تاريخ الأقباط
يعتبر الأقباط جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري أثناء عصوره المختلفة إذ مر عليهم كل ما مر على جميع المصريين فتاريخ مصر هو تاريخهم لكن الشئ المؤكد أن تاريخ الأقباط كتراث يكاد يكون غير معروف للغالبية العظمى من المثقفين، ناهيك عن المتعلمين غير المثقفين وغير المتعلمين ولا يختلف في هذا الأمر القبطي عن المسلم فكلاهما لا يجد المعلومة التي تعبر عن الحقيقة وتخاطب غير المتخصص، من هنا تأتي أهمية الطبعة الثانية من المرجع التاريخي المهم: تاريخ الأمة القبطية للمؤرخ المصري يعقوب نخلة روفيلة والتي صدرت عن مؤسسة مار مرقس لدراسات التاريخ القبطي ( كانت طبعته الأولى قد صدرت في عام 1989 عن مطبعة التوفيق بشارع كلوت بك بمصر ) الطبعة الثانية تصدرتها مقدمة للدكتور جودت جبرة والتي وصف فيها الكتاب بأنه أول عمل مهم يتناول تاريخ الأقباط في مؤلف واحد معتمد في مادته على المخطوطات المحفوظة بالأديرة والكنائس القديمة، وأن المؤلف التزم منهجا علميا في تقييمه للمادة التاريخية المتاحة له آنذاك فيستشهد بفقرة من فقرات الكتاب عن اضطهاد الرومان للأقباط جاء فيها: ( جاء في بعض التواريخ أنه قتل في يوم واحد من الأقباط بمدينة الاسكندرية مائتا ألف نفس) وأن كان هذا لا يخلو من المبالغة في النقل إلا أنه يدل على شدة نار الفتنة والضغينة بين القبط والروم وربما كان هذا عدد جميع الذين قتلوا من الأقباط في كل أنحاء مصر بسبب ما كان بينهم وبين الروم من خلاف وهو عدد ليس بقليل. وفى تتبعه لأصل كلمة قبط يقول المؤلف: (ويسمي الأفرنج مصر EGYPT نقلا عن اليونان الذين لما فتحوا مصر على يد الاسكندر الأكبر أطلقوا عليها اسم (ايجيبتوس) وقال بعض الباحثين في تاريخ مصر أن لفظة ايجيبتوس مركبة من كلمتين (أي) بمعني أرض أو دار و(جيبتوس) أى قفط أو (جفط ) كما ينطقها أهل الصعيد (جنوب القاهرة) للآن فيكون معنى الكلمتين معا أرض القبط أو دار القبط. وأشار يعقوب نخله إلى أن الفرقة والطائفة واستخدام الدين بغرض السلطة كان دائما أهم أسباب الضعف والتشرذم: (فلم تدم هذه الراحة والسعادة إلا قليلا حتى ظهر بين المسيحيين أنفسهم ما أدي إلى النفور والبغضاء والإيقاع ببعضهم البعض وذلك أن بعض أئمة الدين داخلهم الطمع في الاستقلال بالرئاسة فكثر ظهور البدع والشيع بين النصارى فانقسموا على ذاتهم وانشقوا إلى فئات متعددة كل فئة تلعن الأخرى وتحرمها وتزيف معتقدها. وعلى كثرة مواقع الاضطهاد التي يشير إليها المؤلف من الحكام للأقباط إلا أنه ربط فتح عمرو بن العاص لمصر بفترة من الفترات التي عاش فيها أقباط مصر في أمان: ( ولما ثبت قدم العرب في مصر شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهلية واستمالة قلوبهم إليه واكتساب ثقتهم به وتقرب سراة القوم وعقلاؤهم منه فأجاب طلباتهم. ويستمر المؤلف في استعراض أوضاع الأقباط في عهود الحكم الإسلامى المتعاقبة أموية وعباسية وحتى الدولة الفاطمية ويتعرض أيضا للمماليك والعثمانيين ولم تكن كما أشار حال المصريين عموما مسلمين وأقباط طيبة بسبب استنزاف الولاة لأموال المواطنين. وعندما يتكلم المؤلف عن المصائب التي حلت بالقبطي بسبب الحروب الصليبية في فصل خصصه لذلك قال وعندما نزل الصليبيون بمدينة تسمى الفرما قتلوا جميع من بها بدون تمييز بين مسلم أو نصراني. إلا أن المؤلف لا يلتزم بهذه القاعدة في كل أو معظم كتابه عن أثر الحروب الصليبية والتجاوزات التي أقدم عليها الصليبيون تجاه المصريين. ان هذه الأفعال أثرت تأثيرا رديئا في نفوس المسلمين ونفرت قلوبهم من كل نصرانى مهما كان مذهبه وجنسيته ولم ينل الأقباط من هذه الحروب سوى هذا. وعند حديثه عن فرض الضرائب على المصريين من قبل الحكام يركز على الضرائب التي فرضت على الأقباط ولا يشير إلى مثيلاتها التي فرضت على المسلمين في نفس الوقت. ويختتم المؤلف كتابه بفصل للتاريخ الحديث والذي يرصد فيه الأحوال الطيبة للأقباط في عهد محمد علي وينتهي بلفت النظر إلى ضرورة مراعاة الكنيسة لمصالح الأقباط بتوفير الرعاية الاجتماعية للأفراد وتقديم الخدمات لهم مؤكدا الدور الإصلاحي الحقيقي كما يناشد المؤسسات المختلفة والكنيسة بشكل خاص بضرورة الالتفات إلى الآثار القديمة وكتب خط اليد المشتتة بوجود العديد من المزايا لهذا الكتاب: فهو يؤرخ لأقباط مصر ويقدم التاريخ الآخر بهم الذي لم يدونه المؤرخون ويتوقف أمام كل ما هو إنساني وحميم في هذا التاريخ الذي سمعه المؤلف بأذنيه ورآه بعينيه أكثر مما قرأ ثمة مميزة أخرى وهي إفراده لمكان متميز لتاريخ النساء وما وقع على المرأة من اضطهاد وأن كان يركز على نساء القبط، بالرغم من المزايا السابقة إلا أن الكاتب وقع في مشكلة الانحياز الصريح للأقباط على حساب المسلمين فمثلا لا يتوقف المؤلف عندما يكون حال الأقباط جيد أنه يمر سريعا ثم يتوقف فقط عندما تقع الحوادث السيئة. وعندما يصل الأقباط إلى منصب الوزارة ينظر لذلك على أنه من الأمور الطبيعية وعندما يضار قبطي يتعامل مع ما جرى على أنه من الأمور غير العادية. بقى أن نشير إلى أن المؤرخ يعقوب نخلة روفيلة كان ينتمي إلى مجموعة من مشاهير الاقباط في القرن التاسع عشر الذين تأثروا بإصلاحات البطريرك كيرلس الرابع الملقب بأبي الاصلاح وتلقى التعليم في كلية الأقباط الكبرى واهتم بعدها بتاريخ الأقباط وأثارها. القاهرة ـ
المراجع
www.albayan.ae
التصانيف
تاريخ مصر التاريخ