رقية القضاة

أويس القرآني اسم مرّ على ذاكرة الزمان فأغناها براً وصلاحاً، وسيرة ذكرتها صفحات الكتب فأضاءت بنورها النفوس الباحثة عن مواطن البر، والعمل الصالح والزهد الورع، المنبثق عن مخافة الجليل والرضا بالقليل، والعمل بالتنزيل ، وصدقة بالمستطاع وفوق المستطاع. ذاك هو أويس، بر بالوالدة الضعيفة وبر بالقلوب اليائسة، وبر بالأكباد الجائعة ، ودعوة مستجابة واستغفار للمؤمنين وحزن مقيم في قلب طاهر، لا أنس له إلا بمن خلقه وأفاض عليه من الإيمان والرضا واليقين والرحمة ، فكان القول فيه ما قاله الحبيب المحب لأمته ( أويس القرني خير التابعين بإحسان ).

وأويس المطلوب لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، مطلوب لكي يستغفر لهما، وهما يسعيان للقائه، تنفيذاً لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر ( يأتي عليك أويس بن عامر مع امداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن ،كان به برص فبرأ إلا موضع درهم له والدة هو بها برّ لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل ). والفاروق يبحث عن كل ما من شأنه طاعة الله ورسوله ،وعن كل ما يكون سببا للمغفرة، فكيف يضيعها فرصة من يده، أن يستغفر له رجل صالح ،أوصاه نبيه الحبيب صلى الله عليه وسلم، أن يحصل منه على الدعاء بالمغفرة من الله. وأخرى مؤكدة ( يا عمر، يا علي إذا أنتما لقيتماه فاطلبا منه أن يستغفر لكما يغفر الله لكما ).

عشر سنين وهما ينتظران ذلك اللقاء الاخوي العزيز، حتى وجداه على عرفات يصلي ،ويطول شرح الموقف الأخوي، العابق بذكر الله، ووصية حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم. والمحاورة المحلقة بالأرواح ، في مراقي اليقين والتواضع، والتخفف من أثقال الدنيا، وجبال أوزارها ، فتبرز وضاءة الروح ، وخفة حملها، وهي تحلق عالياً في مدى الحب الإلهي، والتوكل الموقن بالمن والفضل منه سبحانه. وتتألق الكلمات الناصحة للخليفة المؤتمن على الأمة بكل أطيافها وشؤونها وهمومها، وتتجلى الرحمة الأخوية والتعزيز والشكر للأمير الذي قام بحق الرعية وأخيه كرم الله وجهه ( السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته وأنت يا علي بن أبي طالب فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً ).

ويمتلئ قلب الخليفة بالود الأخوي، ذلك الود الذي لا يدرك كنهه إلا من ذاقه حين تتآلف الأرواح وتتلاقى القلوب وتتوحد المساعي، فتلتقي على الحب في الله وتفترق عليه. يعرض أمير المؤمنين على أخيه أويس العطاء والكساء من خالص ماله وعطاءه ، فيكون الرفض المقرون بالنصح المشفق ،( يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كؤودا لا يجاوزها إلا ضامر مخفّ مهزول فأخفف يرحمك الله ) . وتنطلق صرخة الخليفة الأمين الذي أثقله حمل الأمة ( ألا ليت عمر لم تلده أمه ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ ) يقصد بذلك الحكم والخلافة.

ذاك أويس يسعى إليه الفاروق ليستغفر له، فما كان عملك يا أويس ؟ وما أنت في الناس؟ لقد منعك برك بأم عليلة ضعيفة ، تحنو عليها وتحدب من أن تحظى بلقاء الحبيب في المدينة المنورة، خشية أن تتركها في رحلتك تلك، فلا تجد راع ولا واصل ولا بر ولا خادم، فأورثك ذلك براً عند الله ورسوله، وملأ قلبك حناناً وعطفاً على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. حتى كنت تتصدق بلقيماتك وتبيت على الطوى ، وتلتقط كسيرات الخبز التي ألقاها المتنعمون ، وتغسلها وتأكل منها وتتصدق بها على تلك الأكباد الجائعة المحرومة، في خطوة تصلح أن تظل تتلى وتعاد على مسامع الأمة التي كثر فيها المترفون والجياع على حد سواء. فأين نحن من اعتذارك لربك عن ما رأيته تقصيراً منك وأنت لا تملك شيئاً ولا تدخر حتى قوت ساعة ( اللهم إني أبرأ إليك من كبد جائعة ) ( اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به ).

فأين نحن منك؟ أين كدر أرواحنا من صفاء روحك؟ وأين حنان قلبك ورقته من قسوة قلوبنا؟ وأين تعاهدك للمحتاجين من إخوتك المسلمين من إعراضنا عن ذوي الحاجة المحرومين؟. إنها معرفة الله وتوقيره وخشيته، والفهم الكامل لشرعه، واليقين الخالص بعظمته، والطاعة المطلقة لأمره، سكبت في قلبك حتى أفاضت ندى ورفقا وبراً وصلاحاً، وزهداً وورعاً، فانطلق لسان حالك بالوصايا المخلصة لإخوتك في الدين. توسد الموت إذا نمت، واجعله نصب عينيك، وإذا قمت فادع الله إن يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئا أشد عليك منهما، بينا قلبك معك ونيتك إذا هو مدبر، وبينا هو مدبر إذا هو مقبل، ولا تنظر في صغر الخطيئة، ولكن أنظر إلى عظم من عصيت. لقد بررت فوصلت وحنوت فنجوت يا خير التابعين بإحسان { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } . 


المراجع

alwakaai.com

التصانيف

تصنيف :قصص اجتماعية   الآداب