قد يبدو التأكيد الذي يتضمّنه العنوان، مجرّد تلاعب بالألفاظ له أهداف تجارية بالدرجة الأولى ما دام يصدم مسألة يقينية أكّدتها الوقائع، أو يندرج في سياق استفزاز القناعات الدينية، لأنّه يمنح الخلود لإنسان، وهو ما تأباه كلّ الديانات السماوية التي تعتبر فناء الجسد شرطا من شروط إنسانية الإنسان. ولكنّ هدف هذه المساهمة هو التفاعل مع الكيفية التي ظلّت الآلة الإعلامية الاتّصالية تتعاطى بها مع حدث وفاة مايكل جاكسون منذ وقوعه إلى ما يفوق الشهر من الزمن. فلا يكاد يخلو يوم منذ 25 جوان 2009 إلى يومنا هذا من مقال أو خبر يتمّ تداوله في المستوى الكوني، وهدفه الأساسي خلق شيء من الارتباك لدى المتلقّي حتى لا يصدّق تماما أنّ مايكل جاكسون قد قضى نحبه. ويكفى أن نستحضر الاختلاف الوهميّ الذي أرادت الآلة الاتّصالية – الإعلامية النفخ فيه وتحويله إلى اختلاف حقيقيّ يشغل الناس، حين سعت إلى التفريق بين النوبة القلبية والسكتة القلبية عند الحديث عن أسباب الوفاة.
ويعتبر خلق الوهم آلية من آليات اشتغال الآلة الإعلامية – الإتصالية الجبّارة التي تتحكم في فضاء الإنتاج الفني في الدول الغربية وتوجّهه، والتي تريد حاليا أن تجعل مايكل جاكسون لا يموت، خاصّة وأنّ الأمر يتجاوز في حالة "الملك" الوضعية التقليدية المتمثلة في استغلال تراث الراحل وتوظيفه لتأثيث عالم صناعة الفرجة، إلى وضعية لا تخلو من تفرّد ويصعب أن تتكرّر مع غير مايكل جاكسون. تحوّل مايكل من مكوّن من مكوّنات هذه الصناعة وفاعل من فاعليها الأساسيين من الناحية النظرية على الأقلّ، إلى ضحية "نموذجية" لهذا التحالف المالي- الثقافي الذي أتقن منذ عقود صناعة النجوم وفق شروطه وحسب أساليبه ووفق أهدافه التي تمنح هذه "النجوم الأرضية" حسب العبارة الرشيقة لإدغار موران امتيازات مادية هائلة وتصبغ عليهم وجاهة تثير مشاعر أشدّ الناس حرصا على حياد المشاعر، ولكنّ هذه الآلة الجبّارة لا تتوانى في المقابل عن سلب نجوم الأرض الكثير من جوانب حياتهم وأبعادها لتعيد تشكيلها وصهرها في قوالب تيسّر تسليع هذه النجوم الأرضية، وتوفّر كلّ شروط الترويج السريع لهذه "السلعة" حتى تتضاعف أرباح أرباب هذه الصناعة الذين غيّروا إلى حدّ كبير من نمط اشتغال المجتمعات المعاصرة، وأخذوا يقصون الإنتاج والجهد ليعوّضوه بالاستهلاك والفرجة والترفيه.
ومنظور الحالة وفاة مايكل جاكسون التي لم تقع من هذه الزاوية، فإنّ السعي لخلق الغموض حول الظروف التي حفّت بها ليس سعيا عفويا، كما أنه لا يستجيب لاعتبارات أملاها سير الوقائع من الناحية الواقعية، بقدر ما يندرج في صلب الاستجابة لآلية من آليات نظام صناعة "النجوم الأرضية"، والمتمثلة في إيجاد حالة من الاجترار الإعلامي الذي لا ينتهي حول تفاصيل حياة "النجوم"، وأيضا حول رحيلهم. ويكفي أن نستحضر هنا بعض الأمثلة المعبّرة والتي تواري من خلالها إسهام "الراحلين" وتراثهم لفائدة إبقاء الغموض حيّا وفاعلا حول ظروف الوفاة. ذلك أنّ الحديث لم ينقطع منذ 1944 حول ظروف وخفايا وملابسات موت المطربة إسمهان، ويتواصل النبش منذ 1962 إلى يومنا هذا في حيثيات انسحاب مارلين مانرو من مسرح الحياة، في حين أنّ ملابسات رحيل سعاد حسنى سنة 2001 ظلت محلّ جدل وموضوع روايات "متضاربة" إلى حدّ الآن، وطغيان الجدل الذي يتغذّى بحرعات مدروسة من الغموض هو الذي يؤدّي إلى تصنيم شخصية الفنان حتى يسهل الزجّ بها في مسالك البيع والترويج الفنّي، وهو الذي يفرض الاستجابة إلى بعض الشروط التي يفرضها "التصنيم" في ما يتعلق بإعادة تشكيل الشخصية الواقعية، وما تزخر به حياتها من جزئيات وتفاصيل، وما يخترقها من تناقضات لتنصهر في قالب مسبق يتولّى التخلّص من الحقائق ويزج بشخصية "الفنان" في مسار افتراضي يتضخّم فيه الابتعاد عن الواقع وتناقضاته.
وفي مستوى إعادة الشخصية الواقعية، فإنّ جاكسون يقدّم النموذج المكتمل لتفكيك الذات الحقيقية وإعادة تفكيلها إلى الحدّ الذي يفقدها كلّ اتصال بالواقع، ويبعدها تمام الابتعاد عن الحياة، لقد ألقي بمايكل جاكسون وهو صغير السنّ في عالم الفرجة، وهو ما دفع بوالده إلى إخفاء السنّ الحقيقيّة لإبنه وإضافة سنتين كاملتين، وهذه الإضافة هي التي جعلت الطفل الصغير يستبطن بشكل لا واع شرط المرور والعبور لعالم الفرجة والبقاء فيه وشقّ مسلك في دروبه الواعرة التي تضطلع بدور الوسيط بين الباثّ والمتلقّي.
ولا شكّ أنّ عوامل نفسية متداخلة قد جعلت مايكل جاكسون يتفاعل بطريقته مع الشروط التي يفرضها عالم الفرجة على "نجومه"، فانطلق في رحلة بحث مكلفة ومرهقة ولا تخلو من غرابة عن هوية جديدة، وهذه الرحلة أكّدت أنّه كان ينظر لنفسه في عيون الآخرين، وكان لا يعترف إلا برأي المسيطرين. لقد كان مايكل جاكسون يسعى بكلّ السبل للقطع مع الماضي ولإبقاء تفاصيله خلف ظهره، مستعيدا في هذا السعي جانبا من جوانب أزمة هوية السود الأمريكان التي تتواصل منذ أربعة قرون، لقد أراد مايكل جاكسون التنصّل من البشرة، وسعى إلى اكتساب كلّ صفات الجمال الأبيض، فطفق يغيّر ملامح وجهه إلى حدّ فقدانها تماما، بعد أن تحوّل وجهه إلى ما يشبه قناعا من الجبس، وهو ما أبعده تماما عن السود الذين أرادوا التشبّه به، لكن اتضح لهم أنه لا يريد أن يشبههم ولم يصبح أبيض البشرة لأنّ عمليات التجميل المتواصلة أفقدته شرطين أساسيين من شروط مكانة الوجه الإنساني ودوره، وهما الملامح والسمات، وأيضا تدفّق علامات الحياة من إشارات وانفعالات وأحاسيس، وهذا ما افتقده مايكل جاكسون لأنّه كان في بواطن ذاته رافضا للحياة الحقيقية ساعيا لتجنّبها إلى حدّ أنّها أوصدت في وجهه أبوابها، وحكمت عليه بأن لا يموت لأنه لم يعشها ولم ينخرط في تناقضاتها، لقد كان مايكل جاكسون نافرا من كلّ أشكال الاحتكاك بالأشياء أو بالآخر، وبذاته وتناقضاتها، فتتحوّل سنوات تواجده على سطح الكرة الأرضية إلى سعي دؤوب لتجنّب كلّ أشكال الالتقاء بالحياة أو مواجهة تناقضاتها، ما دام متواجدا فيها. فكرّس جهده وماله لمواجهة كلّ شكل من أشكال تجسّدها من خلال تجنّب الأشياء والناس والاتصال بهم حتى أنّه حرص على"الإنجاب" دون اتّصال جنسي مباشر. لقد ابتلعته الأقنعة وأبعدته من دورة الحياة، وجعلته أزمة الهوية العميقة التي عانى منها بعيدا عن ركح التاريخ، رغم أنّ أبناء جلدته من الأمريكيين رغبوا في فترة ما في التشبّه به، لكن اتضح أنه لا يريد أن يشبههم، فكانت خسارته مضاعفة لأنه ولد أسود البشرة لكنّه لم يمت أبيض، ولأنه كان بعيدا عن حراك المجتمع وتناقضاته.
يصعب تصوّر حياة الكائن دون هذا التناقض وكيفية التعاطي معه، وهو ما رفضه "مايكل جاكسون" الذي لم يكن في نهاية الأمر إلا قناعا كان مبلغ همّه تجنّب الحياة والبقاء على حافّتها، وهو ما يعني أنّه لم يعشها وبما أنه لم يعش فإنه بكل تأكيد لم يمت. وأنّ وجه الإنسان هو مسكن وجوده وهو أداة تواصله مع الآخرين والمعبّر عن اختلافات ذاته، وما محطات الحياة إلا إشارات ولا يرفض التزويق والتجميل ما دام ذلك لا يفقده سماته الأساسية أما أن يتوارى الوجه خلف الأقنعة فإن ذلك يعني باختصار أنعدام الحياة وهو ما حققه مايكل جاكسون منذ سنوات، وهذا سبب ثان من أسباب الحديث عن عدم موته لأنه لم يكن حيا حتى يموت.
ولا شكّ أنّ بقاء "مايكل جاكسون" على قيد الحياة ستتولّى أمره آلة الثقافة الأمريكية التي تحرص على أن لا تصدر للآخر إلا صورة مجتمع موغل في النظر لذاته في المرآة، وفي الإيهام بأنه يعيش حالة " المرآة المكتملة التي لا يشوبها خدش ولا يخترقها تناقض ولا شكّ أنّ تزامن الاحتفاء بمايكل جاكسون مع الإساءة للأستاذ الجامعي هنري غيتس، يمثّل مؤشّرا بالغ الدلالة على أنّ الآلة الثقافية السياسية التي تتحكّم في المجتمع الأمريكي ستُبقِى جاكسون حيّا لأنّه حاجز إضافيّ أمام تطوّر وضعية السود.
المراجع
موسوعة الاوان
التصانيف
تراجم شخصيات تاريخية