عبد الغني النابلسي

هو الشيخ عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي الحنفي، هو شاعر وأديب  سوري الجنسية وأحد المتصوفين الكبار في زمنه ، يعتبر واحدًا من أشهر الشعراء الصوفيين في العالم الإسلامي الذين عاشوا في القرن السابع عشر، وبالإضافة إلى كونه شاعرًا فهو عالمُ دينٍ وفقيهٍ وعالمُ أدبٍ ورحالةٌ له الكثير من التصنيفات والمؤلفات، كانت رحلاته كثيرة في بلدان العالم الإسلامي، حيثُ تنقَّل بين إسطنبول والقدس ولبنان وفلسطين والجزيرة العربية وطرابلس ومصر وفي الكثير من المدن السورية،  وقد تميَّز أجداده في مدينة دمشق واشتهرَت أسرته بالصلاح والعلم في العصر العثماني وبشكل خاص خلال فترة حكم الوالي درويش باشا على دمشق، الذي بنى جامعًا وسماه على اسمه وعيَّن فيه إسماعيل النابلسي ناظرًا ومدرسًا، كما ورثَ عبد الغني النابلسي جدُّ الشاعر عن والده نفس المهام، وهو أول من تحوَّل من المذهب الشافعي إلى الحنفي، وفي هذا المقال سيدور الحديث حول مولد ونشأة عبد الغني النابلسي وحياته وفكره ووفاته بعد المرور على مؤلفاته

مولد ونشأة عبد الغني النابلسي

في مطلع الحديث عن الشاعر والمتصوِّف عبد الغني النابلسي يلزم الوقوف على مولده ونشأته بالتفصيل، فقد ولدَ الشيخ عبد الغني النابلسي في مدينة دمشق من عام 1641م،  وتحديدًا في السابع عشر من شهر آذار، وقد كان والده في تلك الفترة غائبًا في القاهرة لغرض التجارة، وكان والده إسماعيل بن عبد الغني النابلسي أوَّل معلمٍ له، حفظَ النابلسي القرآن وهو ابن خمس سنوات، وعندما بلغ التاسعة كان يحضر في دمشق عند المولوية مع والده مع كثير من العلماء والمفتين في العديد من المذاهب مثل الحنفي والشافعي وغير ذلك مثل شيخ الإسلام عبد الرحمن العمادي.

ولم يصل العاشرة من عمره إلا بعد أن حفظَ كثيرًا من المنظومات والمقدمات مثل ألفية ابن مالك في النحو والشاطبية في قراءات القرآن والرحبانية في الفرائض والكنز في الفقه والجزرية في التجويد وغيرها، وفي الفترة نفسها كان يتابع دروس الحديث تحت القبة في الجامع الأموي عند الشيخ نجم الدين الغزي، وفي تلك الأثناء حصل على أول إجازة عامة في علوم الحديث، وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره توفي والده، فكتبَ أول أشعاره في رثاء والده، وتابع دراسته تحت إشراف والدته، وبعد أن تمَّ بيع مكتبة والده الكبيرة ومقتنياته وأغراضه الشخصية من أجل اقتسام ثمنها بين الزوجتين اللتين تركهما وراءه، حاول النابلسي لاحقًا استعادة الكتب من خلال شرائها، وقد استعاد قسمًا كبيرًا منها، لكنَّه لم يستطع أن يستردها بالكامل.

حياة عبد الغني النابلسي

بعد معرفة أنَّ الشيخ عبد الغني النابلسي قد ولدَ ونشأ واعتنق الصوفية في مدينة دمشق سيُشار إلى حياته اللاحقة،  فعندما وصل النابلسي العشرين من عمره بدأ بممارسة مهنة التدريس في المسجد الأموي في دمشق الذي كان قريبًا من منزله الواقع في حي العنبرانيين، وعندما بلغ الخامسة والعشرين غادر دمشق إلى أدرنة وقد كانت آنذاك مقر الخلافة العثمانية، وعندما زار إسطنبول استطاع الحصول على وظيفة قاض في حي الميدان في دمشق، وبعد عودته عمل في القضاء لفترة قصيرة ثمَّ ترك القضاء ليتفرَّغ للتدريس والتأليف والكتابة.

فقد ألف حتى سنة 1090 هجرية الموافق لعام 1681م نحو خمسين كتابًا ما بين رسالة صغيرة أو شرح طويل أو كتاب متكامل، وعندما بلغ الأربعين وقع في أزمة نفسية شديدة، اضطرَّ بسببها للبقاء في المنزل والاعتزال فيه على مدار أكثر من سبع اعوام ، وكان لا يخرج من بيته إلا للضرورة القصوى، فأرخى لحيته وأسدل شعره وتغيَّر كثيرًا، لكنَّه بقيَ محافظًا على إعطاء الدروس لتلاميذه الذين صاروا يحضرون إليه في منزله ولا عن الكتابة والتأليف، وفي هذه الفترة كانت علاقاته بالعالم الخارجي تتمُّ عن طريق المراسلات التي بدأ فيها منذ عام 1675م، وكانت المكتوبات التي تلقاها وردَّ عليها أكثر من عشرين رسالة وردته من مناطق مختلفة من أراضي الدولة العثمانية.

وعبر تلك الفترة طلَّق زوجته، وبعد سبع سنوات خرج من بيته ليعود إلى سابق عهده وقد زاد احترام الناس له، فقد كان قبل ذلك يُرمى بالحجارة لأنه تبنى آراءابن عربي في الصوفية، بالإضافة إلى دخوله في خصومات مع كثير من الفقهاء في عصره، وبدأ بعد ذلك بالعديد من الأسفار والرحلات في مناطق كثيرة كالحجاز ومصر ولبنان ليستقر في نهاية الأمر في مسقط رأسه دمشق،  وفي عام 1119 هجرية انتقل من بيته القريب من الجامع الأموي إلى حي الصالحية في دمشق، وهناك تابع إلقاء الدروس خصوصًا في تفسير القرآن للبيضاوي وتدريس الفتوحات المكية لابن عربي، كما تمَّ تعيينه مفتيًا في دمشق بعد وفاة المفتي محمد العمادي عام 1135 هجرية الوافق لعام 1723م، لكنَّ تلميذه خليل أسعد البكري ذهب إلى إسطنبول وحصل على مرسوم من السلطان ليتولى هو كرسيَّ الإفتاء بشكل رسمي وذلك بعد ستة أشهر فقط من تعيين النابلسي.

وبعد أن استقرَّ به الحال في مدينة دمشق، وبقي في حي الصالحية إلى أن توفيَ فيه عن عمر يناهز 89 عامًا وذلك في عام 1731م والموافق لعام 1143 للهجرة، ودفنَ في القبة التي كان قد بناها في منزله، وقد أغلقت مدينة دمشق بالكامل يوم وفاته وتجمع الناس في حيِّ الصالحية من أجل تشييع وحضور جنازته، وقد أقيمَ فوق قبره في منزله جامعٌ وذلك في بداية القرن الثالث عشر الهجري.

فكر عبد الغني النابلسي

حيث  كان الشيخ عبد الغني النابلسي حنفيَّ المذهب، وأمَّا طريقته في التصوُّف فقد كان قادريًّا ونقشبنديًّا،  وقد كان يعتقد أنَّ الفقهاء قسمان، هما: الفقهاء العلماء والفقهاء العوام، والفقهاء العوام يكون معظمهم من أهل القرى، فيفتون دون علم حقيقي ودون فهم عميق فيَضلِّون ويضلُّون الناس، أو قد يسيئون الظنَّ بالناس، وهذا ما فسَّر به مقتل من قبله من المتصوفين الكبار كالحلاج ويحيى السهروري وغيرهما، لذلك فإنَّ الاطلاع الواسع للنابلسي ومعرفته بالعلوم الدينية جعلت منه عالمَ دينٍ مؤهلًا للبحث في الفتاوى السهلة والأقرب لطبائع الناس دون البحث في عيوبهم.

كما جرب أن يعود بالإسلام إلى أصوله الأولى، باحثًا عن المحبة والتسامح، وقد تبنَّى النابلسي آراء ابن عربي الصوفية ودافع عن فكرة وحدة الوجود، حيثُ يقرر النابلسي أنَّ الوجود الحق هو المطلق الذي لا بدَّ أن يتَحد فيه وجوده بماهيته، وبما أنَّ الوجود هو أشمل التعابير فهو ماهية الله تعالى الوحيدة، فماهية الوجود ليست صفة زائدة على ذات الله، بل الوجود هو الذات بعينها، ووجود الحق هو الوجود المحض، وهو الذي يتعالى عن جميع القيود والماهيات كلها المعقولة والمحسوسة، فليس لله تعالى من ماهية غير الوجود المحض كما يعتقد، فالوجود الحقيقي هو فقط الوجود المطلق والشامل الذي لا يتَّصف به غير الله تعالى، لكنَّ النابلسي مثل جميع أنصار وحدة الوجود يحذرون من الوقوع في خطأ جسيم في فهم ذلك، مثل قول: "طالما أن الله هو الوجود فذلك يعني بأن الموجودات هي الله"، حيثُ يقول البيتماني وهو أحد تلامذة النابلسي في ذلك: "فالحذر الحذر من فهم ذلك فإنه خطأ عظيم، وقد نبهت على ذلك فيما تقدم مرارًا لئلا يقع في التوهم في شيء من ذلك عند من لا يعرف اصطلاحنا في علمنا، ولا يدرك فهم إشارتنا في كلامنا".

وفي كلام آخر يظهر ادراك المسألة بشكل أعمق إذ يظهر أنَّ علاقة الوجود بجميع الموجودات علاقة قيومية، فالوجود يتجلى لنفسه في الموجودات، من خلال الحب، وقد استدلوا على ذلك بالحديث القدسي الذي يقول فيه تعالى: "كنت كنزًا مخفيًا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق فبي عرفوني"، رغم أنَّ هذا الحديث لا أصل له في كتب الحديث كما ذكر المحدثون، وبالتالي فإنَّ النابلسي يرى أن كل الصور في الكون هي تجليات للذات الإلهية وجميعها مرتبطة بالله الذي ليس له صورة، والمعرفة الصوفية عند النابلسي هي معرفة تأتي فوق العقل، ويوجد لديهم تفريق بين عالم المعنى وعالم الحس، فعالم الحس هو العالم الذي يعمل فيه العقل، أما عالم المعنى فهو لأهل التصوف فقط وهو الذي يقود النهاية إلى المعرفة، فالحس تكثيف ظاهر الشيء والمعنى تلطيف باطنه، فالحس للكائن آنية تحمل معنى.

كما ويرى كذلك أن طبيعة الكون والجمادات فيه فهي عنده لا شيء، أو كما قال: "اعلم أن الأشياء كلها أمور لطيفة جدًا، بحيث أنها بمنزلة الخيال والسراب الذي يرى من بعيد، وهو ليس بشيء، حتى الكثايف كلها: كالصخور والأحجار والجمادات والأشجار، وإنما رؤيتها كثيفة بغلبة الطبع، بل رؤيتها موجودة بالنظر العقلي والحس تابع للنظر العقلي، وأما هي في نفسها فهي بمنزلة المعاني اللطيفة المتعقلة في عقل المتعقل من حيث قيامها وثبوتها بالوجود المطلق الحق"، ولا بدَّ من القول بأن النابلسي كان سابق عصره بانفتاحه على الآخر وأفكاره وكتاباته الإصلاحية، فقد أباح التدخين اعتمادًا على ما توصل إليه الطب في عصره وأباح سماع الموسيقى وغير ذلك.


المراجع

sotor.com

التصانيف

مواليد 1050 هـ  مواليد 1641  وفيات 1143 هـ  وفيات 1730  شعراء سوريون  شعراء العصر العثماني  علماء دين سنة سوريون  صوفيون سوريون  أعلام التصوف   العلوم الاجتماعية   التاريخ