فحوى هذا السؤال قديم قدم الفكر الفلسفي. وهو يرمي أساسا إلى استقصاء ما وراء المظاهر، و التساؤل عما إذا كانت الألوان المتقلبة التي تتخذها الحرباء مجرد أقنعة يتستر وراءها اللون "الحقيقي"، و ما إذا كانت الحربائية ستارا يحجب واقع الأمور؟
الجواب التقليدي عن هذه الأسئلة يجد دعامته في التفرقة بين عالمين: عالم المظاهر الخداعة، وعالم يفترض أنه مثوى حقيقة الأمور وطبيعتها وماهيتها. هنا ينظر إلى الحربائية على أنها مجرد لعبة فاشلة ينتصر عليها الفهم لاستكناه ما وراء الخدعة من حقيقة. فيغدو هدف التفسير والتأويل بلوغ المعنى المتستر وراء المبنى، و إدراك الجوهر المتواري خلف الأعراض، والأعماق المختبئة تحت السطوح.
استطاعت هذه النظرية في التأويل أن تصمد أمام كثير من التحوّلات العلمية والفكرية. و قد اضطرت أن تتلون، هي كذلك، تلوينات مختلفة ، فنقلت المعاني من عالم مفارق لتجعلها تقطن الأشياء وتسكن الكلمات. إلا أنها ما لبثت أن تلقت صفعات كبرى على يد أقطاب نظرية التأويل المعاصرة، الذين يجمعهم ميشيل فوكو فى ثلاثية "نيتشه فرويد ماركس"، و هي ثلاثية تحيل الى ابيستيمه بكامله أكثر مما تحيل إلى أشخاص.
لو استعنا بهذه النظرية في التأويل للإجابة عن سؤال عنواننا لقلنا: إن الحرباء هي ما تظهر عليه. فلو نحن نزعنا عنها قشرة جلدها، فقد نضع حدا لخداع، إلا أننا لن نكشف حقيقة اللون وراء تقلب الألوان الظاهرة. فما يظهر هو ما يظهر. لا كواليس وراء الستار. "إن كان هناك قناع، كما يقول نيتشه، فلا شيء من ورائه". هنا يستعيد المظهر كل ثرائه، و يغدو"الوجود صفات ظاهره"، و تصبح الأعماق مفاعيل للسطوح، وبالضبط مفعول طيها وانثنائها. إنها ما يتولد عن الاستيهام الذي يبعثه فينا الظاهر الذي يمنعنا من أن ننظر إليه كظاهر.
بهذا المعنى تصبح الحر بائية هي الآلية المتحكمة في توليد المعاني، و تغدو التقية، ليست خاصية مذهب كلامي أو فلسفي، وإنما سمة الكائن الذي لا يظهر و يتجلى إلا إن اختفى وتوارى
المراجع
موسوعة الاوان
التصانيف
علوم