شبكة المشكاة الإسلامية
أ.بشرى محمد مروان

ليس هناك من شك في أن لوسائل الإعلام تأثيرات ملحوظة في كل جانب من جوانب حياة الأفراد والمجتمعات.. تتنوع هذه التأثيرات بين السلبي والإيجابي حسب الظروف المصاحبة، ويلعب التوقيت والطريقة التي يتلقى بها الناس ما يقوله الإعلام دوراً كبيراً في هذه الحالة.

باول ويليس Paul Willis في كتابه "الثقافة السائدة" Common Culture (1) يسجل أن 98% من عدد السكان في بريطانيا يشاهدون التلفزيون بمعدل 25 ساعة في الأسبوع، وأن 92% ممن هم في عمر 20-24 يستمعون إلى الراديو، وأن 40% ممن هم في عمر 16-24 يذهبون إلى السينما على الأقل مرة كل ثلاث أشهر. تظهر هذه الإحصاءات بوضوح المعدل المرتفع لأولئك الذين يؤثر الإعلام في حياتهم اليومية بشكل مباشر. وإذا أخذنا في الاعتبار وسائل الإعلام الأخرى كالصحف والمجلات والانترنت فإننا من الممكن أن نتخيل الدور القوي لوسائل الإعلام في تشكيل حياتنا وعقولنا وتصرفاتنا.

تذكر السيدة فاضلة لاجادين في مقدمة حديثها حول "النساء المعوقات والإعلام"(2) نقطة مهمة جداً حول دور وسائل الإعلام في تشكيل الرؤى:

(وسائل الإعلام متمثلة في التلفزيون والراديو والمطبوعات والأفلام والمسرح، هي أداة قوية وفريدة للتشكيل. إنها تقوم بتشكيل الطريقة التي يرى ويفهم بها المجتمع العالم. سواء استخدم الشخص وسائل الإعلام بمستوى كبير أو صغير فإن هذه الوسائل لديها قدرة لا تجارى في الاختبار والاتصال والتثقيف والإعلام عن الناس والأماكن والأفكار. وبالانتباه إلى طبيعة انتشارها ودورها في تشكيل نظرة المجتمع لها، علينا أن نأخذ في الاعتبار الطريقة التي تنقل بها وسائل الإعلام صورة الجماعات المتضررة والأقليات والجماعات المهمشة، وفي هذه الحالة إحدى هذه الجماعات تمثل 13% من ذوي الإعاقات في جنوب إفريقيا، وعلى الخصوص النساء المعوقات).

على الرغم من أن المقصود من حديثها هو فئة النساء المعوقات بشكل خاص، إلا أن فكرة أن وسائل الإعلام هي أداة قوية لتشكيل نظرة المجتمع وطريقة تفكيره تمتد لتشمل فئات كثيرة تسميها "لاجادين" بالجماعات المتضررة والأقليات والجماعات المهمشة. والكيفية التي يرى بها مجتمع ما العالم من حوله قد تكون هي الأساس الذي يبني الطريقة والأسلوب الذي سيتعامل به هذا المجتمع مع العالم ككل ومع تلك الجماعات بشكل خاص. لا يشترط في هذه الجماعات أن تقع خارج نطاق ذلك المجتمع ولكنها قد تكون واقعة من ضمنه وقد تكون جزءاً أساسياً في تركيبته بحيث لا يمكن التغاضي عنها بغض النظر عن نسبة وجودها فيه.

المسلمون العرب قد يكونون المثال الأكثر سهولة ووضوحاً عند التطرق لدور وسائل الإعلام في حياة هذه الجماعات بعد أن لعبت هذه الوسائل دوراً قوياً في تشكيل الرؤى وطريقة التفكير للمجتمع الذي يتواجدون فيه. فالمسلمون العرب أصبحوا اليوم جزء من التركيبة السكانية للعديد من المجتمعات الغربية بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، ولعبوا دوراً مهماً في التنوع الثقافي لهذه المجتمعات بغض النظر عن تعدادهم. ومع الأحداث العالمية الكبيرة التي يمر بها العالم اليوم، والتي يعتبر فيها المسلمون العرب عنصراً رئيسياً، يبرز الدور الذي لعبته وتلعبه وسائل الإعلام في تشكيل الرؤى وطريقة التفكير لتلك المجتمعات حول الإسلام والمسلمين، وخصوصاً العرب منهم وبالتالي في تحديد الكيفية التي قد تتعامل بها هذه المجتمعات معهم.

وعلى الرغم من تواجد هذه الجماعات المسلمة، والتي تعتبر من الأقليات، من ضمن التركيبة السكانية منذ فترة لا بأس بها إلا أن تكيفها مع هذه المجتمعات مازال صعباً للعديد من الأسباب، والتي من ضمنها نظرة المجتمع من حولهم لهم، تلك النظرة التي شكلتها، كما ذكرنا، وسائل الإعلام، وهي التي سنسلط عليها الضوء في السطور القادمة.

ولكن قبل التطرق إلى الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تشكيل صورة المسلمين العرب في الغرب، من المفيد أن نناقش أثر "التنميط" أو "القولبة" Stereotyping على تصرفات الناس وأفكارهم.

يصف كارلوس كورتيه Carlos Corte`s (3) الصورة النمطية "المقولبة" A stereotype بأنها تعميم حول شخص أو جماعة من الأشخاص، ويؤكد:

(نحن نبدأ بالتنميط عندما لا نكون قادرين أو لم تكن لدينا الرغبة في الحصول على كل المعلومات التي قد نحتاجها لتكوين حكم عادل حول الناس والمواقف)

وفي مقالة له على الانترنت بعنوان: "طبيعة ومشكلة الصور النمطية"(4)

The Nature and Problem of Stereotypes يوضح البروفسور ويليام وي William Wei أن الصور النمطية هي معلم متأصل في المجتمع الأمريكي وجزء أساسي من عملية التكيف مع المجتمع ومتطلباته، وأنها تنقل مزيجاً من الصور التقليدية غير الدقيقة والأكليشيهات من جيل إلى آخر.

ويضيف البروفسور وي أن الصور النمطية ترتكز على أفكار مكونة مسبقاً نشأت من مصادر موجودة للمعلومات حول أناس محددين، وملاحظات انتقائية نشأت لتوضيح تصرفاتهم. ووفقاً لما يقوله فإن الصور النمطية هي وظيفة للعلاقات الاجتماعية بين الجماعات، أو العلاقات السياسية بين الأمم وليست خبرة شخصية أو معرفة على نطاق واسع.

(نحن نستخدمهم لنبرر أحكاماً مسبقة محددة لدينا ولنقوي ثقتنا بأنفسنا على حساب الآخرين. بالإضافة إلى ذلك فإن المقصد الأساسي منهم هو الحط من شأن الآخرين كوسيلة لإبراز إنسانيتنا).

واقتباساً لما جاء في مقالة ويليام وي يقول زيتسيغدي تودومانيغيتيم Szegedi Tudomanyegyetem في مقالة له في مجال الدراسات الأمريكية(5) أن الصور النمطية هي معلم متأصل ونموذجي في معظم المجتمعات ولكنه يؤكد بأن ذلك ليس مقتصراً على الثقافة الأمريكية فقط.

التنميط إذاً من الممكن أن يكون عاملاً مؤثراً في إطلاق الأحكام المسبقة حول الآخرين وفي بناء صورة محددة لهم دون الأخذ في الاعتبار الافتقاد إلى المعلومات الحقيقية.

يرى كارلوس كورتيه أننا بالتنميط نفترض أن الشخص أو الجماعة لديهم صفات محددة، وغالباً ما يكون لدينا صور نمطية حول أشخاص ينتمون إلى جماعات ليس لدينا معهم اتصال مباشر.

من البديهي أن يتسبب هذا في إظهار صورة مضللة لتلك الجماعات، ولن يتغير الأمر بسهولة ومن الممكن أن يؤثر ذلك على هؤلاء الناس وعلى حياتهم.

من جهة أخرى فإن البروفسور وي يؤكد أن الجانب الخفي المتنامي والأكثر إيذاء للصور النمطية هو أنها تضعف القابلية للتفكير بحكمة وتعمل كمصدر أساسي للمعلومات الخاطئة حول الآخرين. وبدلاً من مواجهة تلك الصور التي تصادف البعض في حياتهم اليومية فإنهم يتقبلونها على أنها تقدم الحقيقة ويساوونها خطأً بالتعميمات المقبولة والتي تستند على معلومات دقيقة حول الجماعات الأخرى من الناس.

يطرح زيتسيغدي تودومانيغيتيم تساؤلاً مهماً: (ولكن هل نستطيع التحكم بما نعتقده حول الآخرين؟)

بينما يرى كارلوس كورتيه أن "المنهاج الاجتماعي" Social Curriculum، ذلك المنهاج الكبير المتنامي وغير الرسمي والمتمثل في العائلة والأنداد والجيران ووسائل الإعلام والقوى الاجتماعية الأخرى، هو الذي يثقفنا خلال فترات حياتنا. ويرى كورتيه أن (التلفزيون والكتب والمسلسلات الهزلية والأفلام كلها مصادر غزيرة بالشخصيات النمطية). وفي معظم تاريخ صناعة الأفلام تم تصوير الأمريكيون من أصل إفريقي African-Americans على أنهم يفتقدون للذكاء وأنهم كسالى أو ميالون للعنف، وكنتيجة لذلك فإن تلك الصور النمطية شجعت التحامل وإطلاق الأحكام المسبقة ضد الأمريكان الأفارقة.

من الواضح إذاً أن للإعلام دور مهم في بناء التنميط لجماعات محددة من الناس وهذا من الممكن تطبيقه على حالة المسلمين العرب في الغرب كجماعة من ضمن تلك الجماعات التي تأثرت بالتنميط وبالصورة التي بناها هذا التنميط في عقول الناس حول هذه الجماعة. ويبدو أن الإعلام الأمريكي قد لعب الدور الأكبر في بناء هذه الصورة النمطية للمسلمين العرب وعلى وجه الخصوص عن طريق الأفلام الأمريكية.

في الرابع من ديسمبر 1996 أجرى مركز "الحوار" بفيينا- فرجينيا بالولايات المتحدة حلقة نقاش حول "الإعلام وبناء الصور"(6). النقاش ركز على ملاحظات العرب حول الإعلام الأمريكي والطرق التي يستطيع بها المجتمع محاربة الصور السلبية. المحاورون كانوا: د.دان ريني Dr. Dan Rainy، وجوليا موريللي Julia Morelli، ومحمد حقي Mohammad Hakki.

عند تقديم المحاورين، وفي معرض حديثها حول الولايات المتحدة، أعطت رئيسة الجلسة السيدة الما عبدالهادي جادالله Alma Abdui-Hadi Jadallah(7) أمثلة من حياتها الخاصة حول طرق التنميط Stereotypical Ways التي عاملها بها الناس بسبب موروثها الثقافي واختتمت بقولها:

(الفرضيات ووجهات النظر والمعلومات أتت لأصدقائنا ومعارفنا من خلال مصادر مختلفة، ولكن بدون شك الإعلام ودوره في بناء الصور كان عاملاً مساهماً أساسياً في رسم صورة العرب في هذا البلد).

ولكن د.ريني(8) يعتقد بأنه على الرغم من أن هذه الصور ربما تكونت عن طريق ما يشاهد في التلفزيون فإن التعامل اليومي بين الناس يساعد في خلق الافتراضات ويربطها بشكل كبير مع ما يعرض على الشاشة. ويرى أنه بالنسبة للعرب الأمريكان فإن الأمر مختلف بطريقة ما حيث أن الناس في هذا البلد ليس لديهم الكثير من الفرص للتعامل وجهاً لوجه مع العرب. بالتالي فإن الكثير مما يعرفه الناس حول العرب الأمريكان والشرق الأوسط يأتي من الإعلام وخاصةً في المجتمعات الصغيرة.

(الوضع يختلف في بعض المدن الكبيرة مثل واشنطن التي تميل إلى كونها متعددة الثقافات Multi-cultural والتي يعيش فيها عدد أكبر من العرب. ولكن الفرصة في معظم البلد للتعامل مع الناس المختلفين محدودة).

من الممكن أن يكون هذا الكلام صحيحاً خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار الشعور الطبيعي بالخوف من المجهول والذي يعطي فرصةً للخيال والمبالغة، ولكنه من ناحية أخرى قد لا يعتبر دقيقاً تماماً بالنظر إلى طبيعة المجتمعات المدنية في المدن الكبيرة التي تميل إلى كونها مجتمعات لا تركز كثيراً على الحياة الاجتماعية وبالتالي تقل فيها فرص التعامل مع الآخرين حتى وإن كانت متعددة الثقافات.

يضيف د.ريني أيضاً نقطة مهمة وهي الافتقاد إلى المعلومات الصحيحة حول الثقافات الأخرى.

(الصور الإيجابية والمختلفة والواقعية للعرب، أو أي ثقافة أخرى، من الممكن إيجادها في "الثقافة العالية" High Culture كالأدب، على سبيل المثال أعمال الكاتب المصري المتحصل على جائزة نوبل "نجيب محفوظ". من خلال الثقافة العالية تستطيع أن تأخذ فكرة جيدة جداً حول الثقافات الأخرى وقيمها. الخلل يكمن في أنه يجب عليك أن تتخلى عن طريقتك لتجدها. من ناحية أخرى فإنك عندما تصل إلى "الثقافة الشعبية" Pobular Culture، التي يستخدمها معظم الأمريكيون، والتي هي سهلة المنال جداً، فإن الجماعة التي لا تملك جذوراً ثابتة في الولايات المتحدة نادراً ما يكون لديها دخول حقيقي لذلك السوق. لذا فعندما نقوم بتشغيل التلفزيون أو نقرأ المجلات أو نلتقط رواية في المطار فإننا لا نجد الكثير من الكتاب ممن يعرفون أي شيء عن الثقافات التي يكتبون عنها، وهم لا يملكون الرغبة في الكتابة عنها بأي طريقة إلا بطريقة الصور النمطية. بالتالي فإن المفاضلة والصفات المميزة والمعرفة الحقيقية حول الثقافات الأخرى مفقودة على مستوى الثقافة الشعبية).

النقاط التي يوضحها د.ريني مهمة جداً وواقعية، خاصةً عندما يتحدث حول استخدام التنميط في وسائل الإعلام، وهذا يوضح دور الإعلام الأمريكي الذي لا يمكن إنكاره أو اختصاره في بضع نقاط، وتثبت أنه ليس فقط افتقاد التفاعل بين الناس والنقص في المعلومات الصحيحة هو ما ساعد في بناء تلك الصور، ولكنه أيضا التنميط والمعلومات المسبقة التي تلقاها الغرب من وسائل الإعلام التي كانت المصدر الوحيد للمعلومات حول أولئك الناس وثقافتهم.

ليس هناك من شك في أن الصحف والمجلات والبرامج التلفزيونية قد لعبت دوراً في بناء صورة المسلمين العرب في الغرب، ولكن الدور الذي لعبته الأفلام الأمريكية التي هيمنت على العالم يأتي في المرتبة الأولى في بناء تلك الصورة.

يقول زيتسيغدي تودومانيغيتيم أن أفلام هوليود أصبحت في رأي البعض مهيمنة أكثر من المعقول وأن هيمنتها وصلت تقريباً حد الاحتكار. كما يذكر د.ريني نقطة جديرة بالملاحظة ومن الممكن أن تؤثر على أية ثقافة بشكل سلبي جداً، حيث يقول أن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة "ربحية" يقودها عامل الربح profit-driven ويؤكد أن هذا يجعل الفراغ الزمني للإعلام ثمين جداً حيث أن الكتاب ليس لديهم الكثير من الوقت لخلق شخصيات واستحضار المميزات حول ثقافة ما، ويجب عليهم أن يستفيدوا من كل دقيقة لديهم إلى أقصى حد. ووفقاً لريني فإن ما يفعلونه عندئذ هو استخدام شخصيات سوف يميزها المشاهد بمجرد دخوله الشاشة، وبالتالي فإن الصور النمطية تصبح مهمة جداً للكتاب في الثقافة الشعبية. يوضح ريني أنه على الرغم من أن هذا ليس دائماً سلبياً ولكن الصورة النمطية للعرب عادةً ما تكون سلبية، وفي إشارة إلى الأفلام الأمريكية يقول أنه عندما يريد الكتاب أن يصوروا إرهابياً أو شخصاً ما يشكل تهديداً، فإنهم يلبسونه ملابس شرق أوسطية ويعطونه لكنه في كلامه ويجعلونه يبدو عربياً. وعلى حد تعبيره (هذا قالب مستعمل غالباً لأنه سهل وسريع جداً).

الأسئلة التي تتولد في الذهن في هذه الحالة هي إلى أي حد تبلغ درجة أهمية وخطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في التعريف بالناس وثقافاتهم؟ ومن يتحمل مسؤولية تشويه صورة بعض الثقافات وبناء صور سلبية عنها في عقول الآخرين بسبب محدودية ونقص المعلومات الصحيحة؟

يقول جيوف باريش Geov Parrish في مقالة له حول أحداث سبتمبر، كتبها في اليوم نفسه الذي وقعت فيه، تحت عنوان "يوم إعلامي سيئ السمعة" A media Day in Infamy(9) (يوم الثلاثاء صباحاً شهدنا ثانيةً كيف أنه باستطاعة الصور القوية للإعلام أن تكهرب العالم فوراً، وكيف إننا نستخدم نفوذنا أحياناً بشكل غير مسؤول)، عبارة جيوف هذه قد تحمل بعض الإجابات على تلك التساؤلات.

في أحد المواقع على شبكة الانترنت يسمى "دليل الطالب الذكي للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية" The smart student guide to studying in the USA(10)، توجد صفحة حول التنميط تؤكد على أن الصور النمطية يجب أن لا تصدق في أغلب الأحيان:

(لا تصدق كل الصور النمطية التي من الممكن أن تكون قد سمعت عنها حول الأمريكان، وحتى تلك الصور الصحيحة بصفة عامة من الممكن ألا تكون صحيحة بالنسبة لأفراد معينين أو شريحة عريضة من السكان) ويؤكد الموقع أيضاً:

(تذكر أن الأفلام الأمريكية والتلفزيون يبالغون ليخلقوا الإثارة لذا فإنهم يقدمون صورة محرفة عن الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية).

هذا يقودنا إلى التفكير في الثقافات الأخرى والتعريف بها وتنميطها في الإعلام الأمريكي، فإذا كان البعض يعتقد بأن الإعلام الأمريكي لم يعط الصورة الصحيحة عن الولايات المتحدة فماذا يمكن أن نقول عن الثقافات الأخرى؟

(العرب هم الصورة النمطية الوحيدة للتوحش والعنصرية، التي ما تزال مقبولة في هوليود)

هذا ما كتبه محرر شؤون الشرق الأوسط لصحيفة الغارديان البريطانية برايان ويتاكر Brian Whitaker وبدأ مقالته "لماذا تختلف قوانين العنصرية بالنسبة للعرب" Why the `rules` of racism are different for Arabs(11) باعتراف صريح جداً:

("توقف عن هذا أيها العربي الصغير الوسخ" هذا ما اعتادت جدتي أن تقوله لي دائماً عندما كنت أقوم بعمل مثير للاشمئزاز كوضع إصبعي في أنفي أو تحريك طعام أخي الأصغر)

ويضيف ويتاكر:

(بالتأكيد قطعنا مسافة طويلة منذ ذلك الحين، ومع ذلك فالغريب- وقد لاحظت ذلك على وجه الخصوص منذ أن بدأت بالكتابة حول الشرق الأوسط لصحيفة الغارديان The Guardian- أن هناك أناس يسعدهم الحديث عن العرب بأسلوب ليس من الممكن إطلاقاً أن يستخدموه عند الحديث عن السود، ولا يبدو لهم الأمر على أنه عنصرية)

وعلى الرغم من أن تصرف هؤلاء قد يعد فعلاً عنصرية إلا أن النقطة المثيرة للانتباه والتي يذكرها "ويتاكر" هي تأكيده على أنه لاحظ هذه العنصرية بشكل خاص عندما بدأ بالكتابة حول الشرق الأوسط في الغارديان، هنا يظهر تأثير وسائل الإعلام بوضوح، وكأحد العاملين في هذا المجال بالنسبة لويتاكر فإن رؤية الأمور بشكل أوضح قد تكون أكثر سهولة.

قد يكون من الواضح أن ويتاكر كان يتحدث من وجهة نظر سياسية ولكن ما يعنينا هنا هو الجانب الثقافي من المسألة، وكيف أن الإعلام والتنميط يلعبان دوراً ملحوظاً في الحياة.

أعطى ويتاكر مثالاً حول دور الأفلام الأمريكية في إعطاءه صورة سلبية للعرب والمسلمين:

(في الأسبوع الماضي وصل إلى بريطانيا فيلم "قوانين الاشتباك" Rules of Engagement بعد أن جنى ملايين الدولارات في الولايات المتحدة. وهو فيلم يدور حول حصار في السفارة الأمريكية في اليمن. الفيلم وصف بأنه أكثر أفلام هوليود عنصرية ضد العرب. الشخصيات العربية، وهم في هذه الحالة من اليمنيين، صوروا بدون استثناء على أنهم مخادعون ومتعصبون متعطشون للدماء، و"البطل" كولونيل أمريكي من قوات المارينز يقتل ثمانين منهم. الفيلم يقترح أن شيئاً كهذا يعتبر مبرراً لأجل أمريكا العظمى)

وفي محاولة لإثبات أن اعتراضه لم يكن رد فعل مبالغ فيه على مجرد فانتازيا قام بها صناع الأفلام أكثر من كونها واقعاً، يوضح ويتاكر أن الإعلام من الممكن أن يلعب دوراً ملحوظاً في أحداث أكثر خطورة:

(في اليوم الذي وصل فيه فيلم "قوانين الاشتباك" إلى بريطانيا نشرت اللجنة الوطنية لسلامة وسائل المواصلات في واشنطن تقريرها الأول حول حادث الطائرة المصرية في أكتوبر. وما كان يفترض له أن يكون تحريات منهجية علمية تحول إلى صدام ثقافي كلف كثيراً بين الولايات المتحدة ومصر)

ويتاكر يؤكد أنه بسبب جملة باللغة العربية رددها الطيار تم الاشتباه في أنه متطرف إسلامي قام بإسقاط الطائرة متعمداً. هذه الجملة التي تم التقاطها من تسجيلات الصندوق الأسود تسربت إلى الإعلام الأمريكي الذي وصفها بالصلاة أو الترنيمة مغذياً النظرية القائلة بأن الطيار كان متطرفاً إسلامياً تعمد إسقاط الطائرة، وربط ويتاكر بين ما حدث وبين الصورة النمطية للمسلمين العرب في الإعلام الغربي:

(كان الأمر بالتأكيد يبدو كمحاولة للملائمة بين الطيار وبين الصورة النمطية الحالية للعربي المتعصب في هوليود، ولكن ذلك لم يستمر. وعندما بدت نظرية الانتحار غير مقنعة أعاد المحققون تفصيل شخصية الطيار لتلائم صورة نمطية أكثر قدماً في هوليود لعب دورها رودولف فالانتينو Rudolph Valentino وهي العربي المهووس جنسياً over-sexed).

ما ذكره ويتاكر يعيدنا إلى تساؤلاتنا السابقة حول درجة أهمية وخطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في التعريف بالناس وثقافاتهم ومن يتحمل مسؤولية ذلك. ولا ندري إن كانت تلك الصور النمطية الجاهزة للاستخدام في كل الأحوال، تتم الاستعانة بها عن عمد، أم أن المشكلة قد استفحلت لدرجة أنها أصبحت جذرية في آلية التفكير والرؤى الغربية بحيث أن استدعاء تلك الصور واستخدامها يتم بشكل أتوماتيكي عفوي ودون ترتيب مسبق، وفي كلتا الحالتين فإن الأمر يبدو غير عادل، ولكن الشيء الواضح والمثبت هو أنه لا مجال لنفي وجود تلك الصور واستخدامها، أو التغاضي عن تأثيراتها.

سكوت جي سيمون Scott J. Simon في مقالة له بعنوان: "العرب في هوليود: صورة لا يستحقونها" Arabs in Hollywood: An undeserved Image(12) يقول أن صناعة الفيلم بهوليود مسؤولة عن إعطاء الملايين من الأمريكان –ومئات الملايين حول العالم- انطباعات جديدة كثيرة ومتنوعة حول أماكن متعددة في العالم. ويضيف أن هوليود غالباً ما تصنع صوراً خاطئة عن العالم وسكانه.

يناقش سكوت كيف أن الثقافة العربية هي أكثر ثقافة أخطئ فهمها وتم تزويدها بأسوأ الصور النمطية، ويوضح أن خلق الشخصيات الشرق أوسطية والثقافة العربية بدأ خلال حقبة السينما الصامتة في العشرينيات.

(ادوار رودولف فالانتينو في فيلم "الشيخ" The Sheikh في 1921 وفيلم "ابن الشيخ" Son of the sheikh في 1926 حددت مرحلة الاستكشاف والتصوير السلبي للعرب في أفلام هوليود. الفيلمان أظهرا الشخصيات العربية كلصوص ومشعوذين وقتلة ومتوحشين. أفلام كثيرة أخرى زخرت بها الشاشة الفضية خلال العشرينيات بدا أنها ظلت متمسكة بنفس الشخصيات العربية المنحطة. "أغنية الحب" The song of love في 1933 يحكي قصة مسؤول جزائري متعطش للسلطة يخطط للإطاحة بالحكم الاستعماري الفرنسي وتنصيب نفسه ملكاً على كل شمال إفريقيا. "كهف في القاهرة" A Cave in Cairo في 1924 حول عربي قاطع طريق في الصحراء يقتل رجلاً بريطانياً وزوجته ويحتفظ بابنتهما ليتزوجها. "عروس الصحراء" The desert Bride في 1928 يصور عربي اسمه "قاسم بن علي" كقائد لمجموعة من القوميين يأسر ويعذب ضابطاً فرنسياً وحبيبته. كل هذه الأفلام تصور العربي كمجرم، وبالتأكيد تختم بانتصار الرمز الغربي الطيب: المسؤول الجزائري في "أغنية الحب" قتل بواسطة القوات الفرنسية، الفتاة التي كانت ستتزوج قاطع الطريق في "كهف في القاهرة" تم إنقاذها بواسطة رجل إنجليزي، و"عروس الصحراء" ينتهي بهروب أسيري بن علي وموته هو).

بمراجعة الأفلام الأمريكية عبر السنين يعدد سيمون عدة أفلام تظهر العرب في صور سلبية.

"الريح والأسد" The Wind and the Lion في 1975، "الأحد الأسود" Black Sunday في 1977، "الفحل الأسود" The Black Stallion في 1979، "قراصنة السفينة الضائعة" Ark Raiders of the Lost في 1981، "كذبات حقيقية" True Lies في 1994, "علاء الدين" Aladdin في 1992.

بالنظر إلى تاريخها، لعبت الأفلام الأمريكية دوراً كبيراً في إعطاء صورة سلبية للمسلمين العرب عندما لم يكن هناك مصدر آخر للمعلومات حولهم وحول ثقافتهم، وحيث أنها تشاهد من قبل شريحة عريضة ومتنوعة من الناس في أنحاء العالم، فقد ساعدت الأفلام الأمريكية في انتشار هذه الصور النمطية السلبية للمسلمين العرب حوله. وعلى الرغم من أن الأنماط الأخرى لوسائل الإعلام لعبت أيضاً دوراً في بناء هذه الصور، إلا أنه كما يبدو فإن صناعة الفيلم هي الأكثر أهمية من ناحية إعطاء صورة لحياة أولئك الناس وكيف يتصرفون ويفكرون.

في مقدمة كتابه "التصوير السيئ للعرب: "كيف تشوه هوليود سمعة الناس" Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies People(13)، متحدثاً حول الأفلام الأمريكية، يوضح جاك شاهين Jack shaheen دور الفيلم الأمريكي في الصورة الحالية للعرب في أذهان الكثيرين:

(شبابنا يتعلمون من الصور النمطية السلبية والمكررة)

وعلى غير ما هي عليه في الأنماط الأخرى من وسائل الإعلام، فإن اللغة في صناعة الفيلم لا تأتي في المقام الأول، حيث أن المتفرج يركز في معظم الأحيان على الجانب المرئي من الفيلم كالحركات ولغة الجسد the body language أكثر من تركيزه على اللغة. بينما تأتي صناعة الفيلم في المقام الأول من حيث تنوع الناس الذين يشاهدونها. أناس من أماكن مختلفة، خلفيات ثقافية مختلفة، أعمار مختلفة، ووجهات نظر مختلفة قد يشاهدون نفس الأفلام.

وحيث أنها حائزة على شعبية حول العالم ويشاهدها مختلف الأنماط من الناس، شكلت الأفلام الأمريكية صورة نمطية للمسلم العربي بالإمكان استخدامها عندما لا يكون هناك معلومات كافية في وسائل الإعلام الأخرى كالصحافة حتى في الدول الأخرى.

وحول صورة العرب والمسلمين في الغرب تقول مارغريت نايدل Margaret K. (Omar) Nydell في كتابها "فهم العرب" Understanding Arabs(14) أن الإعلام يركز على وصف المثير وليس النموذجي الصحيح. وأن هذه الصورة المضللة للمسلمين العرب استمرت لعقود في أمريكا الشمالية وأوروبا.

نايدل توضح أن الرؤى السلبية نحو المسلمين العرب في بريطانيا منتشرة بشكل واسع، وتذكر دور الصحافة في نشر تلك الصورة.

(حدث سيئ بشكل خاص ظهر بعد تفجيرات اوكلاهوما، معظم الصحافة العالمية كونت افتراضات فورية ووجهت اللوم للإسلام. أحد أسوأ الأخطاء الفادحة اقترفتها صحيفة "توداي" Today اليومية حيث أظهرت على صفحتها الأولى في 20 إبريل 1995 صورة لرجل إطفاء يحمل طفلاً ملطخاً بالدماء تحت عنوان "بسم الإسلام" In the Name of Islam).

يبدو هذا كاتهام للدين وللثقافة بأكملها بشيء قام به البعض من أفرادها. فالتنميط، التحامل، التعميم، ونقص المعلومات الحقيقية كلها لعبت دوراً في هذه الحالة.

هامش:

إن طول الفترة التي درجت فيها السينما الأمريكية على تشويه صورة العرب المسلمين تحفز مجموعة من التساؤلات المنطقية.

مثل لماذا هذا الإصرار على تقديم هذه الصورة وتنميطها وترسيخها في ذهن المتلقي؟ أليس هذا التشويه منهجيا؟ بمعنى قصديته.

وإذا كان كذلك فما هو الهدف من وراء هذه القصدية؟

هل يبدو امتدادا للحركة الاستشراقية. بمعنى أنه يندرج في رؤية استعمارية جديدة.

إن دراستنا تكشف الجذور التاريخية لهذه النظرة والتي يحاول البعض إثبات نقطة بدايتها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، مستندين في ذلك إلى بعض التنظيرات الأمريكية التي تندرج في إطار البحث عن عدو جديد.

إن هذه الرؤية التي نحاول العمل عليها تطرح السؤال من جديد حول هذه القضية، وتوجه البحث فيها إلى مستوى العمق الاستراتيجي كما تطرح علينا بالمقابل ضرورة المواجهة على نفس المستوى في خلق استراتيجية إعلامية وثقافية عربية تتوخى الموضوعية في مواجهة التشويه المتعمد. وتقدم صورتنا وثقافتنا للعالم على حقيقتها ولا تكتفي بالتشدق بهوية مزعومة غير مؤكدة لافتقادها للإنتاج المعرفي والثقافي المعاصر إننا بدون هذا الإنتاج نكون كمن لا يسمع ولا يرى ما يدور ويحاك من حوله.

  • هذه المقالة هي في الأصل جزء من دراسة تحت عنوان: "المسلمون العرب وتجربة التكيف مع المجتمع البريطاني في الفترة ما بين 1990-2003" قدمتها الكاتبة باللغة الإنجليزية لنيل درجة الماجستير في علم اللغات التطبيقي من جامعة ويستمنستر البريطانية.

    • على الرغم من أنه لم يكن هناك ذكر لدور وسائل الإعلام في بناء صورة المسلمين العرب في الغرب ضمن أسئلة الاستطلاع الذي تم توزيعه بغرض دراسة وضع المسلمين العرب في المجتمع البريطاني، إلا أن الكثير ممن شملهم الاستطلاع ذكروا هذا الدور في معرض تعليقاتهم.

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :تاريخ   أحداث