وتطاوين والمنصورة بالمغرب والبُنيَّة بالأندلس، كما اهتموا ببناء المدارس والمارستانات والمساجد والأربطة والمؤسسات الوقفية المختلفة. واستحدث المرينيون نظم إدارية وعسكرية، كمشيخة الغزاة، وبرز في عصرهم كبار الرحالة أمثال ابن بطوطة، وابن رشيد السبتي، والعبدري، والتجيبِي، والبلوي وأحمد زروق، حيث حرص المرينيين على تمتين الوحدة الإسلامية مع المشرق عن طريق هذه الرحلات واحتضنت عاصمتهم فاس كبار المؤرخين والأدباء والعلماء أمثال لسان الدين بن الخطيب وابن خلدون وابن البناء المراكشي.
تاريخ
ينسل المرينيون من بني واسين الزناتية، واستقروا في المناطق الشرقية والجنوب الشرقي من المغرب الأقصى، وكانوا من البدو الرُحَّل في بداية القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي يرعون الغنم والإبل في القفار بين منطقة فكيك وملوية (الجهة الشرقية حاليا).[14] وكانوا يتعمقون في المغرب الأقصى ويصعدون إلى التلال والأرياف، ويبلغون جهات كرسيف إلى وطاط حيث بقايا قبيلة زناتة الأولى التي يأنسون إليها، مثل مكناسة بجبال تازة وبني يرنيان من مغراوة أعالي ملوية، حيث يجمعون الكلأ بين المربع والمصيف ويعودون لمواقعهم.
«...وكانوا في مطلع القرن السابع بدوا متنقلين يرعون الإبل والغنم في قفار المغرب الشرقي بين فجيج وملوية، فينتجعون الكلأ في فصل الربيع والصيف حتى ناحية تازة ووجدة، ثم يقفلون نحو الجنوب في نهاية الخريف ”. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، المقري. »
واثناء تزعم محيو بن أبي بكر لبني مرين، شهدوا معركة الأرك وقاتلوا في صفوف الموحدين في عهد السلطان أبو يوسف يعقوب بن يوسف المنصور، وأصيب زعيمهم محيو بن أبي بكر في تلك الغزوة وهلك على إثرها سنة 592هـ - 1195م.
وخلف خلفه من الأولاد عبد الحق ووسناف ويحياتن. وكان عبد الحق أكبرهم فتزعم القبيلة، ويقول ابن خلدون في ذلك: «وكان خير أمير عليهم قياماً بمصالحهم وتعففاً عما في أيديهم وتقويماً لهم على الجادة ونظراً في العواقب واستمرت أيامهم».[18] كان الخلفاء الموحدين يعينون الأشياخ كعمال لتسيير المناطق البعيدة عن السلطة المركزية في مراكش، أبرزهم شيوخ تينمل بالأطلس وشيوخ هنتاتة بتونس. وكان هؤلاء الأشياخ معروفين باتجاههم المحافظ والمتشبث بالمهدوية وفكرها التومرتي لمؤسس الدولة عبد المؤمن الموحدي، فعندما أقدم الخليفة إدريس المأمون بحركة إصلاحية تتبرأ بعقيدة المهدي، أعلن حاكم إفريقية أبو زكرياء يحيى إسقاط الدعاء باسم الخليفة المأمون في خطب الصلاة، لأن شرعية السلطة السياسية وإمارة المؤمنين، حسب اعتقادهم، لا تستقيم إلا بالانتماء إلى المهدوية التومرتية. ولما علم المرينيون بالتحالف بين الخليفة الحفصي الجديد والعبد الواديين حاكمي تلمسان ضد السلطة الموحدية بمراكش، أسرعوا إلى مبايعة الخليفة الحفصي.
عقب انخفاض الرقعة الجغرافية والسلطة الفعلية للإمبراطورية الموحدية على شمال أفريقيا والأندلس، شهد النصف الأول من القرن الثالث عشر ميلادي تقسيما جديدا للغرب الإسلامي، ظهرت أربع قوى إسلامية جديدة، حيث انفصل الحفصيون بالمغرب الأدنى، واستولى بنو عبد الواد على المغرب الأوسط، بينما استقر الأمر فيما تبقى من الأندلس المسلمة لبني الأحمر، بعدما استولى على معظم الجزيرة الإيبيرية القشتاليون والكتلانيون والبرتغاليون، في حين كان المرينيون يمهدون الطريق نحو إقامة دولتهم.
انتشار بني مرين
عقب معركة العُقاب سنة 609 هـ ومهلك الخليفة محمد الناصر رابع خلفاء الموحدين عام 610 هـ، استلم الأمر من بعده ابنه يوسف المستنصر، الذي كان لا يزال غلاماً لم يبلغ الحلم. فضعف نفوذ الموحّدين وضاعت معها الثغور. وفي سنة 610 هـ / 1213م أقبل بنو مرين على عادتهم ودخلوا المغرب فوجدوا أحواله قد تبدلت، فاغتنموا الفرصة فشرعت القبائل المرينيّة في التوسّع في الريف وفي الغرب، ووضعوا أنفسهم مؤقّتًا تحت السلطة الاسميّة للحفصيّين، بعد أن دعا أهل مكناس عند فتحها إلى مبايعة الحفصيين، وقد افادتهم هذه الخطة حيث هادن الحفصيون المرينيين وأمدوهم بالسلاح. فأرسل الخليفة المستنصر أبا علي بن وانودين على رأس الجيش الموحدي من مراكش إلى حيث تجتمع جيوش الموحدين بفاس. وأوعز إليه أن يخرج لغزو بني مرين وأمره أن يثخن ولا يستبقي، حسب قول ابن خلدون. فالتقى الجمعان بوادي نكور فانتصر بنو مرين تحت قيادة عبد الحق بن محيو وولّى الموحدين مُدْبِرِينَ إلى تازة وفاس، وانظمت للمرينيين القبائل القريبة لهم في النسب، فتحالفوا معهم من أجل قتال قبائل رياح من بني هلال، المناصرين للموحدين للعهد الذي بينهم حيث وطنهم المنصور بذلك القطر، بالإضافة لبني عسكر أبناء عمومة بني مرين، الذين انضموا إلى الموحدين، وجرت حروب دموية سنة 614 هـ / 1217م، انتهت بسقوط زعيم بنو مرين الأمير عبد الحق محيو وكبير أولاده إدريس. فأقسم بنو مرين الأخذ بالثأر، واستأنفوا القتال حتى انتصروا عليهم وشردوهم. وبايع بنو مرين موضع عبد الحق محيو ابنه الأمير أبا سعيد عثمان، وسار على رأس جيش فأخضع عدة مدن وحصون وفرض عليها اتاوة سنوية. وزاد تفكك الدولة الموحدية، حيث ظهر مدعي النبوة ابن أبي الطواجين وقتل أتباعه المتصوف عبد السلام بن مشيش.
وفي العام 639 هـ / 1242م سيّر عبد الواحد الرشيد خليفة الموحِّدين جيشاً لقتال بني مرين، فهُزِم الموحِّدون هزيمة شنيعة، واستولى المرينيون على معسكرهم. وتوفي الرشيد في العام التالي، فخلفه أخوه أبو الحسن السعيد، الذي اعتزم القضاء على بني مرين، فسيّر جيشا كبيرا لقتالهم سنة 642 هـ - 1244 م، واشتبك مع بني مرين في موقعة هائلة، هُزِم فيها بنو مرين، وقُتِل أميرهم أبو معروف محمد بن عبد الحق، وشكلت ضربة شديدة هزّت عزائم المرينيين. وانضمت قبائل بنو هلال إلى جانب المرينيين، كقبائل الخلط وبني جابر وبني زغبة وبني سفيان وسويد وبني سليم وبني عامر وبعض بني رياح، بالإضافة لبعض بني معقل، فاعتمد المرينيون بشكل كبير على العنصر العربي في تكوين مؤسستهم الحربية. وبذلك حارب المرينيون ككتلة قبلية وليس كدولة، لدرجة أن الصراع المريني الموحدي تحول إلى صراع بين القبائل العربية (المتحالفة مع زناتة) والبربرية (مصمودة). ولم يكترث بنو عبد الواد للقرابة الاثنية والدموية التي تجمعهم بمني مرين، حيث قاتلوا في صفوف الموحدين ضد بني عمومتهم.
إنشاء الدولة
استلم إمارة بني مرين بعد مقتل أبي معروف، أخوه أبوبكر بن عبد الحق الملقّب بأبي يحيى، الذي رفع شأن بني مرين فأصبح لهم دولة منظمة، بجيش منظم وأصدر القوانين وقسم بلاد المغرب وقبائله وأقطع كلاً منهم ناحية. واستولى جنده على مكناسة سنة 643 هـ، ثم زحفوا على فاس واستولوا عليها بعد حصار شديد سنة 648 هـ - 1250م، وكان سقوط فاس أعظم ضربة أصابت دولة الموحِّدين. ولما رسخت قدم يعقوب بن عبد الحق بالمغرب واتسع سلطانه وقطع دعوة الحفصيين. واستمرّ التوسّع المرينيّ في عهد أبي يحيى بين 1244 - 1258م، وبشكل خاصّ في عهد أبي يوسف يعقوب، الذي نجح في استبعاد إدريس الواثق آخر خليفة موحّديّ، واحتلّ مرّاكش. وعرّف السلطان الجديد أبو يوسف عن نفسه بأنّه أمير المسلمين، وهو نفس اللقب الذي اعتمده المرابطون في السابق.
وفي عام 655هـ/1255م غدر عامل سجلماسة محمد القطراني بالموحدين وانحاز إلى الأمير أبا يحيى بن عبد الحق المريني وساعده على احتلال سجلماسة مقابل تعيينه واليا عليها.[23][24] فتعاظم أمر القطراني بعد ذلك وكثر أتباعه وازدادت قوته، وجاءه خبر موت الأمير أبي يحيى المريني سنة 656هـ/1256م، فثار القطراني على الدولة المرينية وانفرد بالحكم على سجلماسة، واعتذر من السلطان الموحدي المرتضى وقدم له طاعته وولائه بشرط استقلاله في سجلماسة فوافقه المرتضى، وأرسل له القاضي ابن حجاج، وعدد من الجند، وسيدا من الموحدين ليقيم في سجلماسة من غير أن يحكم. واتفق المرتضى مع القاضي ابن حجاج وقائد الجند على القطراني وقتلوه بالحيلة.
عقب أن تم للسلطان يعقوب بن عبد الحق إخضاع معظم أجزاء المغرب وأنهى دولة الموحدين، بقيت سبتة وطنجة وسجلماسة خارجة عن حكمه وسلطته، فقرر إخضاعهم قبل أن يبدأ بمهمة الجهاد في الأندلس. وبعد عودته من حصار تلمسان، توجه لحصار طنجة التي كانت تحت حكم العزفيين وحاصرهم مدة ثلاثة أشهر، واقتحموها سنة 672هـ/1273م بعد استسلام بعض جنودها بعد خلاف وقع بينهم.[25] وبعد فك الحصار على طنجة أرسل ولده الأمير يوسف إلى سبتة فحاصرها، ولكنها استعصت وصمدت، فثم التوقيع على معاهدة صلح بين الأمير أبي العباس العزفي والسلطان المريني بشرط أن يحتفظ الأول بحكم سبتة واستقلال العزفيين فيها لقاء خراج سنوي يؤديه إلى السلطان المريني.
««... فما قدموا عملا من الأعمال قبل تمهيد البلاد، والضرب على أيدي أهل الضرر والفساد، فأمنوا السبل، وسدوا الخلل، فاتسعت أحوالهم وانبسطت آمالهم، فصار أهل تلك البلاد يعظمونهم غاية الإعظام، ويعاملونهم بالبر والإكرام». »
الأندلس
«إن الصّلات بين المغرب الأقصى والأندلس قديمة ترقى إلى التاريخ القديم، وهي صلات فرضتها طبيعة الجوار وأملتها المعطيات الجغرافية... فمن المعروف أن الأندلس بعد فترة الطوائف قد اندمجت في الإمبراطورية المرابطيّة والموحديّة، أي خلال أكثر من ثلاثة قرون، كما أن دولة بني نصْر في مملكة غرناطة لم يكن لها أن تكون لولا بنو مَرين. محمد بن شريفة. »
جرب المرينيون بين سنتي 674 و741 هـ، إعادة تكرار التجربة الموحدية والمرابطية في الحضور المغربي بالأندلس، وتزامنت مساهمة المرينيين مع مرحلة انقلبت فيها موازين القوى بالبحر المتوسط الغربي لصالح المسيحيين منذ معركة العقاب، التي قال عنها ابن عذاري بأنها «كانت السبب في هلاك الأندلس».[29] حيث ساهم القشتاليون في إنشاء مملكة غرناطة كدولة تابعة لهم، ولم يعد المغرب الأقصى قادراً على تهديد الممالك المسيحية بالأندلس، بل إنه أصبح مهدداً في عقر داره عندما نجح القشتاليون، ولو لمدة قصيرة، في السيطرة على سلا سنة 658 هـ/ 1260 م.
وعقب صعوبة وازدياد الضغط الذي شنته مملكة قشتالة على مملكة غرانطة لجأ حكامها إلى الاستنجاد بسلاطين المغرب المرينيين، وكان أولهم السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق الذي جهز جيشا سنة 673 هـ / 1275م وعبر به البحر، بعد أن اشترط على ملوك غرناطة تنازلهم على جزيرة طريف والجزيرة الخضراء على الساحل الجنوبي لبلاد الأندلس، لتسهيل عبور المغاربة للأندلس وتكون قواتهم مددًا قريبًا للبلاد إذا احتاجوا إليهم في حربهم ضد النصارى. وفي سنة 674 هـ 1276م هزم جيش يعقوب بن عبد الحق القشتاليين قرب مدينة إستجة في موقعة الدونونية، ثم عبر البحر ثلاث مرات بعدها لوقف القشتاليين عند حدود غرناطة. فقاموا بحصار وغزو إشبيلية واستولوا على نواحي شريش، وأسس بقرب الجزيرة الخضراء مدينة حصينة؛ سماها «البُنيَّة»، وفي سنة 676هـ، عاد لإشبيلية، وفتك بالجيوش الإسبانية، واستولى على جبل الشرف وحصن قطنيانة وجليانة والقليعة، ثم توجهوا لقرطبة واشتبكوا مع الإسبان في أبوابها بينما توجه فرع من الجيش لتدمير القرى المجاورة، وفتحوا بعض الحصون بالقرب من مدينة الزهراء كما توجهوا نحو جيان،[31] ورجع عن طريق غرناطة، وزار حاكمها ابن الأحمر، وعاد إلى المغرب سنة 677هـ.
كما وتذكر المصادر التاريخية الإسبانية معركة ألكوي، حيث توغل جند المرينيين لبلدات فالنسية مثل ألكوي وإل بويغ، وكان لهذه الحملة أثر ترك بصمته في الرواية الشعبية الفالنسية تحتفظ إلى يومنا هذا بتفاصيلها وتتجلى في احتفالات المسلمين والمسيحيين في ألكوي (بالإسبانية: Moros y Cristianos de Alcoy).
وخلال عودة السلطان يعقوب المريني توفي حاكم مالقة من بني أشقيلولة، فأرسل ابنه لأبي يعقوب المنصور المريني رسالة يتنازل فيها عن مالقة نكاية في خاله ابن الأحمر، بل إلى الحد الذي قال فيه للمنصور: «إن لم تحزها أعطيتها للفرنج ولا يتملكها ابن الأحمر»، فاستجاب السلطان المريني مكروها، حيث كان متخوفا من رد فعل محمد الفقيه. فاستعان محمد بن الأحمر الفقيه بألفونسو العاشر ملك قشتالة على طرد يعقوب المريني من جزيرة طريف. كما راسل حاكم المغرب الأوسط وعدو بني مرين الأمير يغمراسن بن زيان للتحالف على المنصور المريني. فحاصر القشاليون جزيرة طريف،[40] ولما عزم يعقوب المنصور المريني أن يعبر إلى الأندلس، منعته من ذلك مناوشات يغمراسن في الجانب الشرقي من البلاد، فأرسل ابنه الأمير أبا يعقوب على رأس أسطول سنة 678هـ / 1279م، واستنفر فقهاء سبتة الناس للجهاد؛ وفي هذه الظروف استطاع ابن الأحمر أن يستولي على مالقة. ولما بدا لابن الأحمر أن النصارى ينوون أخذه جزيرة طريف وليس فقط إخراج المرينيين منها، نبذ عهده مع ألفوسنو وأعد أساطيله وجعلها مددًا لبني مرين، واجتمعت الأساطيل التي ناهزت السبعين سفينة، فنشبت بين الأسطول الإسلامي وبين الأسطول الإسباني معركة هائلة هُزم فيها القشتاليون.
كما وراسل السلطان المريني ابن الأحمر يُجَدِّد له الرغبة في الصلح والتحالف، وحذره من خطورة انفصام تحالف المسلمين على مصير الأندلس. وبعد ثورة سانتشو على أبيه ألفونسو العاشر، لجأ والده الملك ألفونسو العاشر إلى المنصور المريني، وطلب منه مقابلته زهراء دي لا سييرا، فعبر السلطان المغربي إلى الأندلس معاونةً لألفونسو. ثم عبر مرة ثانية بعد أن موت ألفونسو العاشر، فصالحه القشتاليون وعقدوا معه عقدًا للهدنة والموادعة.[45] وباستمرار دخول المجاهدين من المغرب إلى الأندلس قرر قادة الجيش المغربي إنشاء مراكز للمرابطة فيها، ليكون العسكر على أهبة الاستعداد لمجاهدة الممالك الإسبانية، فعُرفت هذه المجموعة بـ"مشيخة الغزاة" ورئيسها باسم شيخ الغزاة، فأصبح الحضور المريني بالأندلس يمر عبر هذه المشيخة والتي كانت تشكل اللعبة السياسية القائمة آنذاك بين المرينيين وبني الأحمر.[46][47][48] ومن الأمور التي عرقلت التواجد المريني بالأندلس غياب ولاة تابعين مباشرة لحكم فاس، حيث كان المرينيون يسارعون إلى العودة نحو المغرب الأقصى حتى وإن حققوا مكاسب مهمة بالأندلس. بسبب القنط بين صفوف الجند وتشوقهم إلى أولادهم وديارهم.
كما وضع ملوك بنو الأحمر خطة للسيطرة على جزيرة طريف لإبعاد المرينيين عن شؤون غرناطة، فتعهد محمد الثاني لسانشو الرابع ملك قشتالة بالإنفاق على جيشه مدة حصاره لمدينة طريفة لقاء أن يسلمها إليه بعد سقوطها. وبعد أربعة أشهر من الحصار المفروض عليها والذي اشترك فيه الملك خايمي الثاني ملك أراغون بموجب الاتفاق القائم مع قشتالة آنذاك ضد المرينيين، سقطت في شوال سنة 691 هـ/ 1291 م، وجاءت مصيبة الغرناطيين عندما رفض ملك قشتالة التنازل عن جزيرة طريف بالرغم من استلامه ستة حصون من ابن الأحمر لقاء تعاونه.[51] فذهبت طريف من يد السلطان المغربي، وهي المعبر الستراتيجي الذي يتم منه جواز المغاربة، والقاعدة التي تشكل عيناً على من يفقدها من الاثنين المغاربة والغرناطيين.[52] فعبر الملك الغرناطي محمد الفقيه إلى المغرب ليعتذر للسلطان المغربي عما حدث وليعيد المياه إلى مجاريها. وفعلا تحقق له ما أراد.
عام 705 هـ/ 1305م أقدمت غرناطة على تحريض شيخ الغزاة القائد عثمان بن أبي العلاء على السيطرة على سبتة، ودعمتها في معارك مباشرة خاضها ضد أبناء عمومته حكام المغرب في شمال العدوة المغربية، فأرسل السلطان أبو يعقوب يوسف جيشا بقيادة ابنه الأمير أبي سالم من أجل استرداد سبتة، لكنه فشل في مهمته؛[54] وتوجه بعدها أبو ثابت عامر سنة 707هـ/1307م، قاصدا سبتة وقام في محرم سنة 708هـ/1308م بإرسال غارات على نواحي سبتة، وأمر بناء مدينة تطاوين من أجل اتخاذها قاعدة لجيشه المعد لمهاجمة سبتة.[55] وفي الوقت نفسه أرسل كبير الفقهاء أبا يحيى بن أبي الصبر إلى ابن الأحمر يفاوضه في أمر التخلي عن سبتة، وبينما كان ينتظر الجواب مرض السلطان أبو ثابت وتوفي في طنجة في شهر صفر 708هـ/1308م، وتولى الحكم من بعده أخوه أبو الربيع سليمان الذي جهز جيشا كبيرا بقيادة تاشفين يعقوب الوطاسي، لاسترداد سبتة، التي لم يتحمل أهلها حكم بني الأحمر، فانتهز بنو مرين فرصة غياب الوالي عثمان بن أبي العلاء وعبوره إلى الأندلس بقصد الجهاد. ولما علم أهل سبتة بقدوم الجيش المريني ثاروا على من كان بسبتة من جنود حامية ابن الأحمر وأخرجوهم منها، فتمكن المرينيون من تحرير سبتة في 10 صفر 709 هـ/ 1309م،[56] وقد ساند الأسطول الأراغوني تحت إمرة الفيسكوندوي كاستلنو المرينينن في حصارهم لسبتة.[57] وعندما وصل خبر سقوط سبتة إلى ملك بني الأحمر أبي الجيوش نصر بن محمد خشي من بني مرين وأرسل وفدا إلى السلطان أبي الربيع يطلب منه الصلح، فتنازل للمرينيين عن الجزيرة الخضراء ورندة وحصونها، وقد وافق أبو الربيع على الصلح ووطد علاقته بابن الأحمر بزواجه من أخته، وأرسل السلطان المغربي المدد والمساعدة لبني الأحمر وجهز جيشا وأرسله للأندلس.
الخروج من الاندلس
في يوم 7 جمادى الثانية 741 هـ / 28 نوفمبر 1340م، وقعت أحداث معركة طريف عند ريو سالادو أسفرت عن مذبحة للمسلمين، وأسر عدد من الجنود، ومن بينهم أحد أبناء السلطان أبي الحسن، ووفاة زوجة السلطان الحفصية التي قتلت مع زوجة أخرى، وهروب السلطان بنفسه نحو سبتة، ووصف ابن الخطيب هذا الحدث: «فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء والأرزاء، التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب، وقرت بذلك عيون الأعداء» وتعتبر آخر معركة يشارك فيها المغاربة بشكل رسمي ومباشر في الأندلس. واكتفى السلطان المريني بمساعدة الأندلسيين من بعيد. فعند حصار الجزيرة الخضراء بداية سنة 743 هـ/ يوليوز 1342م اكتفى أبو الحسن بمساعدة المحاصرين من مدينة سبتة، وأرسل المؤونة لهم بحراً. وبعد سقوط الجزيرة الخضراء في بداية شوال 743 هـ/ مارس 1344 م فقد المغرب المريني نقطة هامة للعمليات العسكرية ولانتقال الجيوش، وأصبح ألفونسو الحادي عشر سيد بحر الزقاق بدون منازع.
وبقي موقعان تحت الإدارة المغربية على أرض الأندلس، وهما رندة، التي تنازلوا عنها للنصريين سنة 1361م، وجبل طارق الذي تنازلوا عنه سنة 1374 م، وبذلك لم يعد هناك وجود مريني بأرض الأندلس. ودخل المغرب مرحلة الانحلال والضعف، ولم يسلم بعدها من تدخل ودسائس بنو الأحمر في شؤونه الداخلية.[60] وأدى انقطاع العبور المغربي إلى الأندلس لترك الأندلسيين يواجهون وحدهم زحف حركة الاسترداد. كانت هزيمة طريف منعطفاً فاصلاً في تاريخ الحضور المغربي بالأندلس وبالمضيق، رغم محاولة أبو عنان في التدخل بالمنطقة، التي وصفها مؤرخون معاصرون له، مثل ابن بطوطة وابن الحاج النميري، فلا يبدو أنه أضاف مكاسب حاسمة للحضور المغربي بالأندلس وبالمضيق. لأن اهتمامات أبي عنان كانت مركزة على السودان الغربي وبلاد المغرب في المقام الأول، أما الشؤون الأندلسية، فكانت تأتي في مرتبة ثانوية ضمن اهتماماته.[61] وقد استطاع السلطان أبو فارس عبد العزيز استرجع الجزيرة الخضراء سنة 770 هـ ولو مؤقتاً، فإن المرينيين فيما بعد أبي عنان، لم يتمكنوا من تهديد الممالك المسيحية الأوربية بالأندلس وبالمضيق. وقد تأكد ضعف الحضور المغربي بهذه المنطقة بعد أن سقطت سبتة بيد البرتغاليين سنة 818 ه/ 1415 م. وتقلص التدخل المريني بالأندلس تم انقطاعه نهائيا[62] كان سببه عدة عوامل، أبرزها الحروب مع جيرانهم بني عبد الواد، والفتن الداخلية بالمغرب، والصراع على السلطة، والاختلافات والصدامات المستمرة بين سلاطين بنو مرين وحكام مملكة غرناطة، وعدم توفر المرينيين على أسطول كبير، واختلال التوازن بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط بصفة عامة. ورغم استطاع المغرب المريني «أن يؤخر كارثة الأندلس بنحو قرنين من الزمن،[63] كما يعتبر بعض الباحثين سقوط سبتة 1415 م هو الحدث الأنسب لبداية التحول إلى العصر الحديث، عوض تاريخ سقوط القسطنطينية سنة 1453 م.
نظام الحكم
اتخذ المرينيون من مدينة فاس مركزا لهم، وذهبوا منها بعد بناء مدينة البيضاء بفاس الجديد، واتخذت منذ عهد حكم يعقوب بن عبد الحق مقرا للنظام المركزي. واتسمت سلطة المرينيين بحكم فردي وراثي وكان الأولون منهم يتسمون بأمراء المسلمين، على نفس نهج المرابطين، حتى جاء السلطان أبو عنان الذي غير التسمية إلى أمير المؤمنين. وكان السلاطين المرينيين يسيرون شؤون الدولة بأنفسهم في مجالس خاصة حسب القضايا التي كانت تباشر فيها، ومن هذه المجالس «مجلس الفصل» الذي يترأسه السلطان للنظر في القضايا المهمة وسماع الشكايات، «ومجلس الخاصة وأهل الشورى» وفيه يجتمع السلطان بأهل المشورة من أجل استشارتهم في القضايا الكبرى. و«مجلس العرض» الذي يترأسه كذلك السلطان، وكان يعقد يومي الخميس والإثنين لعرض الجيوش والفصل بين الناس، وتقدم له الهدايا ويستقبل سفراء الملوك. وأنشأ أبو الحسن «مجلس العدل» بسبتة وتلمسان لسماع الشكايات حينما يكون بإحدى المدينتين.
وكانت السلطة المركزية تتالف من الوزير الذي تتوزع صلاحياته في ترأس الجيش والمحافظة على الأمن وله سلطة على الولاة والجباة ويرفع الشكايات إلى السلطان وينظر في بعضها. ومنصب «المزوار» أو صاحب الشرطة العليا كان يرأس الحرس السلطاني وينفذ عقوبات السلطان وينظم المقابلات السلطانية، ووصف ابن خلدون ومنصب لمزوار كأنه وزارة صغرى، وقد تقلد عدد من اليهود هذا المنصب. وكان منصب «صاحب العلامة» هو الكاتب الخاص الذي يكتب نيابة عن السلطان، وفي الغالب يختار من العائلات الأندلسية، يكتب قضايا الجند والمالية، ومن أهم الكتاب هو «كاتب السرد» الذي يوقع المراسيم.
«وأما زناتة بالمغرب وأعظمها دولة بني مرين فلا أثر لاسم الحاجب عندهم وأما رآسة الحرب والعساكر فهي للوزير ورتبة القلم في الحسان والرسائل راجعة إلى من يحسنها من أهلها وإن اختصت ببعض آلبيوت المصطنعين في دولتهم وأما باب السلطان وحجبه عن العامة فهي رتبة عندهم يسمى صاحبها الزوار ومعناه المقدم في تنفيذ أوامره وتصريف عقوباته وإنزال سطوا ته وحفظ المعتقلين في سجونه والعريف عليهم غي ذلك.مقدمة ابن خلدون »وفي تسيير الشؤون الجهوية اعتمد السلاطين المرينيون على جهاز مخزني، الذي كان يتكون من «صاحب القصبة» وهو الذي يشرف على السلطة المحلية وهو الواسطة بينها وبين السلطة العليا، ومنصب «صاحب الشرطة» أو «القائد» الذي يحارب الجريمة ويقيم الحد. ومنصب الوالي المختص بجباية الضرائب ويشرف على الحرس المحلي بالتعاون مع صاحب القصبة. والقاضي يفصل بين الخصوم وينظر في أموال المحجور عليهم ويحكم في مصالح الأوقاف والأبنية. ومنصب المحتسب الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويراقب الغش في الأسواق. وتميزت سياسية المرينيين عند تعيين المناصب الإدارية باستشارة السكان بخصوص منصب إمام الصلاة والخطبة والقاضي والمحتسب.
الجيش
شكل انكسار الموحدين حالة من الضعف في البر والبحر، فقام بنو مرين بإعادة بناء الأسطول على عهد السلطان أبي الحسن، ووصل عدد قطعه نحو 600 سفينة حربية. لم يستطع المرينيون أن يستعيدوا عظمة القوة البحرية، فكان الأسطول المريني – بعد تجديده – في موقف الدفاع أكثر منه في موقف الهجوم، خصوصا ضد أعمال القرصنة المسيحية التي نشطت في تلك المدة على طول السواحل المغربية، الأمر الذي دفع المرينيين إلى إقامة الأربطة والمحارس من آسفي حتى تونس، فكانت بمثابة مراكز دائمة للمراقبة ضد القراصنة المسيحيين الذين اعتادوا الهجوم على شواطئ شمال أفريقيا لسلب ما تصل إليه أيديهم وبخاصة اختطاف أطفال البدو ونسائهم ليبيعوهم أرقاء في أوروبا.تميزت هذه المحارس البحرية بطريقة الإشعار السريع والاستنفار عند ظهور العدو، ففي كل محرس رجال مرتبون في أبراج لاستطلاع البحر، فما أن تظهر سفينة غريبة تقترب من الشواطئ المغربية حتى يوقدوا النار في أعلى البرج فيراها البرج القريب ويوقد النار بدوره وهكذا فيتم الإنذار بالخطر في ليلة أو في بعضها في مسافة تسير فيها القوافل شهرين، وبذلك يتأهب الجيش ولا يؤخذ على غرة.
العلاقات الخارجية
مع اخر حكم السلالة المرينية ورثت بلاد المغرب الحدود التي نعرفها اليوم نتيجة الصراع المرير والمتجدد بين فرعي زناتة، بني مرين وبني زيان، وهو صراع لم يحسم، وترك على وجه الأرض خطاً فاصلا بين سلطتين وولائين، لم يكن تابثا أول الأمر بل كان يتغير باستمرار، فضاق تدريجيا مجال حركاته حتى أضحى من المسلمات أنه يمر حتما بين تلمسان ووجدة.
الدين
لم تنشأ دولة بني مرين في بدايتها على مشروع سياسي واضح يقوم على مذهب من المذاهب، فأطلقوا للناس حرية الاعتقاد والتمذهب. حيث لم تتدخل السلطة المرينية في توجيه الفكر المغربي توجيهاً معاكساً، فكان لهذا الموقف أثره في نهضة الفقه المالكي. لكن السلطة وجدت في المالكية الدعم المعنوي، لأن التجربة التاريخية السابقة برهنت أن مصلحة البلاد في ذلك سواء على المستوى السياسي والديني، فالمرابطون انطلقوا من الوحدة المذهبية من أجل تحقيق وحدة سياسية واقتصادية، فسارع المرينيون إلى تقريب فقهاء المالكية وإلى دعم جهودهم، فراجت من جديد المدونات المالكية، وأقبل الطلبة عليها.[89] فتوطد مذهب أهل السنة منذ هذا العصر في المغرب. فكان قيام دولة بني مرين في القرن السابع الهجري انتصاراً للمالكية على سائر الفرق والطوائف في الغرب الإسلامي، فلم تقم لفرقة أو مذهب قائمة في المنطقة كلها منذ أن بسط حكم المرينيون على بلدان المغرب وعلى قسم من الأندلس.وعندما دخل المرينيون مدينة فاس سنة 646هـ، كان الأعيان يشرفون على إدارة المساجد الجامعة بالمدينة كالقرويين، ويعينون الخطباء بعد ضعف الموحدين، ولم يستطع المرينيون في بدايتهم الإشراف على هذه المساجد الجامعة ومراقبتها، إلا ابتداءً من سنة 689هـ، حين عينوا لأول مرة الخطيب أبي الصبر أيوب، أي بعد أزيد من 40 سنة على دخولهم لفاس. وقد مهدوا لهذا الإشراف والمراقبة بإصلاح هذه المساجد.
الصحة
شاركت السلطات المرينية في إحداث مؤسسات خيرية متعددة، استفادت منها جميع طبقات المجتمع من فقراء ومعوقين وحتى الأجانب، ويصف علي الجزنائي كيف خُصص للمرضى مستشفى خارج باب الخوخة لإبعاد ضرر الماء المستعمل، وكانت توفر للمرضى الأغذية والأشربة، ووظف الأطباء لتفقد أحوالهم مرتين كل يوم.
[112] ويذكر ابن جزي تشييد السلطان أبو عنان للمارستانات في كل أقاليمه،[113] كتازة ومكناس وسلا وآسفي وفاس ومراكش والرباط وغيرها، خصصت لها أوقاف لتغطية مؤن المرضى، ويعد مارستان سيدي فرج أهم مارستان في تاريخ المغرب، أمر ببنائه السلطان المريني أبو يعقوب يوسف، سنة 685هـ / 1286م
وجدده السلطان أبو عنان عام 766هـ وأدخل عليه زيادات مهمة، وكان تلقى في هذا المستشفى دروس فيه الطب، وقد عمل الحسن الوزان ككاتب في هذا المارستان، ويحتمل أن يكون هذا المارستان قد اتخذ كنموذج لبناء أول مستشفى للأمراض النفسية في العالم الغربي، بلنسية بإسبانيا سنة 1410م.[115] واستمر مارستان سيدي فرج في أداء دوره إلى حدود منتصف القرن العشرين وبالتحديد سنة 1364هـ / 1944م، ويصفه الكتاني في سلوة الأنفاس:«بالقرب من سوق العطارين وسوق الحناء بفاس، مكان يقيم به المرضى الذين بعقولهم مرض وهم المجانين ويسمى ذلك المكان سيدي فرج، على أنه لم يدفن به أي شخص كان يسمى بهذا الاسم، وليس به قبر وإنما بنى هذا المكان أحد السلاطين ليضم مرضى المسلمين الذين لا ملجأ لهم أو مأوى يأوون إليه، وسمي باب الفرج لأن المرضى كانوا يجدون فيه ما يفرج كربهم وقد حبست عليه الحبوس التي كانت تصرف غلتها عليه.»وعرفت هذه المستشفيات انتكاسة حقيقية على عهد السلطان المريني أبي سعيد الثاني،
إذ استصدر فتوى تجيز له اقتراض أموال أوقاف المارستانات بفاس لتغطية نفقات الحرب وإدارة باقي شؤون الدولة، وقد عرفت هذه الفتوى معارضة شديدة داخل الأوساط الفاسية، وتوفي أبي سعيد قبل أداء السلف فتراجع دور هذه المستشفيات. وبلغ الرقي الحضاري في هذا العصر في مجال التعاطي مع ذوي الاحتياجات الخاصة بل وفي العناية بالحيوانات كذلك، حيث كانت هذه المستشفيات ملجأ للطيور، خصوصا اللقلاق، الذي كانت تعالجه إذا انكسر أو أصيب بأذى. وذكر الحسن الوزان عند وصفه لمدينة فاس:[119]«توجد مستشفيات ومدارس نهاية في الرونق والإتقان وكل غريب دخل المدينة له أن يقيم بهذه المستشفيات مدة ثلاثة أيام، وتوجد خارج المدينة عدة مستشفيات لا تقل إتقانا عن التي بداخلها، وكانت لها قبل مداخيل قارة». كما بادر السلطان أبو الحسن، ببناء محكم يستر المستحمين بحمة خولان (حمة سيدي حرازم)، لا يزال محتفظا به في قبو ينفصل فيه مغتسل الرجال عن النساء.
الثقافة
«يجمع الدارسون على أن العهد المريني –الحفصي- الزياني يمثل ذروة الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب، لأنها لم تعد كما كانت من قبل محصورة في منطقة معربة دون سواها، بل شاركت كل المناطق بنصيبها في حفظها ونشرها تبدو لنا ثقافة القرن 8هـ في بلاد المغرب غنية متنوعة، فننسى أنها لا تعبر عن تجربة المغرب التاريخية، بل تمثل، شكلا ومحتوى، آخر بريق سطعت به الأندلس قبل أن تغيب من الأفق وإن بقيت ماثلة في الوجدان. عبد الله العروي »
الأدب
واجهت حركة التأليف نشاطاً كبيرا في ميدان الدراسات الفقهية المالكية، نظرا لتشجيع الدولة المرينية للفقهاء، فكثرت بذلك التآليف الفقهية، واهتم الفقهاء كثيرا بشرح أمهات الفقه المالكي “كالمدونة الكبرى” حيث خصوها بعناية خاصة ورجحوها على غيرها من سائر المصنفات في المذهب المالكي، ويتجلى ذلك في كثرة الشروح والاختصارات والطرر التي وضعت عليها والتي تذكرها كتب الطبقات والتراجم بالتفصيل الدقيق،[122] ويذكر الإمام المقري كيف كان وزراء بني مرين «لا يسمحون للقاضي تولي القضاء حتى يكون مستظهرا للمدونة، كما لم يكن مسموحا للفقيه بصعود المنبر إذا لم يكن حافظا للمدونة»
وبقيت كتب النحو الأساسية التي ألفت في عهد المرينيين تدرس حتى القرن العشرين. من العوامل التي ساعدت على التلاقح الثقافي مع المشرق حرص المرينيين أكثر من الموحدين على تمتين الوحدة الإسلامية مع المشرق حيث تضاعف الاتصال بهذا القطاع عن طريق السفارات، وبواسطة ركب الحجاج، مما كان له دخل - إلى حد ما - في التمهيد لأدب الرحلات إلى الحج. ونبغ العديد من العلماء والفقهاء في العصر المريني، كابن البناء المراكشي الذي ألف في النقد والمنطق والرياضيات، والفقيه والمؤرخ ابن جزي الكلبي الكاتب بالحضرة المرينية لأبي عنان. ويذكر المقّري الأبيات التي كانت مكتوبة على دواة السلطان أبو عنان فارس:"أَنا دَوَاةُ فارسأَبِي عِنان المعتمدحَلَّفْتُ من يكتب بي بالواحد الفَرْدِ الصمدأن لا يَمُدَّ مَدَّةً فِي قَطْعِ رِزْقٍ لِأَحد.
المراجع
areq.net
التصانيف
مرينيون أسر حاكمة مسلمة الأندلس التاريخ العلوم الاجتماعية