إذا كنا نرفض الانسياق وراء الدعوات الإيديولوجية التي ترى مستقبل العالم في صورة التسامح والسلام والوئام٬ أو تلك التي تعتقد بنهاية التاريخ وانفتاحه فقط على الحروب والأوبئة والمجاعات والتفكك الإثني والطائفي كإبادة بشرية٬ فلأنّنا نؤمن بضرورة ممارسة الكثير من تشاؤم العقل للوصول عن جدارة إلى تفاؤل الإرادة.
1- الديمقراطية أولا ..الديمقراطية دائما:
كيف يمكننا اليوم قراءة التحولات العالمية في جانبها الاحتجاجيّ، من وول ستريت إلى سدني مرورا بأوروبا٬ أو في مستواها الأكثر حضورا في الواقع الميداني الحيّ٬ وفي الواجهة السياسية والإعلامية ونقصد ثورات شعوب المنطقة العربية؟ صحيح أنّ مشكلات الواقع الاجتماعي الاقتصادي والسياسي تختلف٬ ولذلك تتمايز مستويات الصراع في حركتها التاريخية الخاصة بمستوى حركة تطور التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية سواء في الغرب أو في دول الجنوب بما فيها المنطقة العربية. إلا أنّ ذلك لا يمنع من تقاطع المهام النضالية بين ما يحدث في وول ستريت وأوربا٬ وبين الثورات العربية٬ أي أن هناك قواسم مشتركة لأيّ تحليل سياسيّ ثقافيّ ينطلق من الصيرورة العالمية - وهي غربية رأسمالية بالأساس- بمعنى توسيع الرؤية نحو القوانين العامة الكونية فيما يتجاوز الطرح الباحث عن الهوية والخصوصية الثابتتين في زمن العولمة. ما نريد قوله هو أنّ التناقض الرئيسيّ اليوم على المستوى العالمي٬ هو بين الاستبداد والديمقراطية. فواقع القطبية الواحدة الأحادية المهيمنة والمسيطرة والضاربة عرض الحائط بالشرعية الدولية٬ كمؤسسات المنتظم الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية…إلى جانب الانفراد والاحتكار للخيرات والثروات٬ ولكل المشاريع السياسية والاجتماعية والثقافية والتحكم الإعلامي في صناعة الرأي العام٬ وبناء الواقع الافتراضي المتناقض كليا مع الواقع الحيّ الذي تمّ حجبه وإخفاؤه والإجهاز على الكثير من المكتسبات التي حققتها الشعوب الغربية٬ كخدمات أساسية اجتماعية وثقافية تعليمية وصحية… كل هذا وغيره يجعلنا نؤكد نوعا آخر من الاستبداد لا يقلّ همجيّة عن صديقه العربي٬ في السطو على الإنتاج المادي والثقافي لشعوبه والقتل والإبادة للشعوب الضعيفة٬ ولعلّ فلسطين والعراق على سبيل المثال خير شاهد على ما نقول. وربما لو افترضنا وقوع بوش في أيدي العراقيين هل كان مصيره سيكون أجمل مما وقع لصدام والقذافي؟ نعم هناك اختلافات بين الاستبداد التسلطي الدموي كما هو ممارس في المجتمعات العربية٬ وبين الاستبداد المرن والمتخفي في سياسات الإنسان ذي البعد الواحد كما أشار إلى ذلك ماركيوز. لكن ذلك الاختلاف لم يمنع الشعوب الغربية التي هبت هي أيضا وعلا صوتها ضد خمس العالم أي 20/ المتحكمة في الثروة والسلطة والمال والإعلام٬ وفي القرارات ومصير البشرية وحياة الكوكب الأرضي. نحن إذن أمام مرحلة انتقالية على الصعيد العالمي لا يمكن للحرية والديمقراطية أن تنتكس وتندثر لدى الشعوب العربية وغيرها الثائرة اليوم٬ كما لا يمكن أن تسود الرأسمالية بصورتها البشعة وهي تتزلزل كل يوم وتتخبط في سلسلة من الأزمات المتنوعة والمختلفة. فالصيرورة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تتجه إلى نوع من التناقض التوافقي بين الرأسمالية والاشتراكية٬ ليس بالمعنى الإيديولوجي التقليدي٬ بل كوعي تنويري وممارسات اجتماعية تعبر عن نمو نوع من الذكاء الجماعي ضد مخاطر استبداد العولمة. (من خلال نموّ ميول وقوى وممارسات اجتماعية اشتراكية أي متناقضة مع المنطق الذي يحكم آليات التراكم الرأسمالي داخل المجتمعات الرأسمالية نفسها. سمير أمين). وهذه الضرورة التاريخية طويلة النفس هي التي ستؤدّي إلى سيادة المجتمع الإنساني. وهذا ما نلاحظه في ردود الأفعال المحتشمة للغرب الأوربي والأمريكي في تدبير أزماته المالية وغيرها٬ الناتجة عن المفارقة التناقضية بين مبادئ إدارة الديمقراطية السياسية بشكل قانوني عقلاني وبين جنون الاقتصاد الرأسمالي .
كما أن وحدة التاريخ العالمي الذي فرضته الرأسمالية بتناقضاتها المختلفة٬ في داخل الدول المتقدمة أو في داخل الدول المتخلفة٬ وبينهما أيضا٬ إلى جانب المتغيرات الدولية الجديدة في العلم والمعرفة والتكنولوجيا والإعلام والاتصال والثورة المعلوماتية٬ كل هذا منح ميزة في التغيير من وتيرة تغير وتحول البنى الثقافية السياسية بما في ذلك القيم و المعتقدات الدينية والتقاليد والعادات والتصورات … التي كانت عبر تاريخ البلدان المتخلفة تتمنّع وتتحصّن داخل الأطر الاجتماعية التقليدية الماضوية للمعرفة٬ وتبقى فيها الكثير من قلاع الماضي صامدة في وجه التحولات التي تطال تفكيك البنيات التحتية التقليدية. الآن يمكن الحديث إلى حدّ ما عن نوع من التاريخ والوعي الوطني العالمي الذي بفضله انفجرت الثورات العربية ضد الاستبداد٬ كما جاءت الاحتجاجات الغربية ضد النيوليبرالية المتوحشة والاحتكارية في النهب والسطو على الثروات المادية والمالية وتدمير البعد الايكولوجي لحياة البشر. إن هذه الرؤية الشاملة والتركيبية والديناميكية هي التي تجعلنا متفائلين بشأن المستقبل٬ ومطمئنين إلى أن قوى الثورة المضادة لن تستطيع العودة بالمجتمعات إلى الوراء٬ بما في ذلك قوى الإسلام السياسي فهي ملزمة بالانخراط في جدل التفاعلات السياسية والثقافية الجديدة٬ كحركات مدنية تجيب عن أسئلة المرحلة في الحرية والكرامة والحياة الكريمة والقيم المؤسساتية القانونية الديمقراطية…فهي قد ولدت مكرهة من وحل صراع الواقع الاجتماعي التاريخي٬ وليس من رحم النصوص المقدسة٬ لتجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل في زمن لم يعد فيه نعيم الجنة بقادر على تعطيل عجلة التاريخ البشري٬ بعدما تبيّن حجم جهنّم آلهة الاستبداد العربي المسلم التي أنتجتها العبودية المختارة٬ فجربت كل آليات العذاب الأليم التي لم ترد في خيال وعيد السماء. وكذلك بعدما تمزق الحجاب السياسي والثقافي الإيديولوجي الذي نسجته بإتقان طروحات بعض الإعلاميين والمفكرين الجامعيين الغربيين٬ بنشر حالة من الرعب والخوف والحذر والترقب الكارثي لاصطدام العالم المتحضر بالبرابرة الجدد٬ كما روج لذلك هنتغتون وغيره في صدام الحضارات٬ في محاولة تهيئة نفسية الغربي لتقبل الاستعمار الجديد وفق سياسة اجتماعية داروينية تعطي الشرعية لبقاء القوي وتسوغ تسلطه وهيمنته على الشعوب الضعيفة بالإبادة والتصفية الإثنية٬ وهذا ما أكدته وقائع التاريخ الملموس بعد ذلك٬ في محاولة لعرقلة نشوء وتبلور الذكاء الجماعي كوعي وطني عالمي يقف في وجه همجية العولمة والتنميط الأمريكي والأحادية القطبية. وفي هذا السياق التاريخي لزوال الحرب الباردة شجعت القوى الغربية و الأمريكية وجود فزاعات عصابية ودينية انغلاقية٬ لتطابق قلق الخوف والرعب الذي بلورته مراكز الأبحاث والدراسات الغربية الممولة والموجهة من طرف وكالات الاستخبار. فانطلت السياسة الثقافية الغربية على الرأي العام الغربي وجعلته في وضعية الانتظار الفجائي للماسي والحروب والدمار٬ و لنهاية العالم بالمعنى الأسطوري الديني٬ أي القيامة من قبل قوى الإسلام السياسي التي لا تكفّ بدورها عن تأهيل شعوبها للموت والتفكر والتدبر في يوم الحساب والبعث٬ مما شجع ثقافة الإرهاب والانتحار المجاني الذي يغذي السياسة والإعلام الغربيين٬ في السيطرة على الإدراك وبناء التوجهات والاختيارات٬ والتأسيس لقيم الحقد والكراهية والعداء. فهل كان للهجوم على البرجين وقع المفاجأة أم البرمجة المحاكة بدقة هي التي فعلت فعلها بالكثير من الذكاء الخبيث٬ ومن السياسة ما قتل. كما انطلت الخدعة على الحركات الإسلامية لتخويف شعوبها وشعوب العالم٬ في وقت كانت قياداتها ولا تزال تعمل بتمويل نفطي وتنسيق عالي المستوى مع الدوائر الغربية العلنية والسرية. يتبين لنا الآن بعد استجماع كل المعطيات أثناء التحليل٬ كيف قدمت أمريكا والغرب الأوربي آلاف القرابين من بني جلدتها٬ كجريمة ضد الإنسانية في صورة صناعة الإرهاب٬ كاستثمار امبريالي لتبرير السيطرة والهيمنة والحروب. كما يتضح لنا أين يتجلى موقع قوى الإسلام السياسي من التناقض العالمي الرئيسي اليوم بين الاستبداد والديمقراطية . 
ومن هذا المنطلق على الجميع الوعي بضرورة الحضور السياسي والثقافي والاجتماعي٬ لكل مكونات المجتمع في تقرير مصيره وصناعة مستقبله كحرية وتحرر٬ بعيدا عن ديمقراطية الجزء دون الكل أو ديمقراطية أسطورة ورثة الأنبياء والزعماء والقادة التاريخيين دون الشعب. وبعيدا أيضا عن أن يتحول دم الشهداء إلى حبر لكتابة عقد نكاح متعدد الزوجات ليس بين رجل ونساء٬ ولكن بين مستبد جديد والوطن ومن فيه وما فيه.
2- الشعب يريد بناء الدولة والمجتمع والثقافة:
لم يعد مقبولا اختزال بنية الاستبداد في الدولة كنظام سياسي٬ بل لا بدّ من إضافة البنية المجتمعية والبنية الفكرية الثقافية. فهذا الثلاثي المركب – الدولة٬ المجتمع٬ الفكر- هو المسؤول عن حقيقة التبلور الشامل للتاريخ العربي الحديث والمعاصر. يجب أن نتساءل عن جانب مسؤوليتنا كمجتمع وكمفكرين ومثقفين فيما حدث ليس فقط للاعتراف ولكن للنقد والنقد الذاتي حتى لا يتكرر ما جرى بنوع من التواطؤ الصامت أو المنتفع.
لذلك نرى انه لا ينبغي الوقوف عند سقف قتل القذافي بتلك الطريقة البشعة والبربرية والتي هي ليست أكثر من التماهي بالمستبد والمتسلط٬ كتعبير على أننا مجرد ضحايا لسياسته الاستبدادية الدموية التي نشرت التصحر السياسي والثقافي٬ كما أنها قضت نهائيا على المؤسساتية في التنظيم السياسي والتدبير المجتمعي٬ ولو في أشكالها المدنية البسيطة كقيم ديمقراطية في السلطة والقضاء والمجتمع…إلى درجة جعلت الشعوب تفقد ثقتها تجاه مؤسسات السلطة الأحادية والقمعية٬ حيث تتراكم ملفات وقضايا ومشاكل الناس دون أن تجد مخرجا عادلا أو طريقها للحل٬ حتى أبسط المشكلات المطروحة أمام القضاء تظل عالقة لعقود طويلة. لا نجد إلا الحضور الكامل للظلم والطغيان والغياب الكامل للحقوق والحريات والكرامة٬ مما عزّز لغة الصمت والرغبة في الانتقام والثأر. إن ما قتل في شخص القذافي يحمله كل مواطن عربي وباقي شعوب المنطقة أحببنا أم كرهنا٬ ولذلك علينا بان نجابه الاستبداد في البنى السياسية والاجتماعية والثقافية الدينية العميقة التي شكلتنا كبنية نفسية معرفية تراثية وثقافية اجتماعية٬ وإلا سنكون أشبه بالوعي الجنيني للطبقة العاملة الغربية٬ وهي تخوض صراعها ضد النظام الرأسمالي٬ إذ حاولت خلال إضرابها البدائي القذف بالآلات اعتقادا منها كوعي زائف أنها العدو الذي عليها القضاء عليه ومحاربته والانتقام منه٬ لكنها سرعان ما اكتشفت بخبرتها النضالية ضرورة التربية والتثقيف السياسي والثقافي لفهم واقع الصراع وبلورة الأشكال النضالية وأساليب العمل المناسبة٬ وهذا ما ينبغي الوعي به بالنسبة لنا كشعوب٬ حتى نكون في مستوى متطلبات المرحلة التي تتجاوز العقلية الاستثمارية المحكومة بالتغيير الآني والسريع٬ وتتجاوز أيضا العقلية الغيبية السحرية في قدرة الأفكار أو السلاح على قلب الأوضاع وتحقيق الأحلام والطموحات خلال سنوات معدودة. 
القذافي وغيره من رؤوس الاستبداد٬ ليسوا أكثر من مجرد آلات قهرية دموية أنتجتها جذور كامنة في البنى السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية. والحالة ليست عرضية أو طارئة كما أنها ليست حالة خاصة بمجتمع عربي دون أخر٬ بل هي قضية تتشابه على طول المنطقة كلها وعرضها. وهذه العمومية في وجود وانتشار ظاهرة البشارية والصالحية والمباركية…تجعلنا أمام ظاهرة لها بنيتها وقوانينها ودينامياتها٬ الشيء الذي يتطلب منا مجابهة - بمسؤولية حازمة- التسلط والطغيان الذي نحمله كنمط حياة وتفكير وسلوك ومعتقدات ورؤى. إننا بشكل أو بآخر ملوّثون بهذه البنية الاستبدادية التي تكاثفت في وجودها الرمزي بطريقة قتل القذافي٬ أو في الإصبع الوحيد الأحد٬ أي السبابة التي لا يكفّ مصطفى عبد الجليل عن رفعها متفاديا الشِّرك في تقليد إشارة النصر٬ وهو يوحّد نفسه في وجه الشعب. وهذا يستوجب بتر أو قتل القذافية التي نحملها في أعماقنا٬ وهي نتيجة تلك البنى التي أشرنا إليها٬ ولن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال الوعي التناقضي المتجاوز للانفعال وحالات الثأر والانتقام٬ والمتجاوز أيضا لنتيجة التماهي بالمعتدي والمتسلط. إنّ القذافية هي بنية علاقات اجتماعية سياسية وثقافية دينية٬ تحتاج إلى وسائل وأدوات ومؤسسات وعقليات سياسية واجتماعية ثقافية غير تلك التي أجهزت على مجرم خطير٬ لم ينزل من السماء ولم يكن نبتة برية في الصحراء بل ولد من رحم المجتمع العربي المسلم. 
إن الاستبداد القهري والتسلطي الدموي ليس نموذجا نقتدي به٬ بقدر ما هو الوجه المعتم والمخيف من ذاكرتنا التاريخية السياسية والثقافية الدينية٬ إلى درجة جعلنا من كل شيء في حياتنا الفردية والجماعية والمجتمعية خزانات للقداسة٬ حتى الخرق البالية والأثاث المهترئ نهيئ له غرفا خاصة٬ ليس بمعنى حماية التراث وصون الذاكرة من النسيان٬ بل بمعنى الخوف من الحياة والإقبال على شروط الموت والفناء وقهر النفس والذات٬ لتكن لنا جرأة دفن القذافية والبشارية والمباركية…وكل ما هو ميت فينا وبشكل علني٬ والتحرر من التستر على تآكل الإيمان بخرافة قدرة الآلهة على حمايتنا من القتل والمجازر والقهر٬ ونقبل بالتحولات العالمية التي أدت إلى سقوط سحر القداسة على العالم تحت ضربات التحديث والحداثة. لا مكان للازدواجية والانشطارية النفاقية٬ بين القول والفعل والنظر والعمل٬ فالمستقبل هو معانقة الحياة دون خوف وبحرية وكرامة. إن المرحلة التاريخية واللحظة الحضارية تعيد دق أجراس التنوير في جرأة انتصاب العقل ضد الاستبداد والقهر٬ عوض انتصاب الاحليل في خطاب الفاتح الجديد عبد الجليل.

المراجع

موسوعة الاوان

التصانيف

سياسة