تتعلق هذه الصفة بأمور عدة تتضافر مع بعضها البعض، وتؤدي إلى تمكن الخطيب من شد السامعين واستثارة أحاسيسهم، والقدرة على التأثير فيهم (فلا بد من أن يَسلم الخطيب من عيوب النطق المعروفة، فلا يكون ألثغ ولا ألدغ، وأن يكون فصيح اللسان جهوري الصوت.. الخ) (وإن وجد في منطق ولسان الخطيب عيب مما يعيق فصاحة اللسان وحسن الإلقاء فلا بد له من السعي في علاجه والتغلب عليه، فقد يكون ذلك بسبب عارضٍ جسماني كفقد الأسنان أو بسبب بعض الحميات التي يكون لها تأثير على اللسان.. وأما اللثغة الشديدة فإنه يمكن علاجها بإذن الله وذلك بالأخذ بالأسباب مع الإرادة القوية التي لها أكبر الأثر في التغلب على ذلك العائق).

وحسن الإلقاء يحكمه أربعة أمور:

أولها: جهارة الصوت وحسنه.
ثانيها: اتزان النبرات.
ثالثها: النطق الجيد.
ورابعها: الوقوف عند الموقف المناسب، وقد بيناه عند الحديث عن الأساس اللغوي.
ويمكن اكتساب جهارة الصوت بواسطة تدريب الحنجرة وترويضها على اكتساب صوت مرتفع ويتأتى ذلك عندما يخلو الواحد بنفسه في مكان، ثم يحاول أن يصرخ ويرفع صوته كأنه يخطب في الناس.
وأما اتزان النبرات فهو أن يجعل الخطيب صوته مناسبًا للمكان والسامعين فيرسله إرسالاً متوازنًا بحيث يقوى في موطن القوة ويرفق في موطن الرفق، مما يؤدي إلى تجديد الانتباه وإيقاظ الأذهان وتجديد نشاط السامع في متابعته للخطبة، ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستطيع السامع أن يعد كلماته ويحصيها.
أما الإسراع فإنه صفة ذميمة لأنها تفوت على السامع كثيرًا من النفع، وليس ذم الإسراع في الكلام يعني مدح الإبطاء فيه، لأن الإبطاء إذا خرج عن صورته الطبيعية صار ضربًا من التمطيط الذي يؤدي إلى استرخاء أسماعهم وشرود أذهانهم وانعزالهم عن خطيبهم.
وهنا ملاحظة ينبغي عدم إغفالها، وهي حول ما يتخذه بعض الخطباء من خطة في إلقاء الكلام؛ بأن يرفع صوته ثم يخفضه تدريجيًا، ثم يعود فيرفعه من جديد ليخفضه تدريجيًا مرة أخرى، ويكون هذا دأبه إلى نهاية خطبته، أو أنه يبدأ خطبته هادئًا، ثم يرفع صوته تدريجيًا، وما يزال يرفعه ويزيد في حماسته، ولا يخفضه حتى ينتهي من خطبته فيتسبب هذا في تهدج صوته، وإرهاق حنجرته. وتجد فريقًا آخر من الخطباء يجعل أحدهم صوته ينطلق على وتيرة واحدة؛ إما أن يبدأ هادئًا، ويبقى هكذا إلى نهاية خطبته، أو يبدأ متحمسًا ويبقى هكذا إلى اختتام كلامه، فينجم عن ذلك تطرق الملل والسأم إلى نفوس السامعين الذين يتطلب انتباههم ونشاطهم من الخطيب أن يلون صوته، ويتزن في نبراته بما يقتضيه المكان والجمهور الكلام.
وأما النطق الجيد، فهو بإخراج حروف الكلمة من مخارجها الطبيعية لئلا يخل بالحرف فيخل بالمعنى، كأن ينطق القاف كافًا، أو الغين خاءً، أو الضاد ظاءً.
ومن مظاهر حسن الإلقاء أن يصور الخطيب المعاني بنطقه، بأن يلفظ الاستفهام بصورة تدل على الاستفهام، وأن يلفظ التعجب بصورة تدل على التعجب، ونحو ذلك.
ومن مظاهره أيضًا، أن يتجنب الخطيب الأخطاء اللغوية والنحوية، إذ من القبيح أن يقع الخطيب في الأخطاء النحوية أثناء كلامه، خاصة إذا زادت تلك الأخطاء فرفع حيث يكون الخفض، ونصب حيث يكون الرفع.. ولم ينج من هذه الآفة إلا القليل من الخطباء الذين عنوا بلسانهم فصقلوه وقوموه بكثرة قراءتهم للقرآن الكريم وبيان النبوة وكلام العرب الأقحاح.
ولا بد أن نشير هنا إلى أنه لابد للخطيب ليكون حسن الإلقاء أن يكثر من (الارتياض والممارسة لكي ينمي مواهبه، وقد كان شيشرون أخطب خطباء الرومان يتمرن على إلقاء خطبته قبل أن يقدم على إلقائها. ومن الرياضة أن يتحدث بجيد الكلام أو يكتبه كثيرًا، وأن يكون في مرانه الخطابي محاكيًا البلغاء في أساليبهم، أو مقتبسًا منهم، أو سائرًا في مثل دربهم. ومن الرياضة أيضًا أن يعود نفسه إخراج الحروف من مخارجها، وان يقرأ كل ما يستحسنه بصوت مرتفع).

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

ثقافات فرعية