توقّف صاحبي عن ترجمة الكتاب الذي كان ينقله عن اللغة الفرنسية بمجرّد أن علم أنّ ترجمته إلى العربية قد صدرت منقولة عن النصّ الأصليّ بلغته الإنجليزية. كان يعلم بطبيعة الحال إمكانية وجود أكثر من ترجمة للكتاب ذاته، إلا أنّه كان يعتقد، وقد لا يخالفه أحد في ذلك، أنّ الترجمة عن لغة وسيطة لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الترجمة المباشرة، وأنّ توفّر الماء يرفع التيمّم، وأنّنا كلّما اقتربنا من نور الأصل فإنّ ذلك يساعدنا على فهم النصوص وتمثل معانيها. فلا شيء يمكن أن يضاهي الأصل.

يطرق الكتاب المعنيّ بالأمر قضايا تتعلّق بتاريخ العلوم وأشكال القفزات والانقلابات التي يعرفها هذا التاريخ. يعلم صاحبي أنّ إشكالية القطيعة والانفصال عرفت مجدا كبيرا داخل السياق الفرنسي، سواء تعلق الأمر بتاريخ العلم أو بتاريخ المعرفة على وجه العموم، كما يعلم أنّ كتّاب اللغة الفرنسية ساهموا مساهمة لا يستهان بها في هذا المضمار. لكنه كان يعرف كذلك أنّ مؤلف الكتاب باللغة الإنجليزية قد استمد كثيرا من أفكاره من ذلك السياق، إلى حدّ أنّ الكتاب المعنيّ بالأمر يمكن أن يعدّ حوارا مفتوحا مع تراث فرنسيّ معروف سواء في مجال تاريخ العلوم أو في ميدان الابيستيمولوجيا. ورغم كلّ هذا فقد ظلّ صاحبي يعتقد أنّ ترجمة الكتاب ستكون أكثر وفاء إن هي صدرت عن اللغة الأصل، وأن لا داعي بالتالي لمواصلة ترجمة لن تكون في أحسن الأحوال إلا نسخة عن نسخة وظلا لظلّ.

خاب ظنّ صاحبي حينما اطّلع على الترجمة التي صدرت عن اللغة الأصل. وسرعان ما تبيّن أنّ صاحبها الذي ما من شكّ في أنه يتقن لغة شكسبير، أبعد ما يكون عن الإشكالية الفلسفية التي يطرقها الكتاب، خصوصا وأنّ هذه الإشكالية ترعرعت في سياق اللغة الفرنسية. تبيّن صاحبي أنّ صاحب الترجمة وإن كان أقرب إلى الأصل اللغويّ، فهو أبعد ما يكون عن الأصول الفلسفية للإشكالية المطروقة، والمفهومات المستعملة، والأسئلة المطروحة. لقد تعامل صاحب الترجمة مع المفاهيم الأساسية للكتاب كالانقلاب والقطيعة وإعادة السبك والثورة بعقلية ابيستيمولوجية لم تستطع أن تنفصل عن قراءة اتصالية للعلوم وتاريخها. إنّه كان وفيّا لأصل وليس للأصل.

لم ير صاحبي بدّا من أن يعود لمواصلة الترجمة التي كان قد تخلّى عنها اعتقادا منه، هذه المرّة، أنّ الوفاء لأصل لا ينبغي أن يكون على حساب أصل آخر، وأنّ الأصل رغم تشبّثه بصيغة المفرد، فهو دوما أصول متعدّدة قد نضحّي بأحدها إنقاذا لآخر.

بقلم: عبد السلام بنعبد العالي.


المراجع

alawan.org

التصانيف

تصنيف :معرفة   العلوم  علوم بيئية   العلوم الاجتماعية