ولد صلاح بن محمد نصر سيد أحمد النجومي، يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1920 في قرية سنتماي مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، ورغب والده بإلحاقه بكلية الطب لكنه اختار الكلية الحربية التي دخلها سنة 1936، وهناك تعرف إلى صديقه عبد الحكيم عامر الذي أقنعه بالانضمام إلى تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، هذه الصداقة التي تحولت إلى شراكة سياسية نجحت فيما بعد في الإطاحة بالملك فاروق في 23 يوليو/تموز من عام 1952 بانقلاب عسكري حمل اسم الثورة لاحقا.

هذه الصداقة حولت نصر لأهم رجال المشير عامر في مقابل رجال عبد الناصر، فكان من الطبيعي أن تؤدي إلى الإطاحة به إثر الإطاحة بالمشير عامر بعد ثلاثين عاما من العمل العسكري والسياسي.في 23 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1956، استدعاه جمال عبد الناصر وطلب منه أن يذهب إلى المخابرات العامة ليصبح نائبا لمديرها علي صبري، وبعد تعيين صبري وزير دولة، استلم نصر رئاسة المخابرات في 13 مايو/أيار من عام 1957، لتبدأ أكثر فصول حياته إثارة.

عمل صلاح نصر على إنشاء جهاز المخابرات العامة ووضع الإستراتيجية العامة له والتي تشكلت في الأمن الخارجي وجمع المعلومات خاصة فيما يتعلق بإسرائيل، وأنشىء في سبيل ذلك العديد من الشركات تابعة للمخابرات تضمن توفير النفقات الكبيرة للجهاز، ونال على التمويل من موازنة الجيش ورئاسة الجمهورية؛ هذه الشركات كبرت الآن وأصبحت تسيطر على المفاصل الأساسية للاقتصاد المصري، لكن الحصة الكبرى أصبحت من نصيب الجيش المصري.

رويدا رويدا تبدل عمل جهاز المخابرات من الأمن الخارجي إلى الأمن الداخلي، وأصبح أكثر الأجهزة الأمنية إرعابا للمصريين، وانشغل رجال المخابرات عن العدو إسرائيل وأصبح النشطاء والسياسيون والفنانون والمسؤولون هم الهدف الأول لرجال المخابرات، ليفيق الكل  على هول الصدمة، حيث دخل الجيش الإسرائيلي سيناء ودمر سلاح الجو المصري في ساعات معدودات في الخامس من يونيو/حزيران من عام 1967، ليتساءل الجميع: أين كانت المخابرات التي تعدّ على المصريين أنفاسهم.

السقوط مع المشير

بعد نكسة عام 1967 واحتلال إسرائيل سيناء، تبادل أركان النظام الناصري الاتهامات حول المسؤولية عن الهزيمة، ليتوقف المشهد بإقالة قائد الجيش عبد الحكيم عامر والإعلان عن انتحاره في مكان إقامته الجبرية، ليسقط صلاح نصر داخل مكتبه في المخابرات صباح 13 يوليو/تموز من عام 1967 مصابا بجلطة دموية.ولأنه كان الرجل الأقوى في مجموعة المشير عامر، أمر الرئيس الأسبق جمال عبد النصر باعتقال صلاح نصر ومحاكمته، وتمت محاسبته وحكم عليه بالسجن 15 عام في قضية اشتهرت إعلاميا بقضية "انحراف المخابرات"، كما حكم عليه كذلك لمدة 25 عام في قضية أطلق عليها اسم "مؤامرة المشير عامر".وشاهد المصريون بعد ذلك صلاح نصر في قاعة المحكمة داخل قفص الاتهام، وتابعوا عبر وسائل الإعلام تحميله كل الخطايا التي تسببت بالهزيمة العسكرية القاسية، واعتقد الكل أن صلاح نصر سيمضي ما تبقى من عمره داخل أسوار المعتقلات التي امتلأت على يديه بآلاف المعتقلين.

لكن الظروف تبدلت بشكل دراماتيكي، حيث مات عبد الناصر ليخلفه الرئيس أنور السادات الذي عانى من سيطرة رجال عبد الناصر على مفاصل الدولة، وأبرزهم علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف، فقرر السادات الإطاحة بهم فيما عرف بقضية "مراكز القوى"، وزج بهم في السجون، وقرر في المقابل إطلاق سراح صلاح نصر وآخرين في 22 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1974، ليترك نصر مكانه في السجن لسجانيه السابقين.

استخدام النساء

وإذا كان التعذيب والتنصت من أهم خطايا النظام الناصري، فإن أكثر الانحرافات التي ارتبطت في أذهان المصريين بصلاح نصر كان استعمال النساء -خاصة الممثلات- في التجسس وتجنيد العملاء، وشهدت السينما المصرية العديد من الأفلام ترصد هذه الظاهرة.

في مذكراته، يدافع صلاح نصر عن أسلوب تجنيد الفنانات بالقول "إن جميع أجهزة المخابرات في العالم تشغّل نسوة في مهمات خاصة فيما يطلق عليه في المهنة: أعمال السيطرة، ومع أن بعض المجتمعات تنظر إلى هؤلاء النسوة نظرة ازدراء، إلا أنني أعلن أنهن أدّين لهذا البلد خدمات تقدر بملايين الجنيهات، لقد استطعن أن يوقعن بأكثر الجواسيس العالميين دهاء، وجمعن معلومات قيمة يعجز أمهر المحترفين عن الحصول عليها".

ورغم اعتراف صلاح نصر باستعمال الفضائح الجنسية في أعمال المخابرات، فإن كتاب "شاهدة على انحرافات صلاح نصر" يبقى الأكثر إثارة للجدل حول تفاصيل هذه الأعمال. ورغم تشكيك البعض في صحة هذه الروايات، لكن الكتاب طبع عدة طبعات وما يزال يُصنَّف على أنه أخطر الكتب المصرية وأكثرها إثارة في القرن العشرين.

الكتاب الذي صدر في نهاية الثمانينيات بعد وفاة صلاح نصر، يحوي حكايات على لسان مؤلفته اعتماد خورشيد التي تقول إنها تزوجت صلاح نصر بالإكراه، وإنهم أجبروا زوجها على أن يكون شاهدا على الزواج، وتروي أنها كانت تعمل في تجنيد أبرز فنانات هذه الحقبة للعمل لصالح المخابرات.

وتحكي اعتماد عما وصفته بـ"حفلات الشذوذ الجنسي التي كان يستمتع بها صلاح نصر"، وتنسب له مقولة مثيرة "أنا بحكم عبد الناصر وبأكله، أنا بقول لعبد الناصر اخرج أو متخرجش، يا 30 مليون حيوان أنا اللي معيشكم وأنا ربنا بتاعكم"، قاصدا الشعب المصري الذي كان يبلغ تعداده وقتها ثلاثين مليون نسمة.

كبش فداء

في المقابل، يرى سياسيون أن انحرافات صلاح نصر لم تكن الا انعكاس لسياسات النظام الناصري، وأنه لا يعقل أن يبقى منفردا بعمل أخطر الأجهزة السيادية دون علم الرئيس وأعمدة الدولة، خاصة أن قصص انحرافات المخابرات كانت متداولة بين المصريين قبل هزيمة 1967.

هذه التساؤلات دفعت عبد الناصر للإجابة بشكل علني بأن المخابرات هي المسؤولة بإبلاغه عن انحرافات أجهزة الدولة، وأنه كان يشاهد بعض مظاهر الانحراف لكنه لم يكن يتصور أن تصل إلى هذا المستوى، متسائلا بشكل استنكاري "هل كان الحل أن أٌشكل جهاز مخابرات آخر يراقب جهاز المخابرات؟". مؤكدا أن فتح المجال العام بمزيد من الحريات والديمقراطية هو السبيل الوحيد لمواجهة انحرافات الأجهزة السيادية، معلنا سقوط ما وصفه بدولة المخابرات.

من جهته، يدافع هاني نجل صلاح نصر عن أبيه بأنه لم يستعمل الجنس في الحصول على المعلومات إلا مع قليل جدا من الفنانات، وكان ذلك تطوعا منهن، مشيرا إلى أن عبد الناصر هو من اقترح ذلك.

وفي مذكراته التي اشعلت ضجة كبيرة ، يقول شمس بدران وزير الحربية الذي أطاح به عبد الناصر مع صلاح نصر، إن عبد الناصر كان يعاني من تأثيرات مرض السكر على حياته الجنسية، وكان في سنواته الأخيرة يستعين بشرائط فيها مشاهد جنسية لعدد من الفنانات الشهيرات، كان يزوده بها صلاح نصر.

كما يهاجم هاني صلاح نصر في العديد من التصريحات الصحفية المؤلفة اعتماد خورشيد، ويصفها بأنها "سيئة لأقصى درجة"، وأنه تم استعمالها للتشهير بوالده من قبل شخصية لم يكشف عنها، كما هاجم الكاتبَ الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل الذي قال إن صلاح نصر كان يعاني من "كبت جنسي".بدوره، يعد عمرو نجل المشير عبد الحكيم عامر أن صلاح نصر هو المؤسس الحقيقي لجهاز المخابرات العامة، ويقول إنه إنجاز يضاهي إنجاز السد العالي، مضيفا أنه تعرض للظلم والافتراء.ونقل موقع اليوم السابع عن منشور لعمرو عامر على فيسبوك أن المخابرات العامة تعلم دوره جيدا، مدللا على استقامته باضطراره لبيع سجاد منزله وبأنه مات فقيرا، رغم أنه كان يتحكم بملايين الجنيهات خلال فترة عمله.

ويلخص شمس بدران وجهة النظر التي لا تقبل بتحميل صلاح نصر خطايا عبد الناصر، بقوله "عبد الناصر تحول من ثوري نقي إلى دكتاتور، فقد حمّل المسؤولية العسكرية للمشير عبد الحكيم عامر عن هزيمة 67، والشق السياسي للهزيمة حمله لصلاح نصر فيما أطلقوا عليه انحرافات جهاز المخابرات، بينما خرج هو من الهزيمة دون مسؤولية".

في الخامس من مارس/آذار من 1982، مات صلاح نصر أشهر رئيس للمخابرات العامة المصرية، مخلفا وراءه تراثا من الجدل والغضب ومئات من الروايات والقصص المرعبة عن التعذيب والتنصت والتجسس وحتى الانحرافات الجنسية.


المراجع

aljazeera.net

التصانيف

وفيات 1982  جواسيس مصريون  الضباط الأحرار  رجال مخابرات مصريون  عسكريون مصريون  مواليد 1920  أشخاص من الدقهلية  أعلام مصر الجديدة  أعلام ميت غمر   التاريخ   مصر