د.عبدالله علي إبراهيم


رأينا في حديث مضى كيف ألح نلسون ماندلا على توماس فريدمان، الصحفي المميز بصحيفة النيويورك تايمز، على أن نكبة فلسطين لم تبدأ في العام 1967 وهي سنة احتلال إسرائيل لكل فلسطين. فالنكبة عند ماندلا بدأت في العام 1948 حين احتلت إسرائيل بعض فلسطين وشردت أهلها. فاختصار المحنة الفلسطينية في 1967 هو بأس إسرائيلي محض تريد به السلام مقابل إرجاع بعض ما غنمته من حرب تلك السنة في غزة والضفة الغربية. وكانت يا عرب وقد نجح هذا البأس في جذب صفوات عربية كثيرة تروج للتطبيع مع إسرائيل باسم الواقعية والاعتدال.بخ بخ. ومتى وقع هذا السلام الإسرائيلي أصبحت نكبة فلسطين الأولي وضحاياها ومواثيق الأمم المتحدة عنها في خبر كان. وعاد العرب من الغنيمة بمظهر الحداثة والواقعية وبلا نشاف رأس.

وأتوقف هذه المرة عند جزء آخر من خطاب ماندلا إلى فريدمان. فقد أخذ عليه امتناعه عن وصف النظام الإسرائيلي بأنه نظام للفصل العنصري (أبارتايد). فالتهافت على المساومة (بل لي الأيدي على المساومة البخسة) هو ثمرة مرة من ثمار غض الطرف عن طبيعة الدولة الإسرائيلية الاستعمارية الاستيطانية. ولا يعني أن علمنا بطبيعتها يجعل الحلول معها غير ممكنة أو تستحيل المساومة معها. فقد كانت هناك مساومات عديدة على الطاولة قبل 1967 وبعدها. ولكن ما لا ينبغي أن نتورط فيه أن تكون المساومة هي ركوع عند ما يعرف بحقائق إسرائيل على الأرض. وهي حقائق مترحلة انكمشت بها الأرض المجعولة للفلسطينين إلى بروة سنة بعد سنة. وأخطر ما في حقائق القوي على الضعيف أنها لن تقف عند حد أو توقر اتفاقاً.. فأنظر ما فعلته إسرائيل بالضفة الغربية بعد اتفاق أوسلو في 1993 وستعلم حكم القوي على الضعيف.

ومن هنا نثمن كلمة ماندلا عن الطبيعة العنصرية الاستعمارية لدولة إسرائيل. فقد عاد بكلمته هذه إلى الحق القديم الذي لا مساومة بغير أخذه بعين الاعتبار. وماندلا يعرف عن العنصرية أكثر مني ومنك. فهي معرفة ممارسة. فقد قاومها عمره كله في جنوب أفريقيا. ولم يستسلم لحقائقها الرهيبة على الأرض حين ساومها في الاتفاق المعروف. فمع أنه ساوم في أشياء كثيرة ولكن ليس من بينها صرف النظر عن تفكيك دولة الكيان العنصري القائمة على الباطل.

ولم يرجع ماندلا بمسألة فلسطين إلي عام 1948 سدى. فقد كان ذلك العام عام نكبة في فلسطين وفي جنوب أفريقيا. ففيه استولى الصهاينة على فلسطين ومَكن الأفريكان البيض (البوير) لسلطانهم العرقي القائم منذ مجيئهم لأفريقيا في 1651 بتطبيق نظام الفصل العنصري. وإسرائيل والأبارتايد شبيهان في أمر آخر هام. فهما من نفايات الغرب الاستعماري والرأسمالي التي أراد دفنها في بلاد غيره . فلم يكن بوسع البيض الأفريكان أن يخضعوا لإرادة الأغلبية السوداء في جنوب افريقيا متى نالت استقلالها مثلها في ذلك مثل بلدان افريقيا الأخرى على أيام المد القومي التحرري بعد الحرب العالمية الثانية. فأسرع البيض يخططون لنظام الفصل العنصري تكون به جنوب أفريقيا بلدين: واحد غناء للبيض وآخر تعيس للسود. أما إسرائيل فقصتها معروفة في سياق العداء للسامية الغربي.

إن إصرار ماندلا على رد نكبة فلسطين إلى العنصرية هو بعض ما تعلمه من مقاومة نظام الفصل العنصري في بلده. فالأفريكان أصلاً من هولندا وكنيستهم بروتستانتية على عقيدة كالفن زعيمهم الروحي. وتسودهم عقيدة أنهم شعب الله المختار مثل اليهود تماماً. وجاء البوير إلى أفريقيا في 1561 وهم أسرى فكرة أنهم هم إسرائيل الجديدة إي شعب الله المختار. وجاءوا بهذه العقيدة إلى جنوب أفريقيا وسكنوا ساحلها عند رأس الرجاء الصالح ثم توسعوا بعد ذلك. وتقوم هذه العقيدة على أن الرب قد سبق إلى الحكم على سعادة الجماعة أو شقائها في أزله. فليس ينجو من حكم الرب من كتب عليه الشقاء مهما فعل. وقد وطن هذه العقيدة بينهم مجلس كنسي انعقد في مدينة دوت في عام 1618 ضم قسس هولندا وأساتذة اللاهوت ومشائخهم. واتفقوا على تعريف متشدد لأزل الرب لا يلطفه كسب ولا غفران: إما سعيد وإما شقي. والهولنديون بالطبع من السعداء. ولقيت عقيدة الأزل الرباني هذه مصداقاً لها في أفريقيا. فقد وجد الأفريكان البوير انفسهم فيها بين جماعات وصفوها بالوثنية والبدائية لأنها لا تدين بدينهم. واتخذوا من ضلال الأفريقيين برهاناً قوياً على أزل الرب. فلما رأوا بعد الأفارقة عن الحق علموا أن الرب قد اختار لهم نعماءه واختار الشقاء للأفارقة. وكان هذا اختباراً معملياً وعلى الطبيعة لصحة عقيدتهم.

وصورت لهم عقيدة أزل الرب للأفريكان أنهم إسرائيل الجديدة في ملابسات تاريخية شديدة التعقيد والمتعة يجدها القارئ الشغوف في كتاب أليستر سباركس وعنوانه ذهن جنوب أفريقيا. فالأفريكان في صورتهم لأنفسهم شعب مبتلى بالمحن ولكن عناية الله بهم سابغة تنجيهم إلى بر الأمان بعد مشقة وكدح فعل سيدنا موسى بقومه بني إسرائيل. ولن تجد تصويراً لأسر هذه العقيدة عليهم لحد الشطح والبله في مثل ما رواه سباركس عن جماعة منهم في منتصف القرن التاسع عشر. وسأوردها هنا كما هي عند سباركس.

قال سباركس إنك إذا سافرت شمالاً من بيتوريا، عاصمة جنوب افريقيا التي هي في أقصى شمال القطر، ولنحو 150 ميلاً ستمر بلافتة مكتوبة باللغة الهولندية (لغة الأفريكان مشتقة منها ولكنها مختلطة بلغات أخرى) تقول عين النيل. ويقود الطريق الترابي الذي نبهت له اللافتة إلى حقل يحمل اسم عين النيل. وبمقربة من الحقل نٌهير متواضع من متعلقات نهر الليمبوبو المانع اسمه ماقلاكوينا. ولهذا الموقع تاريخ في الاقتصاد الروؤي لشعب البوير أو الأفريكان. فقد توقفت عنده جماعة متشددة منهم في منتصف القرن التاسع عشر. وكان شعب البوير أو الأفريكان قد فر وقتها من وجه الإنجليز الذين احتلوا رأس الرجاء الصالح (الكيبتاون) في 1806 وأثقلوا عليهم بصور عديدة. ويٌسمى هذا الرحيل الكبير من رأس الرجاء إلى شمالي شرق جنوب أفريقيا ب النجعة العظمي لأن الأفريكان أخلوا المدينة ودائرتها وقرروا البحث عن مكان آخر فدار الأفارقة واسعة. أما الجماعة موضوع حديثنا فقد أبعدت النجعة يقودها أصولي مسيحي اسمه جزن آدم إنسلن. وسمى إنسلن جماعته شعب القدس فقد كانت وجهتهم، كشعب إسرائيل الجديدة، القدس التي هي مخرجهم من هذه المحنة مع الإنجليز. واتبعت الجماعة في مسارها خريطة ملحقة بإنجيل إنسلن ترشدهم في طريقهم الطويل عبر أفريقيا إلى القدس وأرض الميعاد. وبلغوا في سفرهم نهر ماقلاكوينا وكان الزمن خريفاً عاصفاً ورأوا مياهه تتدفق شمالاً. وخيلت لهم سكرتهم بما هم فيه من عقيدة إسرائيل الجديدة أنهم قد بلغوا منابع النيل. فأرسلوا الطلائع تستكشف المواضع التي من أمامهم. فرأى الطلائع مبان سقوفها مخروطة الشكل. وقال لهم سكان الموضع إنها مكان لراحة الأرواح ومستقرها. وعاد الطلائع مستثارين بما سمعوا وحدثوا أهلهم أنهم قد رأوا أهرام مصر. ولكن القدر كان يخفي لهم مفاجأة غير سعيدة. فمن سوء حظ شعب القدس أنهم كانوا بلغوا حدود ذبابة التسي تسي ولما خاطروا بالتحرك شمالاً توهماً منهم أنهم قد اقتربوا من القدس نفقت ماشيتهم من قرص الذبابة التعيسة. فلزموا الجابرة حيث هم وأنشأوا بلدة أطلقوا عليها شلال النيل وما زال اسم النهر الذي يشقها النصف هو النيل عندهم. وشلال النيل هي واحدة من أكثر الدوائر الإنتخابية محافظة في كل جنوب أفريقيا.

كان بوسع ماندلا، وهو في هذه المنزلة من السمو وتعلق القلوب والأفئدة به، أن يركب موجة حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وكأنه وقع عام .1967 حال دون هذا المناضل الصابر المصابر وهذه الدنية السياسية استصحابه لتاريخ العام الوغد، 1948، وجذوره في العرقية الأوربية واستعلاءاتها الدينية والقومية. وهو تاريخ يجهله أو يتجاهله من أطاش البأس الإسرائيلي والأمريكي والإسلامي لبهم فتهافتوا للتطبيع متوهمين أنهم إنما يستظلون بحكمة ظنوا أنها غابت عنا منذ .1948 وقال مؤرخ إن من جهل التاريخ عاش طفلاً طول عمره. وهذه غرارة حيال الحق الفلسطيني أعرفها عن كثير من الحداثيين والعلمانيين . . . وشنشنة. فقد غسلوا أيديهم من الحق الفلسطيني بالمرة. وهيأت لهم سذاجتهم أن يستغربوا لصعود الإسلاميين من كل شاكلة ولون في ساحة السياسة العربية والإسلامية وأكثر ما يزكيهم للناس عضهم على النواجذ على هذا الحق صدقاً أو تمحلاً. ونسأل بغير حياء مع ذلك: من أين جاء هؤلاء؟

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :تاريخ