"الحبس كذّاب والحيّ يروّح: ورقات من دفاتر اليسار في الزّمن البورقيبيّ" لفتحي بن الحاج يحي ليس بالكتابة المنمّقة ولا المسترسلة ولا المسفوحة بعناية على الورق، بل هو شبيه بقوسين يحتويان بين حدّيهما الكلام. كلام حيّ في مقاطع هي أجزاء من حيوات مقطّعة يجمع بينها قرار..
اٍنّه قرار الكتابة/الشّهادة الذي يتحدّى صمتا فرض من قرار عنيف واعتباطيّ آخر، قرار وضع حياة الشباب المعارض للسّياسة القائمة بين قوسين: قوسي السّجن.
إنّ قرار سجن المعارضين والمعارضات بجميع ألوانهم السّياسيّة لم يضع حيواتهم فقط بين قوسين على مدى عقود، بل وضع الحياة السّياسيّة بين قوسين وساهم في بناء عقليّة ترهب من العمل السّياسيّ وتعزف عنه، وساهم مع عوامل أخرى في تعطيل بناء ثقافة للحرّيات والدّيمقراطيّة، وفي حبس السّياسيّ بالتّفرّد بالرّأي المطلق والتّهميش واللّغة الخشبيّة والمنفعة المطلقة.
هناك أشياء لا يمكن نسيانها في تجربة السّجون. قد تنتقل في منزل الذّاكرة من غرفة اٍلى أخرى أو تستوطن الواقع كشاهدات قبور أزليّة.. أشياء تظهر أحيانا في فضاءات اللّغة وأحيانا أخرى تنام مع الأحلام والكوابيس في سرير الصّمت. أشياء لا يحكمها منطق التذكّر والنّسيان، بل هي موجودة على الدّوام تشهد بكرامة وكبرياء على جرح أبديّ.
لا وجود لبكائيّة متضخّمة تحكم شهادة بالحاج يحيى، ولا رغبة في التّباهي بآلام التّجربة.. اٍنّها فقط لحظة كلام حيّ لا يمكن لمن لم يعش التّجربة أن يقلّدها أو يستعير أقنعة أصحابها.. أولئك الذين ذهبوا أحياء اٍلى السّجون ولم يعودوا أبدا مثلما ذهبوا. بعضهم ذابت أجسادهم وأرواحهم بين الجدران وضاعت مثل غبار من ألم وقهر.. وبعضهم عاد منفيّا، يحلّق شبحه في سجوننا الكبرى. وبعضهم الآخر رجع حاملا لغة تشبه سيلا من الدّماء العنيفة من فرط رقّتها…
من أجل مواجهة الخوف من الموت كُتبت الشّهادة بعين وقحة وجريئة أرهقها طول اٍصرارها على التّحديق في شمس الفناء.. هذا الخوف يفتتح اٍحدى بدايات الكتابة في مشهد دفن أحد اليهود التّونسييّن المنسيّين، ويسري في كلّ حنايا مقاطع الكتاب بين ظلمة الزّنزانات وأقبية التّعذيب ومسرحيّات المحاكمات ولحظات جنون الجسد في صبواته المحبوسة و"العزلة والوحشة وفوضى الأحاسيس". من أجل عدم الّنسيان يبوح الشّاهد. نسيان اٍهانة الرّوح بحرمانها من الحرّية، ووضع الجسد المعذّب في أقفاص "شيّدت لفقدان الذّاكرة".
وتستمدّ الشّهادة قوّتها من "قوّة السّجن الذي لا يدع لك لحظة لتنسى أنّك فيه". ولكنّها تستمدّها كذلك من قوّة الكلام الحيّ الذي يخترق الجسد المعذّب. اٍنّه الكلام الذي لا يخجل من قول الضّعف والاٍحساس بالعار، ولكنّه يبرع في انتزاع لحظات قوّة اٍنسانيّة من غياهب السّجون قلّما عبّرت عنها شهادة أخرى.
اٍنّها شهادة تحكي تهميش المناضلين السّياسيّين، ولكنّها تفتح الأبواب لمهمّشين آخرين سجنهم المجتمع قبل أن تأويهم حيطان السّجون ونزعت عنهم أعراف البطولة في أذهان العامّة وحتّى المناضلين أنفسهم.
اٍنّ "زينوبة" المثليّ جنسيّا و"أخواته" قد أصبح لفحة الرّاحة الأولى التي استقبلت جسد الشّاهد المنهك من فرط التّعذيب.. كما كانت الخيط الرّابط بين بحث السّجناء عن تلبية حاجيّاتهم الأساسيّة و تمنّع آلة القهر..
اٍنّ لكلّ مجتمع مهمّش ومقهور هامشيّيه الذين يغضّ عن آلامهم البصر ويساهم بتهميشهم في اٍدامة ثقافة الاٍقصاء.. فالسّجن ثقافة تتجاوز الجدران الفعليّة والأقفاص الماديّة لتشمل مجتمعات بأكملها.
وتتجاور لحظات دعوة الهامشيّين اٍلى فضاء شهادة السّجن مع حكايات رقيقة عن التّضامن والمقاومة داخل السّجن وخارجه، وبطولات أهالي السّجناء والمحامين الذين تحوّل لون زيّ مهنتهم الأسود في عيون السّجناء اٍلى زيّ مقترن بالفرح والارتياح.
ففي لحظة فقدان العدالة من آلة تنظيم المجتمع يظهر التّضامن بين الذّوات من أجل حماية الحيوات هشّة، لمنعها من السّقوط تحت آلة الرّعب المميت.. إنّه وجه آخر من وجوه بناء الوعي بالعدالة وإنّها لحظة أساسيّة للنّجاة، نجاة الجميع.
بدون استدعاء لجوج لآلة التّنظير الثّقيلة، تحملنا الشّهادة اٍلى ارتياد مناطق آلة الرّعب والاٍقصاء الاجتماعيّ السّياسيّ. بدءا من لحظات اٍيقاف " المتّهم"، مرورا باشتغال آلة التّعذيب على الجسد الوحيد، وصولا اٍلى محاكمات غريبة شبّهها الشّاهد بـ"يوم الحشر".
وفي كلّ هذه المراحل يطرح السّؤال حول رؤية مجتمع كامل لنفسه وصورته التي تنعكس في مرآة هذه الطّقوس التي تقدّم فيها الشّبيبة قربانا لآلة العنف. هل يمكن أن يحدث هذا في مجتمع طالما تغنّى القدامى والمعاصرون بسماحته وانفتاحه وطيبته؟
أين موقع رجال مثل "عم الهادي" مدير أحد السّجون وغيره من الحرّاس الطيّبين في آلة تفنّنت في فرم أرواح النّاس؟ وأين مصير مئات القوانين واللّوائح التي تدعو إلى احترام الذّات وصون الحرّيات؟ ألا تتلاشى بمجرّد أن تطلّ برأسها المرعب غيلان قراءات معيّنة "للمصلحة العامّة"؟
لقد قامت مجتمعات عديدة بطرح السّؤال المرّ على نفسها في اٍطار لجان للحقيقة والمصالحة.. حاولت هذه الهيئات زيارة مناطق تجاوزات بعض المسؤولين في لحظات تاريخيّة معيّنة.
ولكن في انتظار الحقيقة والمصالحة لا مناص من أن نأخذ لغة الشّهود لنؤثّث بها حوارا مجتمعيّا حول العيش بلا عنف وتهميش..
حلّوا البيبان
 
حلّوا البيبان..
لأرواح خفيفة، عاشقة للهبلة
تستنّى
وعيون الأحباب أعواد مرجان
في بحر الظّلمة
لمّاعة
 
حبوسات الهمْ سمْ
كم من غريب ذاق مُرّارها
أحجار حيطانها ذابت
وصرنا كلّنا محبوسين
 
الحبوسات كذّابة
والكلام الحيّ صادق
كلام الأجراح
والمنفى
 
يا شمس الكلام يا مريضة
مرميّة قدّام الأبواب
وقتك متأخّر ما جاش
الحيّ يروّحلك مرّات ومرّات
يهلكو شوق الفراق
 
يا شمس الكلام يا مسكينة
أنوارك على حبال الظّلّ منشورة
وناسك جواجيهم سودا متفحّمة
واحلامهم مكسورة
 
يا شمس الكلام يا بِلاّرة
الكحل في العيون يبكي
وبناتك واولادك يفناو
بحنّتهم المغدورة
 
الحنّة غريبة وعلى الأبدان مشتّتة
الكحل هائم في حروفو المعذّبة
يا عاشق القهر يا متعوس
ضاعت راحتك في عزلة النّفوس
 
ورد الكلام عند بيّاعو زاهي
يسقيه بنكتة دم
يقطر من لهفة الشّوك
وطوفان من ماء العروق
الدمّ ييبس على الأبواب المسكّرة
والماء سارح على العيون المغمّضة
 
الدّروب معطّلة وكلام اليأس شاهد
الدّروب مسرّحة والكلام الحيّ شاهد
الحيّ للحيّ حبس
والحيّ للحيّ مسكن
 
احبسوا الحبوسات
يتفرهد الكلام
وتسلطن غنّاية النّاجين
 
طوفان قادم
والكلام محبوس
طوفان قادم
والكلام الحيّ مهجور`
 
الجهل يعمي والكلام الحيّ
أنوار
كلّ الحبوسات تفنى
كلّ الحبوسات حرام..

المراجع

alawan.org

التصانيف

أدب  أعمال أدبية  مجتمع