محمد مهدى عاكف
المرشد العام للإخوان المسلمين
يقول الله تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(آل عمران:165) صدق الله العظيم
هل آن للعرب رسميين ونخب فكرية وسياسية وشعوب أن يقفوا وقفة مع النفس، وقفة صادقة لتتأمل حالة "العجز العربى الشامل" والمأزق العربى الكبير، الذى وصلت إليه الأمة العربية بعد عقود من الحصول على استقلال سياسى ورحيل القوات الغازية المحتلة قبل أن تعود إليه من جديد.
المشهد العربى بائس والمأزق العربى كبير وطريق الخروج منه واضح وليس منه مهرب ولكننا ندور فى أماكننا منذ سنوات لا نستطيع أن نتقدم خطوة صحيحة إلى الأمام.
الفشل هو عنوان المشهد العربى على كل الأصعدة وفى كل المجالات، فلا تنمية اقتصادية حققها القادة ورجال الصناعة والزراعة والتجارة والمال، والدول التى يتمتع مواطنوها برغد العيش سببه هو الثروة النفطية التى ستنضب بعد حين، ولا تتمتع الشعوب العربية بحرياتها الأساسية وتفتقد معظم النظم الحاكمة فيها إلى أى شرعية حقيقية ولا تستند إلى إرادة شعبية فلا انتخابات حرة ولا ديمقراطية سليمة ولا دوران للسلطة بين أحزاب جادة تعبر عن مصالح شعبية حقيقية والانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان فى كل المجالات هى العنوان الضخم والباب الرئيسى الذى يهدد بعودة جيوش الاحتلال من جديد بزعم إنقاذ الإنسان العربى من بطش قادته الحكام وجيوش البوليس التى أصبحت بديلا عن الجيوش المحاربة فى ميادين القتال، وأصبح العدو الصهيونى الكيان المغتصب لفلسطين يتشدق فى المحافل الدولية بأنه هو واحة الديمقراطية فى المنطقة العربية.
والمناخ الفكرى والثقافى يشهد استقطابا حادا بين نخب متغربة ولاؤها للغرب تروج لمفاهيم منبتة الصلة عن جذور هذه الأمة العظيمة وبين جمود فقهى لفقهاء لا يريدون أن يتعاملوا مع مستجدات العصر وحاجات الناس بروح تجديدية واجتهاد خلاق، وبين مجموعات من الشباب المحبط اليائس الذى لا ينقصه الإخلاص ولكن تنقصه الحكمة والخبرة والإحساس بالمسئولية الحقيقية عن نهضة الأمة، فانعدم التسامح ولغة الحوار الذى عرفته عصور الازدهار فى التاريخ الإسلامى وكان علامة على قدرة المسلمين على قيادة العالم والإسهام فى بناء الحضارة الإنسانية.
هذا المأزق العربى الراهن انعكس فى العجز العربى الرسمى والشعبى سواء للجامعة العربية أو للحكومات منفردة أو حتى للنخب والأحزاب وكذلك الشعوب العربية عن التأثير فى أعقد القضايا التى تمر بها الأمة العربية، فكافة ملفات العرب الساخنة اليوم فى أيدى حكومات دولية أو الأمم المتحدة.
القضية الفلسطينية، قضية العرب والمسلمين المركزية أصبحت فى يد أمريكا الحليف الاستراتيجى للعدو الصهيونى، ويتدهور الدور العربى فيها يوما بعد يوم وأصبح العرب – فى غالبيتهم اليوم - منحازين للمعسكر الأمريكى ولا يجرؤون على مخالفة أمريكا ويسعون فى رضا العدو الصهيونى من أجل الحصول على التأييد والرضا الأمريكى.
والعجز العربى أوضح ما يكون فى هذا الملف المصيرى فهم لا يستطيعون تنفيذ قرارات الجامعة العربية بإرسال بعثة لتقصى الحقائق حول أحداث غزة من اقتتال تسببت فيه فئة متصهينة منفلتة تحظى بالدعم الصهيونى والأمريكى بالمال والسلاح أرادت أن تنقلب على إرادة الشعب الفلسطينى الحرة التى ترجمتها انتخابات ديمقراطية حصلت فيها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على أغلبية كبيرة، فعطلت عملها بكل الطرق ولم تلتزم باتفاق مكة المكرمة وبعد أن كانت تنتهك حقوق الشعب الفلسطينى إذا بها تنقلب على حكومة الوحدة الوطنية وتسفك الدماء وتستحل الحرمات خروجا على الشرعية وبدعم خفى من بطانة تحيط بالرئيس محمود عباس تحظى بدعم صهيونى وأمريكى وهم الذين تآمروا من قبل على المرحوم الرئيس ياسر عرفات – رحمه الله - حتى قتله الصهاينة بالسم البطئ بعد أن رفض الانصياع للإملاءات الأمريكية فى "كامب ديفيد" وهم الذين يتآمرون على القضية الفلسطينية الآن.
ولم يستطع العرب قبل ذلك أن ينفذوا قرارات القمة العربية سواء برفع الحصار عن حكومة الوحدة الوطنية التى تحظى بثقة أغلبية المجلس التشريعى المنتخب، أو تسويق المبادرة العربية للسلام التى رفضها العدو الصهيونى منذ البداية فى رد صريح على كل القادة والزعماء والحكومات التى تطلب رضاه وهؤلاء هم الذين تركوا عرفات من قبل محاصرا ولم يجرؤ أحدهم على كسر الحصار الذى فرضه عليه العدو الصهيو- أمريكى.
هذه الحكومات هى التى تحمى الكيان الصهيونى من غضب الشعوب العربية ومن هجمات المقاومة الفلسطينية، فتصر على الحكم الاستبدادى الديكتاتورى خوفا من الشعوب العربية المعارضة للسياسات الأمريكية، وتحمى الحدود بدروع الجيوش والأمن وتحرم المقاومة من السلاح الذى ترد به عن نفسها قصف الطائرات والدبابات الصهيونية، وحتى مظاهرات الغضب فى الشوارع العربية، وحملات الإغاثة الإنسانية أصبحت أكثر صعوبة فى ظل التحالفات السرية بين معظم النظم العربية وبين العدو الغادر .. أما الشعوب المغلوبة على أمرها، فقد أعلنت فى أكثر من مرة أنها لن تستكين أبدا، ولن تهدأ حتى تحصل على حقوقها المشروعة وتحقق آمالها فى نهضة عربية إسلامية فى كل المجالات، وإن خانتها النخب المثقفة المتغربة والأحزاب الرسمية الضعيفة المستسلمة فإنها قادرة على شق طريقها بالتضحية والإصرار والتعبير عن رأيها بكل الوسائل والطرق ولن تعدم قيادات شعبية قادرة على العطاء والتضحية فى سبيل الله، تسعد بالعمل وسط الناس، وتسعى إلى رضا الله عبر العمل من أجل الشعوب والأوطان.
العجز العربى يصل إلى الدرجة التى لا تستطيع الجامعة العربية فرض أى حل على أطراف النزاعات، فلو وصلت لجنة تقصى الحقائق إلى غزة ونجحت فى التحقيقات وتوصلت إلى الطرف المخطئ والذى انقلب حقا على الشرعية فهل تستطيع إرغامه على الجلوس إلى مائدة الحوار من جديد بعد أن حظى بدعم صهيونى أمريكى أوربى هائل ثمنه تمزيق الأرض الفلسطينية وتشتيت الشعب الفلسطينى ونسيان القدس والمقدسات وتحرير الإرادة الفلسطينية والاكتفاء بلقمة العيش المغموسة بذل الاحتلال ؟
هذا النظام العربى الرسمى حكومات وجامعة عربية ترك كل الملفات للأيدى العابثة بالأمن القومى العربى من لبنان إلى الصومال إلى دارفور إلى الصحراء الغربية حتى أزمة الممرضات البلغاريات فى ليبيا.
لبنان تتولاها أمريكا وفرنسا، والصومال تركوها لأثيوبيا تستبيح أرضها بغزو مسلح ورضا عربي وصمت وتأييد دولي، ودارفور لمجلس الأمن الدولى والاتحاد الأفريقي والصحراء الغربية للأمم المتحدة وأزمة الممرضات البلغاريات يتولاها الآن بلير قبل الرحيل.
وبعد كل ذلك يتباكون على التدخلات الإقليمية فى العراق من تركيا وإيران، ولا يسألون أنفسهم لماذا أصبح الملف العراقى نهبا مستباحا شمالا لتركيا وجنوبا لإيران وأهل بغداد والأنباء وبعقوبة وديالى تحت رحمة قوات الاحتلال الأمريكى التى تسومهم سوء العذاب فى سجون "أبو غريب" وساحات القتل واستباحة الدماء.
الخروج من المأزق العربى ليس صعبا ولكنه يحتاج أولا إلى إرادة حقيقية للنهوض واستعداد للتضحية فى سبيل استعادة إرادتنا الحرة المستقلة، ووفاء للشعوب التى ترفض كل صور الهيمنة والاحتلال ومعرفة بالطريق إلى الحرية والتنمية والاستقلال : طريق الجهاد بكل صور الجهاد، جهاد النفوس الضعيفة المهزومة أمام أعدائها، جهاد المنافقين الذين يصفقون لكل مستبد وديكتاتور، جهاد بطانات السوء التى تحيط بالحكام وتزين لهم سوء المصير، جهاد ضد التخلف والفساد والاستبداد، جهاد القلب والجنان، جهاد الكلمة واللسان، جهاد اليد والسنان (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ )(لأنفال: من الآية60)
جهاد الشعوب بالعمل والإنتاج، وجهاد النخب والمفكرين بقيادة الأمة ضد الاستبداد والفساد، وتحرير إرادة الشعوب فى حياة ديمقراطية سليمة وانتخابات حرة ونزيهة . جهاد العلماء والفقهاء بالفكر السديد والرأى الرشيد والعلم الذى يقود إلى خشية الله ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28) في كل مجالات الحياة.
مدارسنا وجامعاتنا، مزارعنا ومصانعنا، أسواقنا وتجارتنا، بيوتنا ومساجدنا تحتاج إلى فهم سليم لأصول النهضة على مبادئ الإسلام وقيم الإسلام وتستعيد عصور النهضة والحضارة فى تاريخ المسلمين لإحياء قيم الإيمان والإحسان، قيم العمل والإنتاج، قيم احترام الوقت، قيم الاعتبار بسنن الله فى عمران الأرض والاجتماع البشرى ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ -CQ
OQ-البقرة: من الآية251)) ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ -CQOQ-آل عمران: من الآية140)) ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد: من الآية11))
واليوم أيها العرب والمسلمون ونحن نترسم طريق الخروج من المأزق الراهن لابد لنا أن نمد أيدينا إلى إخواننا فى فلسطين لإحياء الحوار الوطنى الفلسطينى على أسس متينة واستعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية ضد كل محاولات الصهاينة والأمريكان لتمزيق الأرض والشعب وأن نمد أيدينا بالإغاثة العاجلة لكل أبناء فلسطين خاصة فى غزة المحاصرة لإغاثة الشعب الصامد المرابط بكل صور العون والإغاثة ، وأن نعمل بجد واجتهاد لإحياء القضية الفلسطينية فى نفوس العرب والمسلمين ثم ننقلها إلى العالم الحر وأن نفضح هذه الأقلام الخبيثة والطابور الخامس الذى لا يترك أى فرصة لصرف العرب عن قضيتهم ومقدساتهم وتهوين عزائمهم لصالح العدو الصهيو – أمريكى
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تاريخ أحداث أحداث سياسية