غداة رفض جان بول سارتر لجائزة نوبل كتب دولوز مقالا ثريا، نقله العزيز فتحي المسكيني إلى اللغة العربية ونشر على "الأوان"، يعترف فيه لسارتر بفضله عليه، بل بأفضاله على جيل بكامله. في جملة عابرة يقارن دولوز سارتر بكامو الذي كان، سنوات قليلة قبلها، قد أحرز الجائزة نفسها من غير أن يرفضها. لا يشير دولوز مطلقا إلى قبول كامو للجائزة، إلا أنّ الطريقة التي يتحدّث بها عن صاحب "أعراس" توحي لنا أنه لم يكن لأحد أن يتوقّع منه غير ذلك الموقف. فرغم أنّ صاحب "السقطة" "ينتسب إلى المفكّرين الملعونين"، فهو كان ينتمي في نظر دولوز إلى تقليد فكريّ لا يبالي كثيرا بما يتجدّد، "وكلّ فلسفته إنّما كانت تعود بنا إلى لالاند ومايرسون، إلى مؤلّفين كانوا بعد معروفين جيّدا لدى حاملي الباكالوريا". ينبغي أن نفهم من ذلك أنّ صاحب "أسطورة سيزيف" و"الإنسان المتمرّد" لا ينهل في نظر دولوز، إلا من معين مؤلّفين أصبحوا تقليدا، بل تقليدا يؤثّث الكتب المدرسية التي يتغذّى عليها طلاب المدارس الثانوية، والتي تمثّل الفلسفة وقد غدت "مدرسية" وأصبحت تدريسا و"كتبا مدرسية" و"مانويلات".
ليس من شكّ أنّه حكم شديد القسوة، وهو ربما أشدّ قسوة ممّا يلحق اليوم صاحب "الغريب" من طرف أولئك الذين يحاولون إزعاجه في/ من قبره. بل إنّ دولوز يذهب حدّ التحسّر على ذلك المثقف الذي ظلّ يعيش ازدواجية لم تمكّنه من تغيير فعليّ لوضعية المثقّف آنئذ. يقول :" أمّا كامو، يا للحسرة ! فكان تارة نزوعا متكبّرا إلى الفضيلة، وتارة عبثا من الدرجة الثانية"، كامو صاحب رواية "الطاعون"، هو في الوقت ذاته مؤلّف "الغريب". وهو الذي كان يكتب مدافعا عن الفقراء والمظلومين، إلا أنه لم يستطع أن يضحّي بحنان أمه ولفحات شمس تيبازة مقابل موقف واضح وصريح إزاء قضية التحرّر والعدالة، وما ذلك ربّما إلا لكونه لم يكن ذلك "المثقف الذي سيتمكّن من تغيير وضعية المثقّف".
هذا بالضبط ما سيستطيعه سارتر. فكلّ جديد "كان يمرّ من سارتر". ما كان يأتي من سارتر "هو الموضوعات الجديدة، وشيء من الأسلوب الجديد، وطريقة خصومية وشرسة جديدة في طرح المشاكل". في نص آخر غير هذا كتب دولوز:" كان سارتر مجرى هواء..لم يكن سارتر نموذجا أو منحى فكريا أو مثالا يحتذى. كان نسمة هواء… كان مثقّفا تمكّن من تغيير وضعيّة المثقف". كان "مفكّرا حرّا" والمفكّر الحرّ "يحتاج إلى عالم ينطوي على حدّ أدنى من الفوضى، حتى وإن كان أملا ثوريّا، بذرة من ثورة دائمة. ثمّة، لدى سارتر، شيء مثل تعلّق خاص بالتحرير، بالآمال الخائبة لهذه اللحظة. وكان لا بدّ من حرب الجزائر من أجل أن يعثر على شيء ما من النضال السياسي أو الاضطراب المحرِّر" وأن يكتب عن "عار"ـهم" في الجزائر".
لقد كان عند "المثقف" سارتر" فزع من فكرة أن يمثّل بالفعل شيئا ما، حتى ولو كان قيما روحية"، وهذا على خلاف كامو الذي نلفي عنده "نزوعا متكبّرا نحو الفضيلة"، والذي يجعلنا نشعر أنه عوضا أن يكون ضدّ ظلم الاستعمار كما هو في الجزائر، فهو ضدّ "الظلم"، ضدّ "الفقر"، ضدّ "الشرّ".
ما كان يقدّمه المشهد التعليميّ والثقافيّ آنئذ يتمحور حول قطبين: من جهة هناك العموميّ، هناك المؤسّسة والخضوع للتقليد. هناك "الأساتذة العموميون" و"المثقفون التقليديون".
ومن جهة أخرى: هناك الخصوصيّ و"المؤسّسة المضادّة" والحرية، و"المعلّمون" والمثقّفون "الذين لا يمثّلون شيئا".
أمران ينبغي التأكيد عليهما: الأوّل أنّه لم يكن هناك طلاق تامّ وانفصال بين "الجهتين". فالعموميّ كان يعيش على الخصوصيّ. لذلك يقول دولوز: "إنّ الطلبة لا يستمعون إلى أساتذتهم إلا حين يكون لهم أيضا معلّمون آخرون". بلغة ذلك الوقت يمكن أن نقول إنّ طلبة "الأستاذ" ريمون آرون لم يكونوا "يصغون" إليه إلا لأنّ لهم "معلّما" هو سارتر.
الأمر الثاني، وهو ما يهمّنا هنا أساسا، هو أنّ دولوز لا يضع كامو في جهة، وسارتر في الجهة المقابلة. فكامو لم يكن "أستاذا" في مقابل "المعلّم" سارتر. ما يعيبه دولوز على"المثقّف" كامو، بل ما يتحسّر عليه هو كونه، حتى وإن "كان من المفكّرين الملعونين"، حتى وان لم يكن "أستاذا عموميا"، حتى وإن كان في الضفّة الأخرى، إلا أنّه ظلّ عاجزا أن يرسم صورة أخرى للمثقّف، وأن يغدو نسمة هواء تعبق بجدّة تضاهي تلك التي كان يتنفّسها في حقول تيبازة.
المراجع
موسوعة الاوان
التصانيف
تراجم أعلام