حوار الحضارات في تعريفه المنهجي يدل على آلية تبادل دول وشعوب العالم آرائها ومشكلاتها، وتعيين حلولٍ لهذه المشكلات، ومن ثم تطبيق القرار الذي ترى أغلب المجتمعات والشعوب بصحته، حيث إن لكل مجتمع حضارته الخاصة، وبالتالي فإن له مشاكله الخاصة به، إلّا أن المجتمعات بطبيعتها ليست بمعزل عن بعضها البعض، فكل حضارة تؤثر وتتأثر بغيرها، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث مشاكل مشتركة بينها، وهو ما يطلق عليها المشاكل العالمية، فكان من الحوار الحضاري والذي تقوم المجتمعات على أسسه أن يساهم في حل مثل تلك المشكلات والوصول إلى القرار السليم بصددها.
يحرص المفكرون والباحثون المسلمون المعاصرون على تأكيد حقيقة أن الإسلام يقوم في مفهومه لحوار الحضارات على الأخذ والعطاء مع الغرب، كما يؤكدون على أنه ليس هناك ثقافة على وجه الأرض رفعت من شأن الثقافات الأخرى كالحضارة الإسلامية، ويرى الإسلام أن أي كيان حضاري يقوم في أساسه على أربع قواعد وهي القاعدة الإيمانية الأخلاقية، والقاعدة الفنية الجمالية، والثقافية المعرفية، وأخيراً التقنية الصناعية.
وعليه فإن اختلاف الحضارات الإنسانية يكون بصدد تغير ترتيب وقواعد الكيان الحضاري من حضارة لأخرى، وفي الحضارة الإسلامية القاعدة الإيمانية والأخلاقية هي القاعدة السائدة التي تميزها عن غيرها من الحضارات، وإن حوار الحضارات في الفكر والثقافة الإسلامية ينبثق عن مبدأ الإقرار والتأكيد على التنوع الحضاري والثقافي، بالإضافة إلى تعدد اللغات، والعدل بين الناس وعدم تفضيل أحد على أحد بناءً على لون، أو جنس، أو عرق، أو أي من عوامل التفريق الأخرى، كما أن الفكر الإسلامي يقر بتداول الحضارات لآرائها وخبراتها، وأن التطور ليس ملكاً لأحد وليس حكراً على أحد فهو أمرٌ متاحٌ لجميع الشعوب.
والجدير بالذكر أن هذه المبادئ التي يُقرّها الإسلام ليست ناتجة عن ضعف وإنما إقرار على أن الثقافة الإسلامية لا تستعلي على أحد ولا تستضعف أحد، ويمكن القول إن حوار الحضارات في الثقافة الإسلامية هو عبارة عن تبادل ونقاش بين ممثلي الحضارات الأخرى بهدف حصول تعاون في مختلف شؤون الحياة، وهو قائم في أساسه على أن يبلغ كل طرف من الأطراف المتحاورة رسالته الحضارية بطريقة مقنعة، مع تقديم البراهين ومراعاة الضوابط والأصول الثابته التي يجب عدم المساس بها.
المراجع
mawdoo3.com
التصانيف
المجتمع حضارات التاريخ الجغرافيا