يذهب بعض التروتسكيين السذج إلى حد اعتبار الأصولية حركة ثورية يمكن استعمالها في صراعهم الطفولي ضد الرأسمالية، أما فرنسيس فوكوياما فيقع في هنة كبيرة عندما يعتقد أن الأصولية لا تجذب سوى قطاع مهمّش ومستلب من سكان المجتمعات المنغلقة. ويتنبأ مَن أنهى التاريخ ذات عام أنها لا تشكل أي خطر على المدى البعيد (1) . أتمنى ذلك ولكنني أعرف،كما يعرف الجميع، أن الجامعات كانت ولا تزال مرتعا للأصولية إن لم تكن أكثر مراتعها على الإطلاق . نجد قواعدها الأكثر جذرية بين الأطباء والصيادلة والمهندسين ومن على شاكلتهم، تلك الفئات التي تلقت تكوينا مهنيا يعتمد على التلقي في أساسه ولا يحتاج إلى تفعيل مقولات الفهم العامة. “تركت دراسة الطب في جامعة دمشق، قال لي يوما طيب الذكر الناقد الجزائري علي بن عاشور، لأنه كان اختصاصا تَبلِيهيا في تلك الفترة.” في اليمن السعيد جامعة للإيمان، يترأسها الشيخ الزنداني ذلك الدجال الذي عاث فسادا في أغلب تلفزيونات البلدان العربية مدعيا أن القرآن كتاب يحتوي على كل علوم الدنيا.

أضمن طريقة لعدم فهم كنه الأصولية هو الإكتفاء بدراسة جانبها المرئي، بمعنى ردها إلى مناضلييها المرئيين أو الناشطين في العلن،كما يفعل معظم الباحثين الغربيين. لا يجب أن يغيب على ذهن الباحث أنها نتيجة وتعبير عما هو كامن، عما يختلج في عمق المجتمعات الإسلامية. الأصولية بكاتم صوت. أقصد القاعدة المادية والرمزية غير المتمظهرة علنيا والتي تشكل ضمانة صلبة لاستمرارية الأنتيغريزم. لأنهم ينظرون إليها كأنها حادثة سير بسيطة، بدأ بعض الخبراء المساكين مثل أوليفييه روا وجيل كيبل وغيرهما، يعدون أيام الأصولية الأخيرة متوهمين أنها في طورها النهائي. فهل هي وعكة صحية أو نوبة جنون؟ لا أود أن أثبط عزيمة أحد لكنني سأقول مع كل الأسى والأسف أن الأصولية هي اليوم في صحة جيدة أكثر من أي وقت مضى، بل هي في فورمة أولمبية.

حينما تكف الكتب المدرسية والكتب بصفة عامة، وشبه البرلمانات والدساتير، ووسائل الإعلام ووزارات الشؤون الإسلامية والملوك والرؤساء والسلاطين والمنظمات الإسلامية الدولية…أن تكون ‘مناضلا’ مباشرا أو غير مباشر في خدمة الأصولية، ساعتئذ، يمكن أن يصبح الحديث مشروعا عن نهاية محتملة لها وسأكون من أسعد الناس في تشيعها إلى مثواها الأخير !

ألا يضمن النظام المدرسي، المرتكز على الدين، تفريخ القوافل تلو القوافل من الأصوليين؟ ألا يجد الأنتيغريزم في المساجد منابر مجانية يبث من خلالها ادعاءاته على ملايين البشر؟ سرعان ما يتحول قطاع منهم من مناضلين بالقوة إلى مناضلين بالفعل في الوقت المناسب، كما حدث في الجزائر والسودان ومصر وكما سيحدث لاحقا في مناطق أخرى. ليست الأصولية سوى التقاء خطاب نوستالجي يتغنى في المساجد والمدارس وغيرها بـــ’ الما يجب أن يكون’ وسخط كثير من المحرومين. “أزمتنا أزمة فكرية قبل كل شيء، يعترف إرهابي سعودي تائب، ندعي أن المنظمات الإرهابية غريبة عنا،يقول، والحقيقة أنها تجد غذاءها في خطب كثير من رجال الدين الذين يشيدون بأسامة بن لادن، بل حتى بهجمات الحادي عشر من سبتمبر” (2). أهل مكة أدرى بشعابها ! يمكن أن يتحول الإسلام السياسي، تحت ضغط المحيط، إلى أحزاب شبه سياسية تظهر بعض اعتدال “تَقَوي” لتحقق عن طريق الانتخاب ما لم تحققه عن طريق العنف الشرعي، ولكنها سرعان ما تشرع في تجسيد ما تسميه شرع الله بمجرد وصولها إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية.

يعاني الكثير من “دارسي العالم العربي” في الغرب من جهل وخوف يحجبان على أعينهم أمورا بديهية لا بد من أخذها في الحسبان لفهم ما يسمونه “فوندمونتاليزم” فضلا عن جهلهم للهجات المحلية العربية التي من خلالها نقف على الأصولية المستترة ومدى اشتغالها في قلب المجتمعات. كما تعترضرهم عدة عقبات ابستمولوجية أهمها عقدتهم الكولونيالية تجاه العرب والمسلمين، فيصبح بعضهم أكثر تأسلما من المسلمين أنفسهم… هؤلاء البلهاء الذين يرددون دون حياء أن كل القيم حسنة وأن كل الثقافات متساوية، يساهمون دون أن يعوا في إطالة عمر البربرية. هناك قيم فاضلة، صالحة لكل زمان ومكان وأخرى لا يمكن اعتبارها سوى جرائم في حق الإنسانية مهما كانت الأزمان والظروف والأوطان. هل قطع الأيدي والأرجل، وجرائم الشرف وختان النساء ورجمهن…قيم ثقافية أو أخلاقية ينبغي احترامها؟ اللاإنسانية ترفض ولا تناقش. إن احترام ثقافة ما لا يعني أبدا الإمتناع المَرضي عن تبيان سلبياتها.

يقترح عالم الإسلاميات الفرنكو جزائري محمد أركون إسقاط كلمة الأصولية و استبدالها بـ”الأصولوية” لأن الأولى إيجابية في اعتقاده،تستند إلى المنطق والعقل كما تجلت في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية، يقول لجريدة الشرق الأوسط (مايو2008). ولست أدري كيف يمكن ربط علاقة بين العقل والأصولية. فهما خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله. الأصولي هو مسلم مفرط في إيمانه ليس إلا،بل أن كل مسلم متدين فيه حبة أصولية صغرت أو كبرت. فمن الصعوبة بل من المستحيل الفصل بين الأصولية والإسلام.”تلك الوُريقة من تلك الشُجيرة”،كانت تقول أمي المؤمنة في مَثلها. الأصولية اليوم بديهية غير مرئية، ترسخت كلاوعي اجتماعي، فأصبحت جوا عاما جراء سياسة الدولة الإعلامية والتربوية . أخذت أشكالا غامضة تستعصي على الملاحظة الكلاسيكية والإستبيانات. لذلك فمن السذاجة التنبؤ بنهاية قريبة لها. متى يكف المسترزقون عن إتحافنا بتفسيراتهم الجاهزة المستلة رأسا من الكومبيوتر؟ إذا خسرت الأصولية معركة هنا ومعركة هناك، فإنها لم تخسر الحرب. فإن تراجعت أسلمة الدولة نسبيا في بعض البلدان من جراء ضغوط خارجية، فما زالت أسلمة الحياة اليومية مستمرة بقوة. لم يعد خافيا على أحد أن الأنظمة العربية قايضت و لا زالت تقايض الإحتفاظ بالسلطة بأسلمة الرعية.

الهوامش:

1- Le nouvel observateur (03au09mars2005)

Manière de voir n°7 -2


المراجع

alawan.org

التصانيف

تاريخ  تصنيف :أحداث   تصنيف :أحداث سياسية