قادته قدماه إلى حيث اعتاد الذهاب في معظم أوقات فراغه.. كان لا يزال يمشي على رمال الشاطئ متجها صوبهم، عندما رأى أمرا غريبا من بعيد اقترب أكثر.. لم يصدق ما رأته عيناه. كان يغمره الفضول بينما يتقدم بخطى مرتبكة.. زاد من ثقلهما غوص قدميه في رمال الشاطئ الرخوة، وموج البحر المنكسر يعبث بهما.. لكنها الحقيقة تبدو أمامه، ولم تكن ضربا من الجنون أو حلما من أحلام اليقظة.. أيعقل ما أراه؟. كان يخاطب نفسه عندما وصل إليهم مبهورا، بكل تقاسيم وجهه المتلونة بالدهشة..

كان الحبل مجدولا قويا تلاءم مع قوة وجبروت هذا الأزرق الذي طالما سحره، وما يزال.. فكل رجل منهم كان متشبثا قابضا على امتداداته يسحبه بهمة وحزم...

- السلام عليكم، يعطيكم العافية يا رجال..

- وعليكم السلام، الله يعافيك.. رمقوه بنظرة سريعة.. بعد أن استداروا نحوه بسرعة خاطفة وقد تصببت جباههم بعرق يلمع مع انكسار أشعة الشمس عصر ذاك اليوم المشهود قبل انزوائها باتجاه المغيب وراء الأفق لتبيت ليلتها في أعماق البحر، هكذا أعلمنا صغارا آباؤنا وأجدادنا في حكاياتهم وأساطيرهم المتناقلة..

- يبدو خصمكم عنيدا قويا.. قالها وابتسامته الخجولة تنساب باستحياء شديد ما بين الواقع والخيال.. ما بين الحقيقة والسراب.. فقد ذهب اعتقاده حقا الى أنهم يسحبون البحر بالحبال.

- معك كل الحق.. إنه خصم ثقيل عنيد.. يحاول غيظنا وقهرنا من صباح هذا اليوم. لكننا نحاول معه بصبر وثبات.. وعزيمة لا تلين رغما عن أنفه..

- لكنه صمود غير متكافئ.. فماذا تريدون منه؟. وأين تبغون الوصول معه؟. وكيف تعاركون من قهر أقواما وأمما خلت.. وابتلع مغامرين من كل صنف.. وصعق مقاتلين أشداء مخروا عبابه عبر الأزمان؟..

كانت نبرات صوته تتحول إلى أكثر حدة.. وبدت تقاسيم وجهه أكثر جدية وهو يثير تساؤلاته على مسامعهم..

- خاطبه وهو يشير بسبابة يده الشمال إلى عرض البحر حيث بالكاد تظهر سفن راسية على خط الأفق، أتراهم؟.. إنهم يرقبوننا على مدار اليوم.. يحولون دون تعمقنا في عرض البحر ولو قليلا.. هناك تقبع مكنوناته الوفيرة، فهذا موسم السردين الآن.. لهذا قررنا سحبها من شاطئ البحر بمد الحبال بعيدا لتنتهي في شباك يزرعها شبابنا سباحة..

يااااه فهمت الآن.. كُنت معتقدا أنه... إذاً أنتم تصطادون الأسماك.. ولكن هل يخرج شيء في شباككم أم إن اليوم نحس عليكم، فإني أرى أقفاصكم فارغة منها؟..

- قلت لك بداية يا....

- اسمي أحمد..

- لا يا أحمد إنه سخي كريم بعون الله.. لكننا على الشاطئ، وهم هناك يراقبوننا، إنهم قوم لا يأتي من ورائهم غير الخراب والدمار والحصار..

- لا حول ولا قوة إلا بالله.. نعم يا....

- اسمي محمود (أبو علي)..

- نعم أبو علي. حياك الله.. نعم، هؤلاء أعداء الحرية والأمن والسلام..

- ومع هذا، فإننا نستمر في سحب البحر غير مكترثين بهم.. فإن كان بخيلا اليوم علينا، فسيكون كريما غدا؛ لأن الأرزاق بيد الله، ونحن مؤمنون به..

- هنا يكمن سر عزيمتكم وإصراركم.. إذن هو الإيمان والأمل بغد أحسن.. كان يجيب معقبا.. بينما يرقب نهايات الحبل، كان يحاول رؤية تلك الراسيات بعيدا على امتداد نظره..

ثم خطا بضع خطوات حتى لامست قدماه انكسار الموج على الشاطئ.. كمن يريد ترتيب أفكاره يحاول فهم هذا الصمود والتحدي من رجال البحر البؤساء.. عندما أحس بمياه البحر الباردة تغمر قدميه تراجع إلى الخلف نحو محدثه.. وما أن اقترب منه حتى استكمل أبو علي حديثه السابق: لم تخرج شباكنا شيئا طوال اليوم.. ومع هذا، فنحن مستمرون كما ترى بعزيمة وإصرار؛ لأنه التحدي؟...

ألقى عليهم تحية الوداع.. أخذ بالابتعاد عنهم وهو يعيد آخر كلمة سمعها هازّاً رأسه من أعلى إلى أسفل..

ثم استدار فجأة ليرى المشهد من بعيد.. كانوا ثمانية رجال منهمكين لا يزالون في شد الحبل.. وعلى مسافة أبعد كان آخرون على الوتيرة نفسها.. حبل مجدول متين في أيديهم.. وأقدامهم غائرة في رمال الشاطئ.. طرفه كان هناك عميقا في البحر.. ونهايته كانت بيد محدثه الذي كان يلفه بما يشبه إطار عربة كبيرة على رمال الشاطئ...

ابتعد أحمد متجها إلى حيث ركن موتوره (دراجته النارية) على الطريق الساحلي الممتد على مسافة كبيرة من ساحل غزة.. أدار مفتاح التشغيل استعدادا لينطلق في جولته التي أصبحت من سماته الدائمة لا يمنعه عنها تقلب الفصول...

التفت إليهم من بعيد.. الآن يستطيع رؤية المشهد بأكمله..

إنهما فريقان متوازيان على مسافة متباعدة من بعضهما.. لم يخرج البحر شيئا طوال اليوم.. ولم يتزحزح قيد أنملة، وهنا قهقه.

كان يتمتم مع نفسه بينما انطلق إلى موتوره مسرعا بعصبية لم يعتدها.. قطع مسافة لا بأس بها على طريق ممتد على جانب الأزرق ليقع نظره على سبعة رجال آخرين وقد بدأوا في سحب البحر بالحبال في مشهد يتكرر من جديد...



المراجع

m.iraq-amsi.net

التصانيف

تصنيف :قصص   مجتمع   قصة