عبد الله زعزاع، مناضلٌ يساريٌ مَغربيٌ، تقدّم في إحدى المرّات، إلى الانتخابات الجماعية لمدينة الدّار البيضاء، حقق فوزاً كاسحاً. ولم يكن في الأمر ما قد يثير أيّ سؤال أو جدال، لولا أنّ الرجل قد صرّح في برنامجه الانتخابي، بأنه يتبنّى العلمانية وينافح عن مبدئها، فكيف صوّت الناخبون لمرشّح يعلن صراحة ومن خلال برنامجه الانتخابي، تبنّيه للعلمانية؟
تَحيّنت الفرصة لأسأله في إحدى المُناسبات، حول ما إذا كان المُواطنون قد التفتوا فعلاً، إلى مُصطلح العلمانية كما أورده في برنامجه الانتخابي، أم أنهم لم يعيروا هذه الجزئية، أيّ اهتمام يُذكر. وقد أقرّ لي جواباً، بأنّ الغالبية العُظمى من المواطنين الذين عبّروا عن نوايا التصويت لفائدته، قد انتبهوا إلى المبدأ وساجلوه حوله، ومعظمهم صرّحوا له بعدم اتفاقهم مع مسألة العلمانية، بل منهم من رأى في المبدأ مُخالفة صريحة لمنطوق الشريعة الإسلامية ومضمونها، إلاّ أن ذلك لن يَمنعهم، كما أكّدوا له، من التصويت لفائدته، والمُحصّلة أن الناخبين وثقوا في صدق الرجل وكفاءاته الميدانية، وهذا هو أعزّ ما يطلبه الناخبون في أي مجتمع.
الشعوبُ لا تنتكس إلى القيم الدينية التقليدية إلا حين تفقد ثقتها في من يتحدثون باسم المستقبل وعن المستقبل. وما تطلبه الشعوب وتطالب به فعلاً، هو تحسين شروط الحياة. إنّ أصل الحياة لدى الشعوب هو قوّة الحياة ذاتها، والتي تدفعها نحو ابتغاء سبل الإصلاح ووسائل التقدم، وأمّا التعلق بالقيم المحافظة، فإنّه عادة ما ينجم عن تدهور قوّة الحياة لدى الشعوب، وينجم قبل ذلك، عن ضعف المسألة الاجتماعية ضمن استراتيجية الدّول والفاعلين السياسيين. من هنا نفهم كيف أنّ نسبة التديّن الشعبي تكون أكثر انخفاضاً داخل المجتمعات الرّائدة في مجال الرعاية الاجتماعية. لقد منحَنا زعزاع تجربة كشفت لنا عن بُطلان الفرضية التي ترى بأن الديمقراطية، داخل الدّول النامية، تقود حتماً ومُطلقاً، إلى الفوز السّاحق للحركات الدينية والمُحافظة، وأن الشعوب تميل بحُكم طبيعتها إلى القيم الدينية والمُحافظة، ممّا يعني أننا سنحتاج دائماً وفي كل مرّة، إلى الاختيار بين أمرين أحلاهما مرٌ؛ إمّا أن نقرّر تأجيل مطلب الديمقراطية، أو نقرّر التخلّي عن بعض قيم الحداثة.
إن الشعوب، كما تبين تجربة زعزاع، تعرف ومن تلقاء نفسها، كيف تبتغي المصلحة العامة حين تكون المَصلحة العامة مُمكنة، واضحة وشاخِصة أمام أنظارها. ومُجمل القول أنّ التطرّف ليس قدرًا نهائياً أمام الشعوب الفقيرة والمُجتمعات التقليدية، ليس التطرّف قدراً بلا رادّ، وقضاء بلا لطف، وليس محتماً على تلك المُجتمعات، أن تمنح، بالضرورة والصيرورة، أصواتها وتأييدها للقادة والزعماء المُتدينين والأكثر تديناً.
ليس مُحَتماً أيْضاً، على النُخب أن تنحني، أمام القيم المحافظة، ثم تنحي باللاّئمة على من هُم أصلاً مُنْحَنون من غير لائمة، ليس مُحتماً عليها أن توظف الخطاب الديني وأن تظهر بمَظهر من يستثير المَشاعر الدينية قبل أن يستجيب إليها، بدعوى أنّ الوسيلة تبرر الغاية، والغاية يبرّرها أننا نبتغي الوصول إلى السلطة أو الفوز في الانتخابات داخل مجتمع تقليدي، كما يقول الكثيرون. إذ ليس من طبيعة الثقافات التقليدية أن تكون مُحافظة بالجوهر وبالضرورة، بل إنّ كثيراً من الثقافات التقليدية خلال مناسبات كثيرة، منحت الشعوب إمكانيات أفضل لاستيعاب أرقى مظاهر حقوق الإنسان.
في غمرة هيمنة الثقافة التقليدية، سبق للشعب الباكستاني أن منح صوته لسيّدة العالم الإسلامي، بيناظير بوتو، وهذا في وقت لم يكن فيه ذلك الاختيار ممكناً، حتى داخل الكثير من الدول الأوروبية، وفي الأمر ذكرى وعبر. في غمرة انخراطه في الثورة الإسلامية، لم يتردّد الشعب الإيراني، في أوّل انتخابات حُرّة ونزيهة عام 1981، عقب الثورة، في التصويت، وبنسبة تجاوزت سبعين في المائة، للمُفكّر الليبرالي الحسن بني صدر، والمعروف عنه إعجابه ونهمه بالكتاب الشهير لكارل بوبر، المُجتمع المَفتوح وأعداؤه.
في حين أنّ رئيس دولة الإكواتور، قد نجح عام 2008، في إقناع الشعب الإكواتوري، بالتصويت لفائدة مشروع الدستور الذي اقترحه، رغم مُقاومة الكنيسة ورفض المحافظين ورجال الدين، وهو الدستور الذي نصّ في ديباجته صراحة، على تبنّي مفهومٍ صريحٍ لمبدأ العلمانية، ثم أنه الدّستور الوحيد في عالم اليوم، الذي نصّ صراحة على الحقّ في الزواج المِثلي.
إنّ الشعوب لا تنتكس أعلامها نحو التعصّب الديني إلا في اللّحظات التي تضعف فيها قوّة الحياة لديها؛ تلك اللّحظات التي نسميها عادة بالمراحل الحرجة في تاريخ الشعوب، لحظات الشعور بالخطر الخارجي أو التفكّك الدّاخلي؛ فلقد قادت ظروف الحرب البَاردة وتوازن الرّعب، إلى ارتفاع نسبة التّديّن والتّعصب الديني لدى الأمريكيين، كما أن التهديدات الأمريكية لإيران لم تقد المجتمع الإيراني، سوى نحو مزيد من التعصب الديني، وكذلك الحال بالنسبة لشعوب أخرى قدّر لها أن تعيش تحت رحمة الحرب أو الخوف.
ليسَ هناك جوهرٌ ثابتٌ يجعلُ شعوباً محافظة وشعوباً مُتحرّرة بالطبيعة والضّرورة، وإنّما هناك فقط، اختياراتٌ سياسية تجعل نخباً محافظة ونخباً متحرّرة بالميل والصّيرورة.
المراجع
alawan.org
التصانيف
فنون أدب أدب عربي