أ.د جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة المفتوحة بأمريكا

هنالك تصور للدمقراطية والانتخابات هو في غاية السذاجة لكنه في غاية الشيوع. مفاد هذا التصور الشائع هو أن الانتخابات وقرار الأغلبية هو الحل لمشكلة التعددية مهما كان نوعها. فإذا كان الناس في الوطن الواحد منقسمين إلى عدة أديان أو أيدلجيات أو فرق داخل الأديان والأيدلجيات فما عليهم إلا أن يقولوا إن المواطنة هي الأساس ثم يتنافسوا جميعا في انتخابات حرة نزيهة ويرضون بما تسفر عنه من نتائج. ومع أن تجارب الناس في العالم، في بلاد مثل ما كان يدعى بشيكوسلوفاكيا وفي أفغانستان وفي العراق، بل وفي بلدنا هذا تدل على أن الانتخابات مهما كانت حرة ونزيهة ليست هي التي تحل مشكلة التعددية إذا كان التعدد في قضايا أساسية، فإننا ما زلنا نتوهم أن الانتخابات القادمة ستحل مشكلاتنا. لقد كانت هنالك انتخابات شهد الناس بحريتها ونزاهتها لكن حركة قرنق لم ترض بالدخول فيها حتى من حيث المبدأ، وكان السبب الحقيقي لرفضها لها هو أنها لا تلتزم بنتائجها لأنها تعلم أنها لا تحقق لها أهدافها. فمشكلة الحركة لم تحلها انتخابات وإنما حلتها ـ على الأقل مؤقتا ـ اتفاقات تحقق لها ما تريد. وإذا لم ترض في الماضي بالانتخابات حلا فهل سترضى بها في المستقبل حلا؟ هل ستلتزم كل الأطراف الموقعة على الاتفاق بنتائج انتخابات حرة ونزيهة؟ إن تجاربنا وتجارب غيرنا تقول لا. بل هنالك ما يشير منذ الآن إلى هذا. نعم إنه لا يستطيع حزب أن يقول الآن إنه ضد الانتخابات، ولكن بعض الأحزاب تلمح منذ الآن إلى أنها قد تقاطع الانتخابات، أو أنها لن ترضى بنتيجتها. إنها تشترط منذ الآن لقبول نتائجها بل حتى للدخول فيها، أن تكون حرة ونزيهة. لكن هذا شرط من السهل على كل من يخسر أو يتوقع الخسران أن يقول إنه لم يتحقق.
إن الالتزام برأي الأغلبية إنما يسهل قبوله على الجماعة المتجانسة، الجماعة التي يكون التعدد فيها داخل إطار متفق عليه كأن تكون غالبية الأمة راضية بالعلمانية وإبعاد الدين عن الحكم كما هو الحال في البلاد الغربية، أو تكون منتمية إلى دين أو مذهب ثم تكون خلافاتها إنما هي خلافات فرعية في نوع السياسات التي تحقق الهدف المتفق عليه. لا تقل لماذا لا يكون هذا الهدف هو مصلحة البلاد؟ لأنه سيقال لك إن الاختلافات الأيدلجية والدينية إنما هي في ما يعد مصلحة وما لا يعد. فالخلافات بين الداعية إلى الرأسمالة والداعية إلى الاشتراكية ليست في أن أحدهما يقول إنه يسعى لمصلحة البلاد ويقول الآخر إن هدفه هو الإضرار بها. إنهم جميعا يدعون ـ وقد يكون كل منهما صادقا في دعواه ـ بأن هدفه هو مصلحة البلاد، لكنهم يختلفون في ما يحقق هذه المصلحة.
نكرر أن الانتخابات الدمقراطية لا تحل المشكلة حين يكون الخلاف بين الأطراف حادا وفي قضايا أساسية. وهذا هو السر في عدم نجاحها في أفغانستان وفي العراق. بل وحتى في فلسطين التي شهد كل العالم بنزاهتها وحريتها وأشاد بها. الرئيس عباس كما جاء أخيرا في الأخبار يفكر في إصدار قوانين تضع شروطا لمن يحق له أن يخوض المعركة الانتخابية، شروطا محصلتها أن تكون المنافسة ضمن إطار مبادئ السلطة الفلسطينية ومباركة ما أبرمته من اتفاقات. ولما كانت حماس معارضة حتى الآن لكثير من تلك المبادئ ولما أبرم من اتفاقات فإن عليها إما أن ترضى بالخروج من الحلبة أو تدخلها بعد الإعلان عن تخليها عن مبادئها، أو تفكر في مخرح آخر.

ماالحل إذن؟
هنالك حلول كثيرة لجأت إليها الأمم لعلاج مثل هذه الاختلافات الجوهرية التي لا تكون معها دولة. وهي علاجات منها ما هو بطبعه مؤقت، ومنها ما هو دائم وحاسم. من الاتفاقات التي أراها مؤقتة ما حدث في تركيا. فالمعروف أن حزب الرفاه حزب إسلامي لكنه اضطر لخوض المعركة الانتخابية أن يعلن عن رضاه بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة لكي يدخل ضمن الإطار الأيدلجي العلماني الذي ينص عليه الدستور والذي ظل يحكم تركيا والذي لا يرضى الجيش عنه بديلا كما لا ترضى عنه بديلا بعض القيادات والأحزاب التركية المؤثرة.
من الخيارات والحلول الحاسمة خيار الانفصال الذي أخذت به دولة شيكوسلوفاكيا، ومنها خيار الفدرالية، ومنها الحل العسكري الذي لجأت إليه الولايات المتحدة في حروبها الأهلية. والخيار العسكري إنما يكون حاسما حين تكون لإحدى الفئات المتنازعة قوة عسكرية قاهرة تهزم بها خصومها وتدخلهم في إطارها.
فأي حل نختار؟ لقد جربنا الحرب فلم نحسم بها الخلاف.
ثم جربنا الاتفاق فحققنا السلام. لكن الغريب في اتفاق السودان أنه بين فئتين بينهما من حيث المبادئ والمعتقدات بعد المشرقين. يتزعم إحداهما قادة مسلمون يريدون إقامة دولة مسلمة ويتزعم الأخرى قادة غير مسلمين يريدون إقامة دولة علمانية، وينظرون إلى الدين الإسلامي بالذات وإلى العروبة نظرة سلبية. فكيف تتكون من هذين حكومة واحدة؟ وعلى أي أساس تكون سياساتها التعليمية والإعلامية والخارجية والدفاعية وغيرها؟ الدليل على أن هذا غير ممكن هو أنه صار للفئة العلمانية غير المسلمة حكومتها وصار لها مجلسها التشريعي وصار لها دستورها، أي إنه صار لها إطار فكري واعتقادي واحد يمكن أن تكون تعدديتها في داخله إذا لم تظهر فيها فئات تنتمي إلى إطار آخر ـ كالإطار القبلي ـ تراه مقدما على الإطار القومي الإعلامي الحالي.
تبقى المشكلة مشكلة السودانيين الذين يحرصون على أن تكون حياتهم السياسية ضمن الإطار الإسلامي.
ربما كان الحل الأمثل هو أن تكون لهؤلاء أيضا حكومة إسلامية خالصة كما لأولئك حكومة علمانية خالصة، وأن يكون لهم دستورهم وهيئتهم التشريعية.
ثم يكون هنالك دستور اتحادي ينظم العلاقة بين الحكومتين ويقوم على أساسه مجلس تشريعي ورئيس اتحادي.
ولعله من الأحسن أن نتفق منذ الآن على مثل هذا الحل حتى يكون خوضنا للمعركة الانتخابية على هدى.

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :مجتمع