لم يكن أورويل غير معنيّ بالسياسة بل على العكس كان متخماً بها فقد هزل الجسد وغارت العينان. وإذا كان أورويل محسوباً على رجالات الأدب في النصف الأول من القرن العشرين فإنّه غارق في السياسة حتى أذنيه.
في هذا المقال الذي ينشر للمرة الأولى يستطيع القارئ العزيز أن يتلمّس ما يعتبره آراء ووجهات نظر طرحها أورويل فيما يتعلّق بمسائل ذات صلة بالأوضاع السائدة آنذاك.
يشغل الاشتراكيّ في أيامنا هذه موقع الطبيب الذي يعالج جميع الحالات باستثناء الميئوس منها. وإذا كان من واجب الطبيب أن يبقي على حياة المريض فعليه أن يفترض بأنّ للمريض على الأقلّ فرصة واحدة في الشفاء. وبوصفه عالماً، على الطبيب أن يواجه الحقائق ويقرّ باحتمال موت المريض. .إنّ فعالياتنا بوصفنا اشتراكيين تكتسب المعنى فقط إذا افترضنا إمكانية ترسيخ الاشتراكية . أما التريّث والتفكير فيما يمكن أن يحدث سيجعلنا نقرّ بأنّ الفرص ستخذلنا. وإذا كنّا من المراهنين نقلّب الاحتمالات ونترك الرغبات خارج حساباتنا، فستكون الأرجحية لفناء الحضارة في السنوات القادمة. وبقدر ما نتمكّن من قراءة المستقبل هناك ثلاث إمكانيات تواجهنا:
أولاً: في نية الأميركيين استخدام القنبلة الذرية التي يمتلكون في الوقت الذي لا يمتلكها الروس. لكن هذا لن يحلّ شيئا من المشكلة. من المؤكّد أنّه سيتمّ إبطال الخطر الذي يشكّله الاتحاد السوفييتي الآن، لكنّ ذلك سيقود إلى نشوء إمبراطوريات وخصوم جدد ومزيد من الحروب والقنابل الذرية. والحال كذلك، ربّما كان هذا الأقلّ من بين الاحتمالات الثلاثة. ذلك أنّ الحرب الوقائية جريمة لا يمكن ارتكابها بسهولة من قبل دولة تحتفظ بأقلّ ثوابت الديمقراطية.
ثانياً: سوف تستمرّ الحرب الباردة الراهنة إلى أن يمتلك الاتحاد السوفييتي وعدد من الدول الأخرى القنابل الذرية. وسيجد العالم مساحة صغيرة لالتقاط الأنفاس قبل أن تنطلق الصواريخ وتقذف هذه القنابل وتدمّر المراكز الصناعية في العالم. ربّما لن تستطيع البشرية إصلاح ما تم تدميره. وحتى لو ظهرت دولة أو عدّة دول منتصرة في الحرب على الصعيد التقنيّ، فلن يكون بمقدورها بناء حضارة الآلة من جديد. لذا سيعود بضعة ملايين من البشر لسكنى الأرض. وربما عاش مئات الملايين منهم على الزراعة. بعد جيلين ربما لن يبقى هناك من حضارة الماضي سوى معرفتنا بكيفية صهر المعادن. حسب تصوّراتنا يمكن أن تكون هذه نتيجة يرغب فيها الكثيرون لكن من الواضح أن لا علاقة لها بالاشتراكية.
ثالثاً: سيتنامى الخوف من القنبلة الذرية وأسلحة أخرى حتى أنّ الجميع سيمتنعون عن استخدامها. ويبدو أنّ هذا هو الاحتمال الأسوأ بالنسبة لنا. فهذا يعني تقسيم العالم إلى دولتين عظميين أو ثلاث لا يمكن أن تقهر إحداها الأخرى في الوقت الذي من غير الممكن أن يطيح بهذه الدول عصيان داخليّ. وسيكون بنيان هذه الدول هرمياً تحكمه طبقة شبه إلهية تقبع على القمّة وطبقة عبيد كاملة في القاع. أمّا الدمار الناتج عن الحرية سيتجاوز كل شيء حتى أنّ العالم لن يشهد له مثيلاً من قبل. وسيتثبت مزاج سايكولوجي يسببه الانقطاع التام عن العالم الخارجيّ والحرب الزائفة المستمرة ضدّ دول منافسة. من الممكن أن تبقى حضارات شأن هذه في حال من السكون لآلاف من السنوات.
إنّ معظم المخاطر التي أوجزناها، موجودة بالفعل، و قُرأت قبل اختراع القنبلة الذرية بوقت طويل. وبرأينا فإنّ الطريقة الوحيدة التي تمكّننا من تجنّب هذه المخاطر هي تقديم مشهد لمجتمع حيث البشر سعداء و أحراراً نسبياً في كلّ مكان. وحيث لا يكون الدافع الرئيس في الحياة اللهاث خلف المال أو السلطة. بكلمات أخرى، يجب تطويع الاشتراكية الديمقراطية لتشتغل ضمن مساحة واسعة. وبناء على ذلك فالمجال الوحيد الذي يمكن أن تشتغل فيه الديمقراطية الاشتراكية، حسب تصوّرنا في المستقبل القريب هو أوروبا الغربية. وبعيداً عن أستراليا ونيوزيلندا، يمكننا القول إنّ تقاليد الاشتراكية الديمقراطية موجودة فقط في اسكندنافيا وألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا وسويسرا والأراضي المنخفضة وفرنسا وبريطانيا واسبانيا وأخيرا في إيطاليا رغم أن وجودها هناك محفوف بالمخاطر. فقط في هذه الدول ما زال عدد كبير من البشر يجدون في مفردة " الاشتراكية" التي لا تنفصل عندهم عن الحرية والمساواة والنزعة العالمية، شيئا من الجاذبية. أما في أمكنة أخرى فإمّا أنّ الاشتراكية لا تملك موطئ قدم أو أنها تعني شيئاً مختلفاً. ففي أمريكا الشمالية تبدو الجماهير مقتنعة بالنظام الرأسماليّ، ولا يستطيع المرء أن يقرأ أيّ دور ستلعبه هذه الجماهير عندما يبدأ هذا النظام في الانهيار. وسيسود الاتحاد السوفييتي نوع من النزعة الأوليغارشية الجماعية يمكن أن تتطوّر إلى اشتراكية ديمقراطية ضدّ إرادة الأقلية الحاكمة هناك. أما في آسيا فبالكاد دخلت مفردة " الاشتراكية" المجتمع. إنّ الحركات الآسيوية القومية إما أنها ذات طابع فاشستيّ، أو أنها تتطلّع صوب موسكو، أو أنّها تجمع بين الحالين. على أيّة حال تتلوّن الحركات جميعها في الوقت الراهن التي تنتشر بين الملوّنين من البشر بنزعة صوفية عرقية. ويتشابه الحال في معظم دول أمريكا الجنوبية وصولاً إلى أفريقيا والشرق الأوسط. رغم أن الاشتراكية فكرة لا تنتشر في كلّ مكان، فهي تصدق في وقتنا هذا في أوروبا فقط. بالطبع لا يمكن أن نقول بترسيخ الاشتراكية بشكل مناسب إلا حين تنتشر في العالم كله. لكن السيرورة يجب أن تبدأ في مكان ما. في اعتقادنا لا يمكننا أن نتخيل بأنها سوف تبدأ إلا عبر اتحاد دول أوروبا الغربية التي ستتحول إلى جمهوريات اشتراكية دون اللجوء إلى تبعيات كولونيالية. ولهذا تعني لنا ولايات متحدة أوروبية اشتراكية الهدف السياسي الوحيد والجدير في الوقت الحاضر. إن شأن هذا الاتحاد سيضم ّ250 مليون إنسان بما في ذلك ربما نصف العمال المهرة المشتغلين في الصناعة في العالم. ومن نافل القول أنّ الصعوبات ستكون هائلة وكبيرة أثناء السعي لتحقيق هذا الإنجاز.
سنعرّج على بعض من هذه الصعوبات لكن علينا ألا ندع الإحساس باستحالة هذه المهمة يتسلل إلينا أو أن يجعلنا نفكّر بأنّ البلدان المختلفة عن بعضها بعضاً لن تتحد بشكل طوعي. إن الإتحاد الأوروبي الغربي هو في حدّ ذاته سلسلة ذات إمكانية أكبر من الإتحاد السوفييتي أو من الإمبراطورية البريطانية.
بالنسبة للصعوبات التي تواجهنا فإن أعظمها هي نزعة اللامبالاة والنظرة المحافظة للبشر في كل مكان. أضف إلى ذلك إغفالهم للمخاطر، وقصورهم عن تصور كل جديد. بشكل عامّ وكما عبّر برتراند راسل عن ذلك، رفض الجنس البشريّ الإذعان في سيرورة بقائه.
هناك أيضاً قوى مدمّرة نشطة تشتغل ضدّ الوحدة الأوروبية تترافق مع علاقات اقتصادية موجودة تتكئ عليها الشعوب الأوروبية في نمطها الحياتي لا تنسجم مع الاشتراكية الحقّ. سنعرج فيما يلي على ما يبدو لنا المعضلات الأربع الرئيسة بإيجاز قدر المستطاع:
- العداء الروسي: لا يمكن للروس إلا أن يكونوا كارهين لأيّ اتحاد أوروبيّ خارج عن إطار سيطرتهم. يعود ذلك إلى أسباب حقيقية معلنة وأخرى مزعومة. على المرء أن يأخذ بعين الاعتبار خطر الحرب الوقائية مع الإرهاب الممنهج للأمم الصغيرة والذي يترافق مع تخريب للأحزاب الشيوعية في كل مكان. رغم كل شيء هناك خطر من أن تبقي الجماهير الأوروبية على إيمانها بالأسطورة الروسية. وطالما تصدق الجماهير ذلك فلن يكون لفكرة أوروبا الاشتراكية قدرة جذب كافية لحشد الجهود اللازمة.
- العداء الأميركي: إذا بقيت الولايات المتحدة الأميركية بلداً رأسمالياً واحتاجت أسواقاً للتصدير، فهي لن تنظر إلى أوروبا اشتراكية بعين الرضى. من المؤكد أنها لن تتدخل بالقوة كما يمكن للإتحاد السوفييتي أن يفعل. لكن الضغوطات الأمريكية ستلعب دوراً هاماً لأنها ستمارس بشكل أكبر على بريطانيا البلد الأوروبي الوحيد الذي يقع خارج الفلك الروسي. لقد ثبتت بريطانيا ومنذ العام 1940 مواقعها في مواجهة الديكتاتوريات الأوروبية على حساب تبعية ما إلى الولايات المتحدة. وبالفعل، بإمكان بريطانيا أن تتحرر من الولايات المتحدة بالتخلي عن مسعاها في أن تصبح دولة أوروبية عظمى.
إن دول الكومونولث الناطقة بالإنكليزية والتبعيات الاستعمارية ومن يزوّدون بريطانيا بالنفط ربما باستثناء أفريقيا إن هي سوى رهائن في الأيدي الأمريكية. لذا سيكون هناك خطر دائم من أن تحبط الولايات المتحدة أيّ اندماج أوروبيّ من خلال إخراج بريطانيا منه.
- الإمبريالية: تدين الشعوب الأوروبية عامّة والبريطانيون خاصّة منذ زمن بعيد بنمط حياتها المترف للاستغلال المباشر وغير المباشر للشعوب الملونة. رغم أن هذه العلاقة لم تتوضّح بالدعاية الاشتراكية الرسمية. إنّ العامل البريطانيّ وبدلاً من أن يدرك من خلال أنماط الحياة العالمية، بأنه يعيش فوق مستوى دخله، أُجبر على التفكير بأنه عبد مسحوق مستنزف. يقترن مفهوم الاشتراكية بالنسبة للجماهير وفي كلّ مكان بنظام أجور مرتفعة وساعات عمل قليلة وسكنى أفضل وضمان اجتماعي شامل. إننا من دون شك قادرون على تلبية هذه الأشياء إذا ما نأينا بأنفسنا عن المكاسب التي تأتينا من الاستغلال الرأسمالي. ومهما توزّع الدخل القوميّ بعدل ومساواة، فإذا انخفض، سيسقط معه مستوى حياة العمال المعيشي. في أفضل الأحوال هناك نزوع لأن تكون فترة إعادة بناء طويلة وغير مريحة لم يتهيأ لها الرأي العام، لكن و في الوقت ذاته، يجب على الأمم الأوروبية أن تكف عن كونها أمما مستغلة للخارج إذا كانت تريد بناء اشتراكية حقة في بلدانها. إن الخطوة الأولى باتجاه اتحاد أوروبي اشتراكي هو خروج بريطانيا من الهند. لكن ذلك يستلزم شيئا آخر. إذا كان على الولايات المتحدة الأوروبية أن تكتفي ذاتياً وتكون قادرة على الصمود في مواجهة روسيا وأمريكا، يجب أن تلجأ إلى أفريقيا والشرق الأوسط. لكن ذلك يعني أن موقع السكان المحليين في تلك البلدان يجب أن يتغير بدافع الاعتراف أنّ مراكش أو نيجيريا أو أثيوبيا يجب أن تتحوّل من مستعمرات أو شبه مستعمرات إلى جمهوريات مستقلّة على قدم المساواة مع الشعوب الأوروبية. وبالتالي يستلزم ذلك تغييراً واسعاً في المشهد وصراعاً معقداً ومريراً يمكن ألا ينتهي دون إراقة دماء. وعندما يقترب المأزق، سيتضح بأنّ قوى الإمبريالية قوية. أما العامل البريطانيّ، إذا تمّ تدريبه على التفكير بالاشتراكية بمصطلحات مادية، لربّما يقرر أنه من الأفضل له أن يبقى قوة إمبريالية على حساب لعب دور ثانويّ لأميركا. وبدرجات متفاوتة فإنّ جميع الشعوب الأوروبية التي يجب أن تشكّل جانباً من الاتحاد المقترح سوف تتم مواجهتها بالخيار ذاته.
- الكنيسة الكاثوليكية: في الوقت الذي يصبح الصراع بين الشرق والغرب مفضوحاً، يظهر خطر جرّ الاشتراكيين الديمقراطيين والرجعيين إلى تأليف نوع من الجبهة الشعبية. والكنيسة هي الجسر الأكثر احتمالاً لذلك. وفي أيّ حال سوف تبذل الكنيسة كلّ مسعى ممكن لأسر أيّ حركة اتجاه الوحدة الأوروبية وتفريغها من محتواها. إنّ مكمن الخطورة في الكنيسة هو في نزعتها الرجعية غير المألوفة. وهي ليست مرتبطة برأسمالية عدم التدخّل أو بالنظام الطبقيّ الموجود، كما أنها لن تهلك بالضرورة معهم. فالكنيسة قادرة وبشكل كامل على أن تتصالح مع الاشتراكية، أو ربما تظهر كذلك، شريطة أن يبقى موقعها آمنا. أما إن بقيت مؤسسة قويّة، فسوف تجعل من ترسيخ الاشتراكية أمراً مستحيلاً. ذلك أن تأثيرها هو دائماً، ويجب أن يكون، ضدّ حرية الفكر والتعبير وضد المساواة الإنسانية وضدّ أي شكل من أشكال نزوع المجتمع في نشر السعادة بين البشر.
عندما نمعن التفكير في هذه المشكلات وغيرها، وعندما نتأمّل في إعادة الضبط العقليّ الهائل الذي يجب أن يكون، فإنّ ظهور الولايات المتحدة الأوروبية الاشتراكية يبدو لي أمراً غير ممكن. ولا نعني حجم البشر غير المستعدين لذلك، بل يعني أننا لا نرى شخصاً أو جماعة تملك أدنى فرصة للحصول على القوة أو أن تمتلك قدرة خيالية على فهم ما هو مطلوب وأن تطلب التضحيات اللازمة من أتباعها. في الوقت الحاضر لا نستطيع أن نلمح أي أمل آخر. فيما مضى كنا نعتقد أنه من الممكن أن تتشكل الإمبراطورية البريطانية في اتحاد من الجمهوريات الاشتراكية، ولكن لو حدث وسنحت هذه الفرصة لكنا فقدناها من خلال فشلنا في تحرير الهند ومن خلال موقفنا حيال الشعوب الملونة بشكل عام. ربما اكتملت أوروبا وربما نشأ شكل أفضل في الهند أو في الصين على المدى الطويل لكننا نعتقد أيضا أنه فقط في أوروبا يمكن أن تتحوّل الاشتراكية الديمقراطية إلى واقع وفي وقت قصير وذلك درءاً لسقوط القنابل الذرية. بالطبع هناك أسباب إذا لم تكن بدافع التفاؤل، فعلى الأقل بدافع تثبيت المحاكمة على نقاط معينة. إن الأمر الوحيد في صالحنا هو أن حرباً هائلة لن تحدث في القريب العاجل. وكما أفترض هناك نوع من حرب ستحدث تُطلق فيها الصواريخ من دون تعبئة عشرات الملايين من القوات. في الوقت الراهن يمكن لأي جيش جرار أن يذوب وببساطة كبيرة، ويمكن أن يبقى الحال كذلك لعشر أو عشرين سنة مقبلة. في أثناء هذه الفترة ربما يحدث ما هو غير متوقع.
من جديد نجهل ما سيحدث من تغييرات في الاتحاد السوفييتي إن لم تقع حرب في أجيال مقبلة. في مجتمع مماثل سيبدو التغيير الجذريّ في المشهد.ل ربما سيكون هناك وبحلول العام 1960 ملايين من الشبان الروس يسأمون الديكتاتورية واستعراضات الولاء، ويتوقون إلى حرية أكبر، ويصبحون ودودين أكثر حيال الغرب.
وإذا انقسم العالم إلى ثلاث دول لا تهزم يمكن أن تتعزز التقاليد الليبرالية ضمن الفئة الانغلوأمريكية ما يكفي لجعل الحياة أكثر تسامحاً، حتى أنها تقدم بعض الأمل في التقدم. لكن هذا كله تأمّلات. المشهد الواقعي حتى الآن وبقدر ما يمكن أن نحسب الإمكانيات يبدو مظلماً. وأي تفكير جدي يجب أن ينطلق من الواقع .
1947
المراجع
موسوعة الاوان
التصانيف
تراجم