لوسي (مستحاثة)

لوسي هو الاسم الدارج لمستحاثة تحمل الرمز (A.L.288-I)، وتتكون  من عدة مئات من الشظايا العظمية التي تكون بمجموعها ما يقارب 40% من هيكل عظمي لأنثى من نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، عاشت وماتت قبل 3.2 مليون سنة. عثر على المستحاثة في أثيوبيا عام 1974 في متاهة من الأودية الضيقة في منطقة عفر إحدى أقاليم أثيوبيا : دونالد جوهانسون وموريس تاييب وتوم جاري.

اكتشاف لوسي

اكتشف لوسي (A.L.288-I) في سنة 1974 في متاهة من الأودية الضيقة في إقليم منطقة  عفر  في أثيوبيا كل من دونالد جونسون وموريس تاييب وتوم جاري. وعقب  اكتشاف 40% من هيكلها العظمي قرر العلماء أنها لشبيه الإنسان، وصُنفت على أنها من نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس Australopithecus afarensis (حيث afarensis نسبة إلى منطقة عفر الأثيوبية، أو Afar) وقُدِّر عمرها بحوالي 3.2 مليون سنة، وأنها في حياتها بلغ طولها 1.1 مترا ووزنها 29 كيلوجراما، واستنتجوا أن الهيكل يعود لأنثى أطلقوا عليها اسم "لوسي" تيمنا بأغنية لفريق البيتيلز البريطاني (لوسي في السماء مع الماسات)، وقد كانت الأغنية تتردد باستمرار في معسكر التنقيب. في عام 2000 تم اکتشاف المستحاثة سلام في أثیوبیا وهي ترجع لطفلة من النوع الانتقالي Australopithecus Afarensis عاشت قبل ما یقرب من 3,3 ملیون سنة من الآن. استغرق استخراجه من المتحجرة من قبل فریق من العلماء زهاء 6 سنوات متواصلة من العمل. تشبه لوسي في تكوينها التشريحي إلى حد كبير الشمبانزي، وبالرغم من صغر حجم المخ (375 سم3) مقارنة بالإنسان العاقل (1200 سم3 ) فإن عظام الحوض والأطراف السفلية تتطابق وظيفياً مع نظيرتها عند البشريين، وترجح أن شبيه الإنسان هذا استطاع المشي منتصباً علي قدمين وإن كان بدرجة اقل كفاءة من الإنسان. في عام 1975 اكتشف العلماء 13 هيكلاً آخر من نفس الجنس في ما يدل علي أن الجماعة قد أصيبت بكارثة طبيعية كفيضان أو غيره. هذا الاكتشاف أدى إلى معرفة الكثير عن حياة هذا الجنس شبه البشري وعلاقاته الاجتماعية. وقد أخذت لوسي شهرة إعلامية ضخمة، وعرضت شظايا المستحاثة في معرض جوال بعنوان (ميراث لوسي: كنوز أثيوبيا المخفية) استغرقت ستة سنوات في الولايات المتحدة، وحاليًا توجد في المتحف الوطني الأثيوبي بعد أن أعيدت له في 2013 وما يعرض في المعارض هو قوالب مصنعة.

وقد رجحت دراسة اقيمت في سنة 2016 أن لوسي كانت تعيش متسلقة على الأشجار.

التقديرات العمرية لأحفورة لوسي

كان موريس تاييب وجيمس أرونسون من بدءا في سنة 1974، بمعمل أرسون بجامعة كيس وسترن ريسرف، المحاولات الأولية لتقدير عمر الأحافير باستعمال طريقة قياس إشعاعات البوتاسيوم-أرجون. إلا أن هذه الجهود أعيقت بفعل عدة عوامل: كانت الصخور الموجودة في منطقة استرداد الأحفورة قد تأثرت أو تغيرت كيميائيا بفعل النشاط البركاني؛ وكانت البلورات الصالحة للتأريخ شديدة الندرة في مواد العينة؛ وكان هناك غياب كامل للفتات الخفافي في الهدار. (كان الهيكل العظمي للوسي متواجدا في جزء من تسلسل الهدار الذي تراكم بفعل أسرع معدل للترسيب، الأمر الذي تسبب بشكل جزئي في الحفاظ على لوسي في بطريقة ممتازة). أوقف العمل الميداني في الهدار في شتاء 1976-1977. وعندما استكمل بعد 30 عام في 1990، كانت تكنولوجيا الأرجون-أرجون قد حُدِّثت من قبل ديريك يورك بجامعة تورنتو. وبحلول عام 1992 كان أرونسون وروبرت قد اكتشفا عينتين ملائمتين من الرماد البركاني –كانت العينة الأقدم من الرماد قابعة تحت الأحفورة بـ 18 مترا، وكانت الأصغر قابعة تحتها بمتر واحد، وهو ما يحدد عن قرب عمر ترسب العينة. أُرخت هذه العينات بطريقة الأرجون-أرجون من قبل والتر بمعمل التاريخ الجيولوجي بمعهد الأصول البشرية، وقدر عمرها على أنه ما بين 3.22 إلى 3.18 مليون عام.

الأبحاث التي أجريت علي هيكل لوسي

تم نشر أول صورة لهيكل لوسي في ذات العام  وفي العام الذي تبعه نشر عنها أول بحث  والذي بين أن الحوض يحمل بعض أوجه الشبه بـ(STS14 ،Australopitheus africanus ) أحد الأنواع الأخرى الشبيهة بالإنسان. وعظام الركبة متشابهة مع A.L. 129 (حفرية من نفس الجنس). وفي العام 1976 نشر بحث[9] يقرر أن عظام الركبة والرضفة ولقيمات عظمة الفخذ AL129 تتشابه مع الصفات الحركية (للإنسان الحديث (العاقل) homo sapiens) بالإضافة إلى القدرة على فرد المفصل بشكل شبه مستقيم وهي صفة يتميز بها الإنسان الحديث وتؤهل للسير منتصب القامة على قدمين.

وعقبها بعام برزت دراسة تقيم القدرات الحركية للوسي وأوضحت أن القدرة التناوبية لعظمة القصبة تزيد عن مثيلها في الإنسان بثلاث إلى أربع مرات. وفي سنة 1979 خلال مؤتمر الجمعية الأمريكية للأنثروبولجيين قدم لوفجوي بحثه حول تجميع هيكل لوسي[10]. وخاصة عظام الحوض والذي بين قدرات التأقلم مع المشي علي قدمين وذلك نظرًا لعرض عظام الحوض وبالتحديد العظم اللوحي. وفي نفس العام قدم "هاري" اكتشافه بتوثيق بصمة قدم (Laetoli Hominid) وبين قدرته على الوقوف منتصبًا علي قدمين والمشي بخطوات متزنة[11]. ثم قام "لفجوي" بنشر بحثه الثاني عن تكيف السلوك الجنسي للـ A.afarensis مع المشي منتصباً[12]. وتلا ذلك بحثان عن Hominid Laetoli عن تماثل حركة المشي مع الإنسان الحديث[13][14]. وفي نفس الوقت قام باحثون آخرون بدراسة الأطراف العلوية للوسي ولاحظوا تشابه تكوين عظام العضد والساعد والكتف مع القردة، واستنتجوا قدرة لوسي علي التعلق وتسلق الأشجار. استمرت الأبحاث حول عظام الركبة والفخذ ونشر "تراديوس" أبحاثه التي فحص خلالها تشكيل الأطراف السفلية وقام بقياس انحناءات عظام الحوض والفخذ والساق

وامكانية أن قدرة لوسي على المشي علي قدمين أقل من قدرة الإنسان الحديث، ولكنها تتميز بقدرة أعلى على التسلق، وإن كانت أقل من قدرات القردة العليا. ومما أكد الاستنتاج الأخير الفحوصات التي أجراها Tuttle على عقلات الأصابع، والتي بينت مقدار تقوسها مما قد يناسب تسلق الأشجار

.في السنة التالية نشر "جونسون وإيدي" كتابهما “لوسي، بدايات الجنس البشري"، وذكروا فيه أن لوسي لم تكن تستطيع تسلق الأشجار بكفاءة، وأن الطول النسبي لعظام الأصابع وانحناء عظام الرسغ وإن كان يقترب من عظام القردة؛ إلا أنه لا يسمح بالتسلق بنفس الكفاءة، وأن هذا يمثل مرحلة وسيطة بين الإنسان والقردة. بالإضافة إلى أن فحوصات الحوض والفخذ والركبة بينت القدرة علي المشي بخطوات تكاد تطابق الأداء الحركي للإنسان الحديث[17]. وأكد هذه الملاحظات Laetoli (سبق ذكره).في عام 1983 نشر "جونكارز" أبحاثه عن النسب القياسية لأطراف لوسي[18]، وأوضح قصر عظام الفخذ والعضد مقارنة بالإنسان الحديث، واستنتج أن قدرتها علي تسلق الأشجار أقل من القردة، وقدرتها علي الركض أقل من سرعة الإنسان الحديث. وهو ما يتفق مع استنتاجات "جونسون وإيدي".

في سنة 1982 قام "فلدسمان" بسلسلة أبحاث قارن فيها بين القياسات المترية لعظام الساعد لدي مجموعات القردة والإنسان الحديث وبعض الهياكل والحفريات. وقرر ان لوسي تمثل مرحلة بدائية قد تكون النقطة التي بدأ عندها الانفصال النوعي بين Hominid (شبيه الإنسان) وPongid (وهي العائلة التي تجمع الشمبانزي والغوريلا والأورانج).

في سنة 1983 نشر "ستيرن وجونكارز" بحثهم عن الأداء الحركي للوسي[19]، وتبعه على مدي عقدين مجموعة هامة من الأبحاث المتصلة التي أوضحت بشكل محدد التشابه والاختلاف بين لوسي والإنسان الحديث من جهة وبينها وبين القردة العليا من الجهة الأخرى.ومما أوضحته هذه المجموعة من الأبحاث هو التكوين التشريحي للوسي، والذي يهئ لها القدرة على المشي على قدمين. مثل قصر الفقرات العحزية، والإزاحة الخلفية لمفصل الفخذ، وأزدياد زاوية لقيمات عظام الفخذ في اتصالها مع الركبة. كما أوضحت القصور في بعض هذه الصفات التشريحة عن أن تتطابق مع مثيلها في الإنسان الحديث. مثل انعدام التمدد الكامل لمفصلي الفخذ والركبة أثناء الوقوف.

وكما ان قصر المسافة بين نتوءات عضلات الآلية مما لا يوفر الدعم الكافي لتقليل التأرجح أثناء السير (وهو ما يقترب من خطوة الشمبانزي والغوريلا أثناء المشي علي قدمين).وبالتوازي، استمرت الأبحاث من مجموعات بحثية مختلفة علي عظام الساعد واليد  والتي حددت مدى القدرة علي التسلق.ومن الأبحاث المتفق على نتائجها، ولم يتم معارضتها إلى الآن بشكل قوي، ما نشره "كوري" في 1990 وأوضح فيه نسبة طول عظام الساعد إلى عظام الفخذ لدي لوسي مقارنة بفصيلتين من الشمبانزي (أقرب القردة العليا الحالية للإنسان الحديث) والغوريلا من جهة، ومن جهة أخرى بينها وبين عظام الإنسان الحديث. وكانت النائج أن الإنسان يمتلك أذرع أقصر من الشمبانزي (مقارنة بطول الأرجل)، ووضعت النسب لوسي بين الاثنين تماماً. وكانت نسبة عظمة الساعد إلى عظمة الفخذ 84.6% عند لوسي، و71.8% عند الإنسان الحديث، و97.8% عند الشمبانزي.

الدراسات على شكل القدم والأصاب

تم اعفاء سنة 1978 قام العالمان "وايت" و"سيو" ببناء تقديري لقدم لوسي[24]. واعتمدوا في هذا علي الصفات التشريحية لباقي العظام آخذين في عين الاعتبار الدراسات التي قام بها Tuttle وفريقه والدراسات الأخرى التي قام بها "سترن" و"سوسمان". وبمقارنة نتائجهم مع آثار الأقدام المكتشفة في تنزانيا توصلوا إلى أن أفارينيسيس يمثل النموذج الأرجح لهذه الآثار.

وبينت الدراسات أن طول أصابع الأقدام بالنسبة لطول القدم يقع بين الغوريلا والإنسان. ويمثل زيادة مقدارها 45% إلى 50% من النسبة المقابلة في الإنسان الحديث. بينما كانت نسبة طول القدم إلى طول عظمة الفخذ مساوية للحد الأعلي لمتوسط النسبة المماثلة في الإنسان الحديث. في المقابل أظهرت دراسة "لاتيمير" عام 1990[25] بعد مقارنة مع عظام العينة أن الطول المتوقع لعقلات أصابع الأقدام أقصر من تقدير البحث السابق.

عقبها  قام "سترن" بمقارنة مع عدد من الحفريات الأخرى من نفس الجنس (AL 333 – AL 115) واستنتج أن طول أصابع قدم لوسي يماثل طول أصابع طفلة عمرها سنتين.أظهرت نتائج فحص الجزء السفلي من عظمة الساق أن وضع المفصل يسمح بمدي حركة أكبر من الموجود لدي الإنسان. ثم قام "آسفاو" بتكرار التجربة باستخدام عدد أكثر من العينات البشرية ووجد أن هذا المدى من الحركة موجود عند 9% من البشر[26]. ومن بعده أوضح "مكلاتشي" أن عظمة الفخذ تتخذ وضعاً متباعداً عن الأخرى في الوضع السالب للساق وهو أكثر من نظيره في الإنسان

كانت التسعينات مطلع لسلسلة جديدة من الأبحاث التي أوضحت نقاط الاختلاف حول بعض التقاصيل. في بحث أجراه "راك" أوضح أن مدى الحركة للأطراف السفلية حول المحور الأفقي متماثل بين لوسي والإنسان الحديث ولكنه يختلف عن الحركة على المستوي الرأسي، وبين أن هذا التكوين يمكّن لوسي من المشي بخطى قريبة من خطى البشر بالرغم من قصر عظام الأرجل[28]، ويرجع هذا لعرض عظام الحوض واتساع مدي الحركة ومن ثم يؤدي إلى ازدياد استهلاك الطاقة (وقدم هذا في أبحاث أخرى علي أنه تفسير لعدم استمرار هذا التكوين التشريحي حيث أن التكوينات التالية في القردة والأنسان أكثر كفاءة من حيث استخدام الطاقة.. ولكن لم تجر أبحاث أخرى تؤيد أو تنفي).ثم قامت "بيرج" بأبحاثها التي توصلت من خلالها إلى تصميم نموذجين للحركة العضلية لمحاور الحوض والركبة ومفصل القدم للوسي – أحدهم يمثل التوزيع العضلي للقردة.

والأخر للتوزيع العضلي للإنسان بما يتناسب مع تكوين هيكل لوسي. وكانت المفاجأة، التكوين العضلي الخاص بالقردة أكثر ملائمة لهيكل لوسي ويمكنها من المشي علي قدمين بشكل أفضل من التكوين العضلي البشري مما أكد مرة اخري الاستهلاك العالي في معدل الطاقة المطلوبة نظراً لقوة العضلات والتي يمكنها تحريك الفخذ أكثر من تثبيته

وضم تحليلها النهائي علي أنه بالرغم من أن هذا التكوين العضلي يناسب المشي علي قدمين إلا أنه يوفر مدي أوسع للحركة مما يلائم الحركة فوق الأشجار. وهو ما يشير الي قدرة لوسي المتوازنة علي المشي والتسلق. وهو ما أكدته أبحاث "راف" فيما بعد  قام "كرومبتون" بتطبيق نموذج رياضي حسابي علي نمط الحركة لدي لوسي واقترح زيادة حرارة الجسم نتيجة المشي بانتصاب  ولكن أبحاث أخرى أثبتت أن الزيادة في الجهد الحراري مقبولة عندما يكون الهدف هو البحث عن الغذاء وهو ما يماثل الجهد الحراري الناتج عن حركة القردة العليا بما فيها الإنسان


المراجع

areq.net

التصانيف

علم الإنسان الطبيعي  مستحاثات  تاريخ أفريقيا   التاريخ   افريقيا