علي بن محمد الحبردي
عندما يتعثر الإبداع في أي أمة فإنه علامة على أن تلك الأمة متخلفة مهما وصلت الى مستويات عالية من القوة والثراء ، فغالبا ما يصاحب القوة الجسدية ضعف العقل، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : اللهم إذا وهبتني قوة فلا تذهب عقلي ، والقوة المادية مصاحبة للغرور فقد توهم قارون أنه أوتي المال على علم عنده فخسف الله به وبداره الأرض ليكون عبرة لمن يعتبر، واللصوص والقراصنة أكثر ثراء من العمال الذين يزرعون الأرض والذين يرعون دوابهم ، واللصوص والقراصنة في الحكم الشرعي والعرف البشري يعتبرون من قطاع الطرق مهما حملوا على ظهورهم من أكياس الذهب والفضة . وفي هذا الزمن الجميل يعاني الكثير من المبدعين في البلاد العربية والإسلامية من قتلهم بالاهمال المتعمد لتنتكس أفكارهم ويتمحورون على ذواتهم فيتهمون بالنرجسية ،بعكس ما يلقاه المبدع في البلدان المتطورة التي تتلقفه وهو على مقاعد الدراسة وتهيء له كل الظروف الملائمة لمساندته في تطوير إبداعه وتنمية مواهبه بصرف النظر عمن يكون ، أما في البلدان المتخلفة فإنها تستهجن بجميع أنواع الإبداع وتعتبرها بدعا مضللة ، وإذا حدث صدفة أن تم الاهتمام بأي مبدع فإن ذلك الاهتمام ينحصر بقدرة قادر في فئة معينة تعتبر أن الإبداع مقصور عليها، وقد يقرر المسئول في تلك البلدان منح جوائز التقدير لنفسه ولاقاربه باعتبارهم الأولى بالمعروف مادام أنه الذي يتخذ القرار في منح التقدير لمن يشاء أو منعه عمن يشاء ، وقد يتطور الأمر أن يتقدم المبدع الى ذلك المسئول ويمنحه الإبداع ويعتبره أحق به من نفسه وبذلك يحصل على الإبداع والجائزة وشهادة الإبداع كهدية ، بينما المبدع نفسه يفرك يدا بيد ويبتسم سرورا بظهور إبداعه على الملأ ولو حرم من مردوده المادي والمعنوي ، مما يدل على أن المبدع يشبه الأم التي تهتم بنمو وليدها وسلامته، حتى لو حرمت نفسها من المنفعة الخاصة !! واقع العالم العربي والإسلامي اليوم يختلف عن واقع عصرهم الذهبي فقد كان هارون الرشيد ـ على سبيل المثال ـ من أكثر أهل زمانه علما ومعرفة بالدين ومن أوسعهم إطلاعا ومعرفة بالشعر وبتاريخ الأمم وكذلك أبناؤه وحاشيته ،ولكنه لم يحصر الجوائز في نفسه ولا فئة معينة من حاشيته بل كان يمنحها لمن يستحقها بكل جدارة وبكرم وشهامة ولذلك تطور مستوى الإبداع في جميع أشكاله في الدولة العباسية وكذلك في دولة الأمويين في الأندلس حيث نمت العلوم وجميع الثقافات بمختلف أنواعها، لأن الأبواب كانت مشرعة للإبداع الذي يحتاج إلى الدعمين المادي والمعنوي من بداية ظهوره، وما لم يتم ذلك فلا يمكن أن يحدث أي إبداع في أي أمة من الأمم ، ولا يكتفى بتقديم الجوائز والهبات ولكن الأهم هو الرعاية المتواصلة للمبدع ولإبداعه منذ بداية ظهور علامات الإبداع بمتابعة ورعاية المبدع، الى أن تجنى ثمار الإبداع وبذلك يتمكن من أن يتخذ له مسلكا لتحقيق إبداعه. Ali7hab@hotmail.com
المراجع
alyaum.com
التصانيف
مواليد 1943 العلوم الاجتماعية