ضحك حتى كاد أن يقلب على قفاه وهي تلقي عليه بعض نكاتها , ولأنهما من بنية مجتمعية تخشى الضحك الكثير علّقت على قهقهاته: „الله يعطينا خير ضحكك هذه الساعة „.
تغيرت حاله فجأة , فتقمطت الغمة وجهه , لاحظت صمته , ولما التقت نظراتهما ضمت وجهه إلى صدرها .
ينتابها أحايين كثيرة نحوه شعور الأمومة , أحست وكأنها تحتضن ابنها الصغير فراحت تمطر جبينه وخده بقبلات صغيرة , يستسلم لها , يدس أنفه ورأسه لكي ينغمر برائحة ثدييها , يمور الجوع فيه , همت بسؤاله عما يحزنه وما الذي أوقف ضحكه , يسكتها بوضع سبابته على شفتيها , يتأمل وجهها , شعرت أنه يحتضنها بعينيه المغرورقة , ولما التقت النظرات الساهمة , شعرت بصرخاته الاحتجاجية دون أن ينبس ببنت شفة , ومن القشعريرة التي عمت جسده بين يديها أدركت ما يعتريه , ربما راح يحصي عدد السنوات المتبقية من العمر في انتظار سقوط الورقة الأخيرة منه , أو ربما المدن التي تداولته لاجئا بلا وطن , أو ربما عدد الدواليب في حفلات التعذيب التي شملته بين يدي الجلادين في العالم السفلي , أو ربما الجلدات التي كانت تهوي على ظهره في حفلات الاستقبال للفروع الأمنية التي أمها والتي روى لها عنها , أو عدد الموقوفين الذين ازدحم بهم المكان سنوات طويلة من الشباب , أو ربما عدد المنافي , أو ربما عدد القتلى والجرحى في انفجار إحدى السيارات المخخخة في شوارع بيروت أو بغداد أو الضحايا في حروب الإخوة المفتوحة في غزة التي راحت تغطي كل مساحات محطات الأخبار في الأيام الأخيرة.
تلتقي عيناه بنظراتها الشاردة : „أيتها الغريبة مثلي , إني أخاف عليك من دغل أحزاني „ .
أحست , عندما لمحت تركيز الصمت لديه أن على شفتيه كلام كثير : عن الحرمان , عن السرطان , عن اللجوء , عن السجون , عن الرعب , عن الخوف , عن الدم , عن الموبقات , وعن أمه .
„غريبة أنت أيضا مثلي“ , حدث نفسه , وأحس , وهي تحتضن رأسه , برغبة شديدة للدخول في حقل البكاء .
أمضى العمر تتنامى على كاهله باسقات القهر حتى جلبت له في الورقة الأخيرة منه سرطانا , يتجرد حلمه من الشمس , من القمر , من الأمنيات والأغنيات , من البحر والظل والمعجزات , فلماذا يبقي على علاقته بها , أليفجعها بموته الفجائي ؟
لماذا لايداري عبء الجموح ويبتعد , ليصلي لها اعتذارا , يبوح لها , ألم تكن وعدا وأمانا وحبا وأما ؟
لا , لن يبوح لها , فلم يتبقى له غير عيونها هذه التي تملك البرق والبحر والياسمين والفل واللحن الجميل حدودا عليه .
„غريبة أنت الآن مثلي“ , ويقطف غصنا من المواويل الحزينة , ويروح يغني .
جرح في الذاكرة نازف : أنهكه الجوع وأنهكته الغربة .
„أيتها الغريبة مثلي : لا , لا تصدقي هذري , فأنا أسعى إليك , بل ما أجمل السعي إليك , لأن ابتعادك عني يزيد من غربتي , هو صخر , ورمل وقفر , فمازال فيّ إليك شجن من هوى وعشب“ .
محمود جلبوط
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
تصنيف فنون أدب أعمال أدبية مجتمع