منذر جودت أبو غزالة (1944- 1986)، قائد البحرية الفلسطينية وعضو المجلس الثوري لحركة فتح والمجلس العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية.
اغتيل على يد عملاء الموساد في أثينا في 21 تشرين الأول 1986.
من هو منذر جودت أبو غزالة
- ولد الشهيد البطل في مدينة غزة عام 1944 وتلقى دراسته الثانوية في مدارسها.
- التحق بحركة فتح عام 1965م أثناء دراسته في كلية الصيدلة بالجزائر.
- تسلم قيادة منطقة نابلس في المناطق المحتلة بعد احتلالها عام 1967.
- قام وأشرف على تنفيذ عمليات بطولية عدة ضد قوات الاحتلال الصهيوني.
- خاض الشهيد البطل كافة معارك الدفاع عن الثورة وعن الشعبين الفلسطيني واللبناني.
- تسلم عدة مسؤوليات منها : قائد معسكر ميسلون عام 1968، وقائد معسكر طرطوس عام 1970، وقائد منطقة الشمال اللبناني عام 75 – 1976.
- متزوج وله ثلاثة أبناء.
- حصل الشهيد البطل على دورة قادة فدائيين في الاتحاد السوفيتي عام 1971م، وكان مسؤول الدورة.
غيابه عظيم بحجم حضوره
والدة الشهيد وزوجته تتحدثان عنه :
قالت أمه : ولد منذر في 1944 وكان منذ صغره حنونا، هادئا، ولكنه كان قويا وكان من الأوائل في المدرسة وبعد أن أنهى دراسته الثانوية ذهب إلى القاهرة ليدرس وما أن تم تشكيل جيش التحرير الفلسطيني عام 1965 حتى ترك الجامعة والتحق بالجيش ولم يكن موقفه غريبا علي، فقد كان حلمه أن يقاتل من أجل تحرير فلسطين، ولابد من القول بأنه قبل التحاقه بالجامعة قدم للكلية الحربية في مصر، فلم يقبلوه، وبعد أن أنهى الخدمة في الجيش أرسلته المنظمة إلى الجزائر لدراسة الصيدلة، وأثناء ذلك وقعت حرب 1967، فترك الجامعة والتحق بحركة فتح وكنا نعتقد أنه ما يزال يدرس في الجامعة، إلى أن عرفنا أنه في نابلس عام 1968م.
وعند سؤالها عن شعورها وهي تفقد اثنين من أبنائها مازن أبو غزالة 1968م ومنذر أبو غزالة 1986م، قالت الأم الرائعة إنها لا تستطيع إخفاء حزنها على فقدان فلذات كبدها ولكنها أيضا يكفيها شرفا أن حشاشة جوفها كانا شهيدين قدما روحهما رخيصة لأجل أرض الوطن.
أما زوجته فتقول عن الشهيد البطل :
منذر كان الزوج والحبيب هو ابن عمي وكانت أول مرة أراه فيها بعد هزيمة حزيران عام 1967 في عمان، ولا أنسى ذلك اليوم أبدا، لا أنسى كيف دخل بيتنا وهو يرتدي ملابس الفدائيين ويحمل بندقيته وقنابله، كان هو يتحدث ونحن كنا نستمع إليه تحدث وقتها عن الهزيمة وعن الرد عليها بالرصاص، وعن الثورة وفلسطين، كان أجمل من رأيت، بقامته المديدة كسارية العلم أو كسارية للنار، وفرحت بت ابن عم عزيز وفدائي، هكذا تعرفت عليه وهكذا أحببته أيضا. بعدها ذهب وغاب طويلا... وعلمت فيما بعد أنه قطع النهر إلى الأرض المحتلة وذهب إلى مدينة نابلس، حيث كان القائد العسكري للمنطقة عام 1968. وحسب ما حدثني أخوة منذر في فتح فقد قام بعدد من العمليات العسكرية ضد قوات العدو الصهيوني، كما أنه أشرف وخطط لعدد كبير من العمليات.
وتكمل زوجته : كان منذر كتوما فيما يتعلق بعمله فلم يكن يتحدث أبدا عنه كان يحدثني عن شقيقه الشهيد البطل مازن الذي استشهد في معركة طوبا، أما عن نفسه وعن عمله فلم يحدث أن تحدث قط، ولكنني كنت أسمع أخباره من الآخرين. وعندما سئلت عن عملية دلال المغربي قالت: لم يحدثني أبدا عنها ولكنني كنت أشعر أن هناك شيئا كبيرا وخطيرا سيحدث وذلك بسبب قلقه وقلت نومه ومن متابعته للإذاعات. وبعد أن حدثت العملية، كنت أسأله فلا البطل:لكن الأخوة في فتح كانوا يحدثونني فيما بعد عن ذلك.
وعن حياته الشخصية تقول الصامدة زوجة البطل : لم تكن لدينا حياة شخصية، وأفضل أن أسميها حياة فدائية حتى زواجنا كان كذلك. كنت في عمان وكان في سوريا وخطبت له ووافقت على الفور وأرسل وكالة وتم عقد القران دون حضوره حدث ذلك عام 1974م. وبعد عقد القران سافرت إلى سوريا وفي مدينة طرطوس تزوجنا.وبعد ذلك عشنا فترة من الوقت في مدينة اللاذقية، انتقلنا بعدها إلى شمال لبنان ومن ثم إلى بيروت. وبعد عام 1981 عدنا مجددا إلى الشمال اللبناني. لقد كانت حياتنا سلسلة من الترحال... من مكان إلى آخر. وخلال غزو لبنان وحصار بيروت انتقلنا إلى طرابلس، حيث شارك في معارك الدفاع عن الثورة، بعد ذلك ذهبت مع أبنائي إلى عمان وكان منذر حيث يجب أن يكون على رأس القوات البحرية. وكانت آخر مرة ألقاه فيها في شباط فبراير عام 1986م.
وتقول: كنت ومنذ اليوم الأول لزواجنا أعرف أن حياتي لن تكون عادية، بل حياة فدائية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وكنت أقوم بمهام البيت وتربية الأولاد دون شكوى. لأن عمل منذر وواجباته أهم من أي شيء.. رغم التنقل والخطر فإن أشرف حياة هي حياة المقاتلين في سبيل الله والوطن. حياتنا الأجمل والأفضل والأكثر كرامة هي أهم من كل الأشياء الصغيرة الأخرى.
كان منذر الزوج والأب المثالي. فلم يحدث أن رفع صوته، كان حنونا إلى درجة لا تصدق، كان له حضور كبير وعظيم وغيابه عنا هو بحجم حضوره. حتى أنه كان يعد أبناءه ليوم استشهاده.. مثل هذا الرجل الزوج والحبيب والأب والفدائي سأظل أبكيه بالعين والقلب، ليس احتجاجا على استشهاده ولكن من لوعة فراقه.
اغتيال الشهيد منذر أبو غزالة
عند الساعة الثانية من فجر يوم الثلاثاء (21/10/1986) سمع دوي انفجار كبير في منطقة (تيازميرني) عند تقاطع شارعي (تراكيون) و(بلاستيراس) في العاصمة اليونانية. وعرف بعد دقائق أن الانفجار وقع في سيارة مستأجرة من نوع أوبل كاديت، ونتج عن الانفجار حفرة واسعة وعميقة في أرض الشارع وأثناء سيرها تطاير السقف ولم تتوقف إلا بعد اصطدامها بسيارة مرسيدس كانت متوقفة بجانب الطريق، ثم بعامود سور حديدي وبشجرة. وفور توقفها وقع انفجار آخر في خزان الوقود، فاحترقت السيارة ومن كان بداخلها، وكانت النيران كثيفة إلى حد أن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب منها حتى حضور رجال الإطفاء بعد عشر دقائق من الحادث. ولم يكن بإمكان رجال الإطفاء سحب الجثمان - الذي كان يصعب تمييزه إذا كان لرجل أو امرأة- من داخل السيارة، إلا بعد تقطيع أجزاء السيارة بواسطة منشار ورافعة. الجثمان كان هيكلا من الفحم مقطع الأوصال لا يستدل على أنه لإنسان لولا وجود الرأس المحروق. لقد حاولت مصادر الشرطة اليونانية ربط الحادث بحادث كان قد سبقه بساعات قليلة، حيث انفجرت عبوة موقوتة في قسم للشرطة في منطقة (امبيلوكبي) في أثينا، وأعلنت المسؤولية عنها منظمة تسمى النضال الثوري اليونانية – ايلا السرية، وهذا ما ساعد على التشويش والإيحاء بأن السيارة التي انفجرت كانت تحمل عبوات متفجرة، لتوضع في دائرة حكومية أخرى، كما ساعد على الاعتقاد بأن الشخص الذي وجد محروقا في السيارة هو أحد عناصر المنظمات الإرهابية اليونانية. وتوهم رجال الأمن أنهم قد وضعوا يدهم على طرف الخيط الذي سيوصلهم للكشف عن إحدى هاتين المنظمتين.
وتقول بعض المصادر المطلعة في أثينا : إن هذا الوهم الذي أصاب رجال الأمن قد صرف الأنظار عن التركيز على المسار الحقيقي الذي كان يجب أن يبدأ التحقيق الفوري به.
وعلى مقربة من مكان الانفجار وجد أحد رجال الأمن رقم السيارة فتبين أنها كانت سيارة أجرة من نوع سيلف درايفنغ، وكان ذلك علامة أخرى للاستطلاع. ومع انه لم يعرف حتى الآن ما إذا كانت الشرطة قد استقصت فورا عن المكتب الذي استؤجرت منه السيارة، أم أنها أرجأت ذلك حتى الصباح، إلا انه جاء في الصحافة اليونانية في اليوم التالي أن السيارة قد استؤجرت يوم 17/ 10/86 من مكتب فيزا لتأجير السيارات، الذي هو مكتب تابع لشركة أولمبيا برايز لتأجير السيارات، والذي يقع في شارع ذوزماني رقم 20 في غليفاذا الضاحية الجنوبية لأثينا، وجاء أن مستأجر السيارة هو رجل أعمال لبناني مقيم في اليونان واسمه حسين ماروني.
شهود العيان
يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى تساؤل: كيف يمكن أن يكون هناك شهود عيان والحادث وقع فجرا؟
أثينا من عواصم العالم القليلة جدا التي لا تنام. وتتبادل ساعات نهارها وليلها الازدحام. والروايات متضاربة وتزيدها بلبلة تلك المعلومات التي تدسها الصحافة اليمينية حول الشهيد، وكيفية استشهاده، وأسباب مجيئه إلى اليونان...
فحص ركام السيارة أكد أن العبوة كانت موضوعة تحت المقعد الأمامي المجاور لمقعد السائق، وان المقعد قد تناثر بالكامل منذ اللحظة الأولى للانفجار، والبعض يعتقد أن المتفجرة كانت ملتصقة بأسفل السيارة، ودليل ذلك الحفرة التي أحدثها الانفجار في أرض الشارع لحظة وقوع الانفجار.
بعض الشهود يقول: إن منذر لم يستشهد منذ اللحظة الأولى، وكان متماسكا رغم ما أصابه، حيث كان يحاول السيطرة على السيارة على امتداد 80 مترا، إلى أن اصطدمت السيارة بعامود الحديد والشجرة، وكان الانفجار الثاني واندلاع النيران، ومن بين ألسنة اللهب سمعت صرخة مدوية، حيث لفظ روحه الطاهرة والتحق بالرفيق الأعلى شهيدا. واعتمادا على هذه الرواية يكون منذر هو الذي كان يقود السيارة، لكن شهودا آخرين قالوا عكس ذلك.
بعضهم قال : إن منذر كان يجلس إلى جانب شخص آخر يقود السيارة، وانه يبدو أن هذا الشخص نفسه ترك المقود ونزل من السيارة، فيما بقي منذر، وبعد ثوان من نزوله كان الانفجار، فيما الرجل الذي نزل من السيارة راح يركض في عرض الطريق.
أحد شهود العيان قال: إنه شاهد مع منذر شخصين آخرين، أحدهما فتاة، وإنهما نزلا من السيارة قبل الانفجار، وتبحث الشرطة عنهما. ويؤكد شهود عيان آخرون أنهم شاهدوا سيارة من نوع أودي بيضاء اللون، كانت وراء السيارة التي انفجرت، وعند وقوع الانفجار انطلقت هذه السيارة بسرعة جنونية.
وفيما تعتقد المصادر الأمنية الفلسطينية بعلاقة أصحاب سيارة الأودي بالموساد، وان لهذه السيارة دورا في العملية، إلا أن مصادر البوليس اليونانية لم تسرب أية معلومات حول ذلك.
أصداء الجريمة في الصحافة اليونانية
- الصحف اليونانية نشرت نبأ الاغتيال يوم 21/10 وفق صيغة دوائر البوليس على صفحتها الأولى.
- في اليوم التالي (الأربعاء 22/10) تناولت جميع الصحف أهم ما جاء في بيان البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في أثينا حول الحادث، والصحف الصديقة منها نشرته كاملا وتناولته بشكل متفاوت.
- صحيفة ذيموكراتيكوس لوغوس الموالية للحكومة والمؤيدة ل(الباسوك) كان المانشيت الرئيسي في صفحتها الأولى (الموساد اغتالت الضابط الفلسطيني وبيان رسمي للمنظمة)، وقد أوردت البيان كاملا واعتبرته وثيقة تكشف أسرار الجريمة البشعة.
- صحيفة ريزوسباستيس مانشيت الصفحة الأولى (الضحية أحد كوادر الثورة الفلسطينية وعملاء الموساد نفذو العملية).
- صحيفة أفغي الناطقة بلسان الحزب الشيوعي – الداخلي : (المخابرات السرية الإسرائيلية فجرت السيارة).
- صحيفة تانيا الموالية للحكومة : (م.ت.ف ضحية الانفجار)، وقد أوردت في بيان المنظمة للحادث إلا أنها أجازت لنفسها البحث في احتمال انه كان ينقل في السيارة مواد انفجرت به.
- صحيفة اكروبوليس اليمينية المعارضة أشارت إلى بيان المنظمة والى اتهام الموساد بشكل متحفظ وكان عنوان صفحتها الأولى : (اغتالوا أحد كوادر عرفات في أثينا). وأشارت إلى مسؤولية النزاعات العربية الداخلية.
- أذاح البيان الذي وزعته منظمة التحرير الفلسطينية الستار عن ملابسات حادث التفجير في نيازميرني ووجه الأنظار كلها باتجاه الموساد والدور الإجرامي الإرهابي الذي تمارسه هناك. الأمر الذي فطنت إليه الصحافة فاستعرضت تاريخ هذا الدور وضحاياه وتأثيره، وحذرت من مغبة تأثيراته المستقبلية. وهذا ما جعل إسرائيل في وضح حرج، حاولت الخروج منه متعللة بالبيان الذي وزعته باسم منظمة الانتقام وأعلنت فيه مسؤوليتها عن الاغتيال وكذلك ادعاء السفارة الإسرائيلية في أثينا – وفق ما جاء في الصحف اليونانية اليمينية يوم 22\ 10 – بأن منذر كان يحمل معه قنبلة موقوتة ليضعها ضد هدف إسرائيلي في أثينا، إلا أن خطأ حدث في التوقيت وأدى إلى الانفجار.
- الصحافة اليمينية راحت تروج اتهام الموساد بالجريمة، وأخذت تعبئ في اتجاه براءة الموساد وإسناد الجريمة إلى الخلافات العربية – العربية. وحتى الخلافات الفلسطينية، مستندة حتى إلى التكتيك الطبيعي التحرير.إليه البوليس اليوناني عندما استدعى عددا كبيرا من العرب والفلسطينيين للتحقيق معهم انطلاقا من قناعة البوليس بأنه بهذه الطريقة سيستطيع مراكمة معلومات تخدم ترشيد التحقيق، وفي الواقع استفاد البوليس من العلاقة المتينة بين منظمة التحرير والحكومة اليونانية ومن الاستعداد الفلسطيني للتعاون، وبالتالي تجاوب العرب مع القرار اليوناني بالتحقيق، وقد بدت الرغبة الفلسطينية في التعاون والتنسيق في التحقيق بإيفاد القيادة الفلسطينية لجنة تحقيق، بعد إعلان الخبر مباشرة. واللجنة برئاسة الأخ العقيد غازي الجبالي، النائب العام في م.ت.ف، وعضوية العقيد أبو ثائر من جهاز الأمن المركزي لمنظمة التحرير.
بيان اللجنة التنفيذية والقيادة العامة
ولا تحسبن اللذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
تنعي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقيادة العامة لقوات الثورة الفلسطينية إلى جماهير شعبنا الفلسطيني، وأمتنا العربية، والى كل الشرفاء والمناضلين استشهاد القائد البطل العميد / منذر جودت أبو غزالة عضو المجلس الوطني، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، قائد قوات البحرية الفلسطينية، الذي اغتالته أجهزة الموساد الإسرائيلية وعملائها، فجر يوم الثلاثاء (21/10/1986م)، عندما قامت أيدي الإجرام الصهيونية بوضع عبوات ناسفة حارقة في السيارة التي كان يستقلها في العاصمة اليونانية – أثينا.
إن م. ت. ف، وهي تودع كادرا قياديا من خيرة كوادرها المناضلة، نحمل حكومة العدو الإسرائيلي المسؤولية الكاملة إزاء هذه الجريمة الإرهابية الجديدة التي اقترفتها أجهزة مخابراتها ضمن مسلسل عملياتها الإرهابية المنظمة ضد جماهير شعبنا ومناضلينا داخل وخارج فلسطين وتؤكد أنها سوف لن تترك الأيدي المجرمة الممعنة في إرهابها الأسود بدون عقاب.
إن م.ت.ف تدعو السلطات اليونانية الصديقة إلى متابعة الجهود المبذولة لكشف عصابات الإرهاب والإجرام الصهيوني على أراضيها، وملاحقتهم وتقديمهم للقضاء لينالوا عقابهم على جرائمهم المتكررة.
كما تدعو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الحكومات والقوى والأحزاب العربية والصديقة، إلى تشديد استنكارها ومواجهتها لحملة الإرهاب الإجرامية التي تشرف على تنفيذها الحكومة الإسرائيلية ضد شعبنا ومناضلينا داخل المناطق المحتلة وخارجها.
إن اللجنة التنفيذية والقيادة العامة لقوات الثورة الفلسطينية وهما تودعان قائدا بطلا من أبطال ثورتنا الفلسطينية، تعاهد روح الشهيد وكل شهداء شعبنا وأمتنا من ضحايا الإرهاب الصهيوني، بأن تستمر الثورة في كفاحها الثورة، وفي مواجهة هذا الإرهاب العنصري الصهيوني بكافة السبل والوسائل. حتى تتحقق أهداف شعبنا في تحرير وطنه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
عاشت فلسطين حرة عربية
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
وإنها لثورة حتى النصر
قال الشهيد القائد ياسر عرفات فيه : إن الثورة الفلسطينية فقدت باستشهاد منذر أبو غزالة، أحد أبطال الثورة العملاقة.
وقال : إن الثورة الفلسطينية ستحاسب كل يد امتدت إلى شهيدنا وان دمه لن يذهب هدرا.
قال الشهيد أبو جهاد الوزير : إن عملية اغتيال الشهيد منذر أبو غزالة جزء من خطة الاغتيالات التي أقرتها حكومة العدو بصورة متواصلة ضد كوادرنا ومناضلينا في أثينا وروما، واستهدفت الشهداء مأمون مريش وإسماعيل درويش وخالد نزال، والثورة الفلسطينية سترد بكل صلابة وحزم على هذه الجرائم التي ستبوء كلها بالفشل لأن إرادة المناضلين أقوى من كل جرائم واغتيالات العدو.
كتب محمد سليمان في رثاء الشهيد منذر
منذر أيها الحبيب... تمهل.
لم نعش عمرنا بعد، ونحن نحس بأن السنين التي مضت كانت سنين عمرنا الأحلى.
صحيح أن فجائعها سرقت من لحمنا حتى العظم، وكانت انتظام. أحلام أطفالنا، وسلب مطارحنا فوق النجوم.. وكانت تريد لنا عمرا كهوام البحر الذي يمضي بغير انتظام.
منذر، أيها الحبيب، إني أراك تودعنا واحدا واحدا في لحظة الانفجار الأخيرة. وإني أراك تبتسم زهوا بكل الذي صنعناه مجدا لشعب عظيم.
صحيح أن صبانا عذاب، وقهر، وأشلاء جثث، وحقد علينا، ولكنه كان حلوا بمثل حلاوة أعلى الهتافات مجدا لصوت الرصاص المدوي..
وكان جميلا وعذبا كنسمات ماء البحر الذي عشقت، وكنت مصيبا في ذلك، حيث كان أقصر المسافات نحو يافا.
منذر أيها الحبيب، أستمحيك عذرا لأنني لم أرك طويلا. لقد باعدت بيننا المسافات وحروب الأعداء والأعدقاء، وكانت تريد لذاكرتنا نفي الوجوه الأليفة نحو الصور الحبيبة. نحو الصور الحبيبة من مطارحنا.. من ملاعبنا.. من كل ما قالته لنا الجدات والأمهات، وحتى أحلام أطفالنا يريدون لها الاغتيال.. يريدون اغتيال بحرنا وكل البحور التي لا تضيق بها النائيات.. وعكا وغزة.
سلام عليك.. وداعا وداعا.
سلام لمازن وكل الصحاب الذين قضوا، ووعدا بأنا سنبقى نحب فلسطين ويافا.
لقد قضى الرجل الذي أحبه كل من عرفه، فقد كان كل حبه لفلسطين. وما كان من الممكن أن نصدق ذلك لولا أنه مساء 21/10 جاءنا الخبر المفجع من أثينا في بيان أولي وزعته البعثة الدبلوماسية الفلسطينية هناك، فأعلنت استشهاد منذر.
وكتب مؤيد البحش
إلى الفلسطيني الجميل منذر أبو غزالة
أمير البحر
للبحر عزته...
وحيفا لا تسافر
ما بين حيفا والرحيل مساحة ملء الأبد
و قطيعة لا تنتهي أبدا.. وبُعدٌ لا يُحد
للبحر ما للبحر
من ماء
وأمواج وأسرار
وما ندري، ولا ندري
وحيفا للصغار
الوارثين صحيفة المزجي سفينته
ليمخر في عباب الموج..
يبحث في خلايا الماء عن خطوات من عبروا
وأخبار الصغار الأولين
هذا أمير البحر..
يُطلق لحمه نارا ويهتف في البحار
هذا بيان للصغار
وذاك فصل القول
أرض الله ضيقةُ بلا حيفا
وحيفا لا تجيءُ إلى أحد
والبحر باب القدس
حيفا أولاً..
واللدُ قبل القريتين..
وان أرض الله باطلة إذا اختصر الجليل
والسيف... مفتاح السؤال المستحيل
@@@
هل أبحرت حيفا.. |
وأغرق في السؤال المستحيل
سبحان من أسرى به نارا على نور وموج.. باسم سر الفتح يبحر من أثينا
ليعلم الأطفال تأويل التراب..
يتوج الشهداء بحرا من دم
ويقول حيفا أولا..
والبحر باب النهر..
مفتاح السؤال المستحيل..
من ينتظر حيفا على الميناء.. يوغل في الرحيل..
حيفا انتظار الأرض للآتين من كل المنافي..
الوارثين وصية المزجي سفينته
وأحلام الصغار القادمين... والقدس سر مغمد في السيف والعشاق فوق سفينة
تجتاز مرحلة.. لتدخل
باسم من سقطوا، ومن صمدوا
شمالا.. أو جنوبا..
تدخل سر الفتح..
قال أميرنا
اليوم نبحر من أثينا عائدين إلى الجليل
والسيف مفتاح السؤال المستحيل
@@@
يا أيها المزجي سفينته سلاما
يا أيها الملقي وصيته سلاما
علمتنا فن النهوض.. وإذ نهضت.. سقطت في حضن الجبل
سبحان من أسرى بصوتك عبر موج البحر
يأتينا.. يعلمنا مناسكنا ويكشف سر من عبروا...
خفافا أو ثقال..
وصلوا وما قُتلوا وما صُلبوا، وما حُرقوا
يقول أميرنا.. ويضيء نارا
ثم يخرج من أثينا..
هذا أمير البحر.. كنعان الفلسطيني فينا
فقل السلام عليه
حين يضيء منتشرا
وحين يجيء مزدحما بموج البحر
خفاقا على كل الجهات...
@@@
اليوم يَخرجُ منذرُ البحريُ موجاً من أثينا..
ويَحُطُ في طوباسَ صقراً..
يبحث في خلايا الأرض عن خطوات مازن في الجبال
اليوم يتحد الدم الموّار بحرا من رجال..
اليوم نصنع من قنابلنا سلالة برتقال
ونقول... باسم الفتح
نعبر للقتال.
@@@
يا أيها المزجي سفينته سلاما
يا أيها الملقي وصيته سلاما
يا أيها الآتي مضيئا من عباب الموج محتدما سلاما
يا أيها الآتي من البحر القديم
يليق بك الجليل
ويليق صوتك بالصهيل..
واليوم نقرأ في كتاب النار.. سرُ الفتح فينا
هذا أمير البحر.. كنعان الفلسطيني
يبحر من أثينا...
هذا أمير البحر.. كنعان الفلسطيني يأتي شعلةً ليضيء فينا..
كما قال بكر عبد المنعم محمد (ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في اليابان) في منذر
منذر يبحر باتجاه الوطن
في جنات عدن، وقبل بزوغ الفجر، كانت المغربية (دلال)على موعد مع (غزال)، ولا كل الغزلان
@@@
الثلاثاء، وقبل طلوع الشمس على أثينا، غضب البحر، وعلت الأمواج، وفهمت عرائسه رسالة الغضب. وعلمت أسماكه التي لا تنام، بالحادث الجلل.
@@@
ما أوفاك يا بحر ! أوصلت الرسالة أسرع من الأثير، لكل الأحباب،
إلى رمال الشاطئ في الدامور، في غزة، ويافا
إلى صخور البحر قبالة طرطوس، قبالة حيفا.
منذر ! يا شراع الشموخ في الإبحار إلى فلسطين
منذر |
أيها الغزال الراكض، أبدا في اتجاه الوطن
الذي ما احتاج بوصلة يوما
كنت المنذر، حيث ما أصعب الرؤية
منذر |
العينان المصوبتان باتجاه فلسطين، حيثما كان، وأينما حل
منذر |
عاشق البحر، البحر الهادر، الحنون، الرحيم
على كل قوارب فلسطين،
تمخر عبابه باتجاه فلسطين. منذر |
الحالم، العالم، رجل الأنوار والبحور
ما أسعدها سويعات عمره
وما أحلاها على قلبه لحظات الصفاء تلك
يناجي فيها البحر.
منذر |
كان يفهم لغة الأمواج !
وكان يحب ملمس قوارب المطاط، كان يعشقها ! @@@
منذر |
قبل الثلاثاء كان بيننا، وبعد الثلاثاء ضل بيننا.
منذر |
أحلامه كثيرة، أحلامه بسيطة، أحلامه كانت كبيرة
له حلاوة الكعكبان في مولد النبي صالح، له بساطة كل القرويين الفلسطينيين
أحلامه كبيره، عظيم
كبر وعظم وشموخ المارد الفلسطيني الجبار.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
ورثاه أمجد ناصر قائلا :
مركب من الغار لرجل البحر الفلسطيني منذر أبو غزالة
من يفجر إعصارا لا يأمن البحر
أكان على محمود درويش أن يقول : آآآآه من قلبي ومن أثينا، فروما التي في القصيدة عرفت الدم الفلسطيني المراق على الإسفلت البارد منذ وائل زعيتر وحتى إسماعيل درويش.
كانت الصورة التي نقلت لعالم ينام بملء غفلته، قد أوضحت التفاصيل :
رجل بمعطف واق من المطر، ملقى على قارعة الطريق تغطي وجهه صحيفة، وفضوليين يطالعون الجسد المسجى تحت سماء باردة، تلك هي الصورة الأولى التي كان علينا - نحن الذين لم نعرف من وائل زعيتر سوى الهالة التي تتركها الشهادة على رؤوس جيل لاحق، من أجيال الدم الفلسطيني المتوالي الفصول- أن نطبعها في أذهاننا، حتى الأبد.
وائل زعيتر كان قصيدة.. قرأناها باكرا. وغسان كنفاني، وماجد أبو شرار، وعز الدين القلق، دخلوا رحاب الموت الجميل... والقصيدة البهية.
وصرخ محمود درويش: توقفوا عن الموت، ولكنهم لم يفعلوا | .
@@@
ولأثينا.. طعم الملح والمرارة، لصباح أثينا رائحة الموت، ولون الدم الفلسطيني، أثينا مدينة أم مقبرة ؟ وبحر أثينا مزيج من العرق والدم.
بحر أثينا ملح، سماء أثينا صفيح، شوارعها غابة من العيون الزجاجية.
أية مفارقة، أن يصرع الفلسطيني في البلاد التي استقبلته بالورد والسواعد والغناء، فهل أراد العدو أن يقول : لا مطرح لك أيها الفلسطيني، يا من تطاردني في الصحو والغفلة ؟
أثينا تفاحة من حجر. باكرا جذبت الدم الفلسطيني إليها، أصدفة أن تجتذب إليها رجال بحر فلسطين، ربابنة العبور إلى الوطن، مأمون مريش، منذر أبو غزالة، وبينهما ميشيل النمري، وخالد نزال.
@@@
الزمان: يوم شتائي من عام 1967.
المكان : مخاضة بالقرب من بلدة (الكرامة) الأردنية.
الحدث: شاب فلسطيني يحاول عبور النهر السريع الجريان إلى الضفة الأخرى
لقطة كبيره: حركة بين القصب وأغضان الدفلي ـ تمتزج بصوت المياه المتدفقة.. الظلمة تحيط بالمكان وبين القصب المتعالي ثمة فتى يرصد المكان بعينين متأهبتين.. يرهف سمعه لأنات الريح والمياه، ويرقب حركة أشباح على الجانب الآخر.. يربط حبلا ويداري سلاحه خشية أن تبلله المياه.. في العينين إصرار، وفي القلب هتاف الأرض القريبة.
يعبر الفتى مياه النهر ويصل إلى الضفة الأخرى.
بعد تسعة عشر عاما، وفي الساعة الثانية بعد منتصف ليلة خريفية، يدير فلسطيني مفتاح سيارته، فيهز المدينة الحجرية دوي انفجار، فتهرع وكالات الأنباء الشرهة لتبث الخبر.
بعد تسعة عشر عاما تكشف رياح البحر والشهادة والنقاب عن وجه الفتى الذي عبر الشريعة بحبل، وتصفه البيانات بأنه: العنيد منذر أبو غزالة، قائد القوة البحرية الفلسطينية و... الخ، فأي مسيرة يا منذر التي قطعتها، منذ عبورك الأول لنهر الأردن وحتى حط على كتفيك طائر الشهادة.
@@@
للبحر وحده سنقول: كم كنا غرباء في أعياد المدينة هكذا هتف رجل، أبحر ومضى.
من بحر غزة إلى بحار الدنيا، مضى الفتى الفلسطيني متلفعا بوشاح الأخ الذي احتضنه ثرى طوباس مازن، في العينين يلوح بحر غزة، وفي القلب هتاف الأرض. صوت ناي بعيد، يقود الفتى إلى مطارح الألفة والعناق والفرح البكر.
أكان منذر أسير هتاف حورية البحر، أكان سليب الموانئ التي لم يزرها (عكا ويافا وحيفا) ؟ غزالة من براري فلسطين عبرت أمام الفتى، فانخطف. ظل يعدو في البر لملاقاة الغزالة، وفي البحر لعناق حورية المياه التي لامس أطرافها من بعيد.
وكما كان غسان كنفاني سريع الكلمة، فإن منذر أبو غزالة سريع البحر.
والأيدي التي فخخت سيارة الأول، هي الأيدي ذاتها التي وضعت الـ (T.N.T) في سيارة الثاني، وفي الحالين كان فلسطيني يموت وفي عينيه لوحة لبيت وأشجار ونزهة تحت سماء لا تلوثها الطائرات.
@@@
لو لم تكن رجل بحر عنيد، لو لم تكن موجعا لهم، لو لم تؤرق خفر سواحلهم عفوا.. سواحلنا لما طاردوك في المدن، ولما كان على أثينا أن تصافح دمك المضيء.
فرجل البحر الذي صاحب الموج وعرف الأنواء ودشن طرقا في المياه، كان يربي الأعاصير ويطلقها عندما تحين الساعة.
واغتيالك اعتراف خطير منهم بخطرك عليهم.
ولعلهم فكروا أنهم بذلك قد أمنوا البحر.
ولكن.. من يفجر إعصارا
هل يأمن البحر فعلا؟
،،،،،،،،،،،،،
أما د. يحيى رباح
فقال في مرثية إلى أمير البحر العميد منذر أبو غزالة بعنوان
(الرحيل باتجاه العودة)
كان منذر أبو غزالة لا يزال فتى يافعا، عندما قطع نهر الأردن لأول مرة مستخدما الحبال، في ذلك الشتاء الفاجع والمدهش، شتاء عام 1967، قطع النهر في أول عملية له ضد المحتلين الصهاينة في فلسطين، كان ذلك الموقع المعروف (بالكرامة) يتهيأ لأن يسجل اسمه بقوة في تاريخ المنطقة، وكان فدائيو (فتح) قد بدءوا يتوافدون إلى ذلك الموقع منذ بدايات الصيف، شباب متفتحون ببراءة مثل أزهار اللوز، وأحلام كبيرة، أحلام بان يندمل جرح الهزيمة الكبير، وإن ينفتح المدى على عصر جديد اسمه عصر المقاومة. كان منذر إذا واحدا من هؤلاء، ومن ذا الذي كان يظن أن الفتى اليافع الذي يقطع مياه النهر الصغير (متشعلقا) بحبل سوف ينتشر بعد ذلك كل هذا الانتشار العظيم الذي يشبه الأسطورة، فيعبر البحار البعيدة، ويذرع أرصفة الموانئ التي وراء المحيطات ؟..
هذه البحار البعيدة اللعينة
هذه المدن البعيدة اللعينة
تأخذنا نحن الفلسطينيين في رحيلنا الطويل, تأخذنا.. تعذبنا..تغتالنا..
لكنها رغم عنها تعيدنا –في نهاية المطاف- إلى البحر الفلسطيني.
يقولون للفلسطيني ابتعد, وحينئذ يعلمون انه صار في ابتعاده قريبا.
يقولون للفلسطيني اتئد، وحينئذ يعلمون انه صار في اتئاده انفجارا.
وفي الحصار الواحد يصبح الفلسطيني انتشارا، وفي هذا الزمن الكامل من الحصار، يصبح الفلسطيني سلسلة من انفجار البراكين.
@@@@
ولد منذر أبو غزالة في مدينة غزة، وهي مدينة فيها سراديب تفضي إلى البحر موجودة منذ 5 آلاف سنة، وفيها آثار لقلاع وحصون، وبقايا حكايات عن غزاة مهزومين رغم أن الزمان مد لهم إلا أنهم هزموا....
وفي غزة هذه البوابة الجنوبية حيث للأحزان مذاقها الخاص وللحكايات إيقاعها الخاص لابد أن يكون منذر جودت أبو غزالة قد ورث هذه الموهبة المعذبة، موهبة الحفاظ على السر والمضي به قدما متجاوزا مساحات أُكملن إلى تخوم المستحل، ولو لم يكن الأمر على هذا النحو... فلماذا تتواصل العائلة بهذا الشكل المدهش، فلقد كان لأهل منذر وذويه صيدلية تبيع الدواء في شارع عمر المختار – شارع القنابل- ومحلا ينتج الحلوى، ثم إذ بالعائلة تتواصل على طريق فلسطين فتقدم الشهداء.
مازن أبو غزالة شهيد في طوباس
ومنذر أبو غزالة شهيد في أثينا
يا الله ما أبعد المسافات، لكنه ماذا يهم كل ذلك، مادام الأخوين مازن ومنذر قد حددا لنفسيهما منذ البدايات مكانا واحدا للقاء في فلسطين. وفي أعظم تجليات الزمن الفلسطيني.
@@@@
منذر
أبا مازن، أيها الفلسطيني الجسور،
من علمك حديث الموج العاتي، ولغة البحار المضطربة، وكسر الطوق والحصار في بيروت ومرة في طوباس، وهذه القدرة على الاقتراب عبر رحلة الألف ميل، من غزة إلى الأغوار، ومن طرطوس واللاذقية إلى صيدا وصور.. ومن طرابلس إلى الحديدة.. ومن كل الموانئ إلى كل المواني.. جسور وعنيد ومندفع حتى انك في مهرجانات الرصاص القاتل، كانت تنفتح شهيتك أكثر على الدنيا، فتعصرها بيديك القويتين بكل شغف، وحتى انك في الأوقات التي كان يقترب فيها الموت إلى حد الملامسة، كانت عيناك تضيئان بالابتسام مثل عريس ذاهب إلى الفرح.
هل كنت تعلم يا صديقي، إن عمر الفدائي المحكوم بين بريق الانفجار ودوي الانفجار لا يحتمل المماطلة؟
ولا يتسع لكسل الانتظار ؟ ولا يتوافق مع لغة القوم الخائفين؟
أنت فدائي.. أنت إذا في معركة.. هذه حكمة الزمن الفلسطيني
أنت فدائي أنت إذا في معركة.. ولا يشفع لك انك منذ سنة أو حتى منذ سنتين لم يتح لك مرة واحدة أن تراجع مع أطفالك الصغار واجباتهم المدرسية ولم تشرب قهوة الصباح مع زوجتك، ولم تهجع إلى نفسك وسط عذاب الرحيل الطويل.
أنت فدائي
أنت إذا في معركة
@@@
يلاحقك الأعداء أينما ذهبت، بالقصف، وكواتم الصوت، والعبوات الناسفة، والكمائن، والجيوش والأرتال والاجتياح، وتقول للواقفين على بوابات الحدود والمطارات وحراس الجغرافيا المستباحة.
دعوني أمر.. إني في إجازة قصيرة..أريد أن أعيد ترتيب ذاكرتي المبعثرة، وألملم أشتات نفسي،
دعوني أمر.. أريد أن اختار لطفلي اسما.. أريد أن أثبت أزرار قميصي.. ولكنهم يقولون لك: أنت فدائي لا يمكن أن تكون في إجازة،
أنت إذا في معركة
آه يا حبيب
شامخ أنت مثل الجبل
وساحر أنت مثل دموع العاشقين
يغتالونك قبيل طلوع الفجر، قبيل هطول الأمطار في بلادنا، وقبل أن يعترف الجميع أن الفلسطيني على حق، ما دام جسد الفلسطيني يتحول في نهاية المطاف إلى شظايا، فلابد أن يكون دائما على حق.
ويا منذر
يا أبا مازن
ألم نكن دائما نقول لك حين يغتال الأعداء فارسا مثلك، تسقط على الفور هرطقات السياسة الواقعية، وينتصر الوجدان، ينهض مثل ارتفاع الموج العظيم، ذلك هو سر القضية، سر تواصلها الدائم، وانتشارها الواسع، وانتصارها القادم حتى لو كره الكافرون.
يقولون لنا – وما أكثر ما يقولون – كلمات من براعة الاعتدال، وجدوى المسايرة، وكيفية إحراج العدو عن طريق القبول به قاتلا وحكما، يقولون لنا كلمات وكلمات وكلمات، وتصرخ دمائنا فيهم:
هل هذه نصائحكم لنا ؟ أم نصائحكم للعدو كيف يقتلنا ؟
يقتلونك يا حبيبي، فيتلاشى زبد الكلمات، وينشطر وجدان القضية.
ثم إن رحلة الفلسطيني من يوم أن يولد بلا عنوان، ويستشهد بلا عنوان، رحلته بحد ذاتها هي جوهر قضيته، إذ ليس في وسع المجتمعات التي تتعرض للمجازر ،وليس في وسع المنافي أن تكون وطنا،
أعطوا الفلسطيني وطنه، أرضا تهجع فيها الطيور، وتلملم أشلاء موتانا ونقول فيها الحكايات، ونقطة بداية موحدة لأطفالنا نريد نشيدا وعَلما وجواز سفر، ونريد مرة واحدة أن نكسر حلقة الرحيل الجهنمي.. أن نسافر وان نعود ولا يعترض على واحد منا أحد. هل رأيتم أعدل ما يطلبه الفلسطيني ؟ هل رأيتم اعجز من ما يطلبه الآخرون.
وها أنت يا منذر
من فتى يهفو قلبه لما وراء النهر، إلى أمير البحر، تؤكد في استشهادك انتصار الوجدان، انتصار القضية، أنت وكل أبناء جيلنا، هل يمكن لأحد أن يطبّع عقول أطفالنا وان يسرق منهم ذاكرتم، وأن يستبدل ميراثهم الناري بمقطوعات من الكلمات الفاترة ؟
محال – يا سيدي – محال، فنحن أبناء هذا الجبل الفلسطيني، ورثنا عن أبائنا مرارة السؤال، وحين لم نجد الأجوبة.. جمعنا بقايا الحكايا، وحبات الدموع، وصور الخروج المأساوي، وهول الفاجعة، ومن كل ذلك انطلقت فتح، انطلقت الثورة، إجابة عن السؤال:
- ماذا يفعل الغائبون ؟
- يعودون
- ماذا يريد المشردون؟
- يريدون وطنا.
هكذا يستقيم حال الفلسطيني، هكذا يتصالح الفلسطيني مع نفسه، هكذا هي فلسطين، إن تريدها تجدها في الشوك والورد، في الموت والميلاد، في المنفى والوصول، في قوة الانفجارات، وفي اللحن الفلسطيني المتناثر في ساحات المدن وفوق أوراق الشجر، هكذا هي فلسطين إن تريدها تجدها في الفراق والتلاقي، في أول الكلام وآخر الكلام.
@@@ آآآآه يا حبيبي
قريب أنت مثل مساحة الأشواق وبعيد أنت مثل عناق الغائبين وأذكر انك حدثتني ذات يوم عن الموت كيف يكون، انتظارا بطيئا مملا، أم وميضا خاطفا، ما أقسى هذا الزمن وأصعبه، حيث لا يملك الفلسطينيون حتى فرصة البكاء الحنون.
لا وقت لالتقاط الأنفاس، أطفالنا يتعلمون في العام الأول درس الرحيل القصري، وفي العام الثاني درس الحصار والمجزرة، وفي العام الثالث بتعلم الواحد منهم كيف يحمل العبء، ويواصل المشوار، ويكون ابن شهيد، ثم إنهم يقولون بعد ذلك، كيف نجعل الفلسطيني ينسى؟ كيف نجعل الفلسطيني يستبدل لغة وجدانه بهذا الهراء السخيف الذي يقولونه عن الحلول الذي يشبه الكلمات المتقاطعة؟
منذر،
أبا مازن، معذرة يا حبيبي، هذه قضيتنا قضية الله، والله لا يمكن أن تخسر قضيته أبدا، وكيف تخسر قضية وكل هذا الحشد من جنودها، وها أنت تضن مثل آية من آيات الله، ومثل سر لا يقاوم، ومثل احتراق شجرة مقدسة، وريحك يا سيدي تهزني، هل يمطر القلب بكاء، أم يمطر القلب شواظ من نار، يا الله ما أطول الرحلة، ترى هل ينقشون أسمائنا على مداخل الشوارع في مدينة غزة، أو على جذوع النخل في دير البلح، أو فوق وجه الحجارة التي اغتسلت دموع الأنبياء قبلنا في مدينة القدس.
وداعا يا حبيبي..
ها أنت تضن... وما ذا في وسع الفلسطيني أن يفعل سوى ما يفعله الآن، أن يحفظ سره، ويخبئ خنجره تحت جلده، وأن يواصل الرحيل باتجاه العودة، وان يقول للجميع لكم دينكم ولي ديني... فوداعا يا حبيبي.
وكتب عنه د.حسين أبو شنب
فجر يوم الثلاثاء وفي الحادي والعشرين من تشرين أول /أكتوبر 1986م، يسيل دم أمير البحر.. منذر أبو غزالة.. يرفد بحر الدماء الطاهرة التي تسيل كل يوم في كل مكان تروي الأرض، وتبلل الترب، وتندي الزرع وتشمخ بها هامات الصامدين حاملي رايات النصر، وصانعي ملاحم التحدي والصمود. أن يمضي أمير البحر الفلسطيني على درب الشهادة والنصر، ذلك حق نجله ونؤمن به. فهو درب الثائرين المؤمنين، وأن يتوالى موكب الشهداء وقوافل الأبرار على مدار الأيام أيضا ذلك حق نصمت أمامه مؤمنين مجددين البيعة للحق والإيمان.. ونتعاهد به من جديد.. فدربنا نحن الثائرين درب الحق.. ودرب الحق يمتلئ بالشهداء والصديقين والعاملين بإخلاص ووفاء. أما أن يمضي أمير البحر الفلسطيني ومن قبله مأمون مريش وخالد نزار وكل الأحرار والشرفاء في اليونان.. فذلك عهد جديد.. بدأه قوافل الثائرين في رحلة الصمود الجديد من بيروت إلى أثينا في ذلك اليوم الذي اللهم فيه يوم الصامتين وشاهت فيه وجوه اللاهثين.. وهدأت فيه راجمات وصواريخ العابثين أولئك الذين وقفوا عاجزين يطلبون الانتحار لأشبال النصر، ويزفون التهاني لأعداء الحق، ويقفلون الأبواب في وجه شرفاء العصر ورواد التاريخ الحديث أولئك الذين صنعوا ملحمة المجد العربي في بيروت. من اليونان إلى فلسطين يتدفق بحر التحرير يرفده شلال الدم الفلسطيني الجارف الذي لا يتوقف ولا تهدأ موجاته إلا يوم النصر.. يوم تتواكب سفائن النصر تحمل أعلام النصر وأبطال النصر لتتحدى العصاة وأهل الصمت.. وتكتب بالدم على مداخل كل البوابات والطرق.. إن النصر لا يصنعه إلا الدماء.. ولا يكتبه إلا عشاق الوطن، الباذلون أرواحهم ودمائهم من أجل الوطن. أن يمضي أمير البحر.. أبو غزالة.. ومعه كل الشهداء هناك في اليونان بين أمواج بحر ايجة وجزيرة كريت فذلك هو التاريخ.. نقرأه تماما ونعرفه.. ولا غرابة في أن تنفتح أبواب عاصمة اليونان للرجال.. وتنغلق عواصم الأهل والإخوان.. ففلسطين تاريخ وحدها.. يكتبه الأحرار من كل مكان.. وكما كتبت طلائع الفتح (فلسطين هوية نضالية يحملها الشهداء والمناضلون من كل مكان).
Modified by: Ayoub Younis
المراجع
ويكيبيديا, الموسوعة الحرة
التصانيف
قادة فلسطينيون ثورة فلسطينية منظمة التحرير الفلسطينية وفيات 1986 ضحايا الموساد سياسيون فلسطينيون مغتالون حركة فتح عملية دلال المغربي عسكريون فلسطينيون
login |