حسام عبد القادر صالح
كاتب سوداني

ليس التوقيت الخطأ وحده في الخلاف الأخير بين جماعة أنصار السنة هو الذي يسبب الأسى للجموع المحبة للسنة ولعمل الخير واستمراريته في السودان، وإنما الشأن كل الشأن في المستقبل. فالخلافات العارضة يمكن أن تنقشع بمرور الوقت السئ، ويعود كل شئ كما كان، سحابة صيف عجلى؛ لكن المقلق هو المخزون الذي يتكون جراء كل حالة خلاف صغير لا يلفت الانتباه، أو يكون ملفتا للانتباه ولكن الأيدي المتوضئة والمتصافحة، بسبب اطمئنان ما لم تصل إليه مساعيها لتنظر في كل جوانبه بحثا واستقصاءا ومعالجة، فتترك المشاكل الصغيرة والخلافات الصغيرة دون علاج لجذورها التي لا تمتلئ بالاتفاق إلا بعد مجاهدات طويلة في حوارات ودية ومناقشات علمية هادئة، والحال أن هذا المخزون الناشئ من دون هذه المعالجات التي ذكرناها سيكون مرشحا ليصبح (أرشيف) المستقبل للأجيال الجديدة الموعودة بترك بصماتها على العمل الإسلامي، والمطالبة في نفس الوقت بمواجهة تحديات مماثلة، فمن المؤكد بطبيعة البشر، أن نتوقع خلافات جديدة تنشب هنا أو هناك.. فما هو مخزوننا، وما هي تجاربنا في حالات الخلاف الشديد غير هذا الأرشيف الذي تكوّن على مر الأزمات.. إننا بكل تأكيد سنأخذ زادنا من هذا الأرشيف، شئنا أم أبينا، بوعي منا أو بدون وعي، فكل إنسان بطبعه شديد الحب للركون إلى ما مضى من تجارب في مقابل ما يتطلبه المستقبل من جهد، فالماضي دوما معلوم مضمون والغد مجهول مخيف، فلذلك كله تصبح أساليب(العفو والعافية) شيئا لا يمكن الاستغناء عنه في أجواء الخلاف بين الإخوان الذين جمعتهم أيام الدعوة وعركتهم تجارب الحياة.
نقول هذا الكلام، ونحن نشهد ارتفاع وتيرة الخلاف بين جانبي شيخ الهدية وشيخ أبوزيد، وإصرار كل جانب على رأيه وعلى ما فعله من إجراءات وعلى ما ينوي القيام به، وكل ذلك لا يضر إن كان ثمة مبادرة هميمة وكريمة للتوفيق بين الطرفين، وأنا هنا أدعو كل من له صلة بالعمل الإسلامي أن يسعى لمهمة توحيد الجماعة ومنعها من الانشقاق، وأشير إلى المؤتمر الوطني بحسبه أحد أسباب الخلاف الظاهرة، فلم لا يسعى المؤتمر الوطني لهذا الدور؟
لأن الذي لا نحبه لإخواننا أبدا هو أن تتحول قضاياهم إلى (حروب صحفية) تقتات منها صحف الإثارة اليومية، ويا ليت مشايخنا يعون هذه القضية، فكل الصحف إلا ندر، همها الأول ماذا تضع في صفحتها الأولى ما يدفع القارئ المسكين لإخراج نصف جنيه لشراء نسخة، من دون اعتبار لرسالة أو نصح، لتبدأ صفحة جديدة من (الشماتة) على من كانوا في صف واحد.
نصيحتنا ألا تكون صدور الصحف هي منابرنا لمعالجة الخلافات، كما أن الاقتصار على المشكلة نفسها دون الشخصيات مع مراعاة الحذر اللازم هو ما يمكن أن يحمي أجيالنا القادمة من أرشيف خلاف مر.. لا يقوم فيهم خلاف في المستقبل فيأكلوا من حنظل الماضي، فخلافاتنا مهما كانت، إن تعاملنا معها بشئ من الرشد أثمرت مستقبلا راشدا ولابد

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية