ذَكَّرنا الناقد إبراهيم الخطيب منذ فترة اسبوعين بذكرى ميلاد الشاعر المغربي محمد الخمار الكَنوني، الذي مرّت عليه ثمانون سنة (1941) وبذكرى مرور ثلاثين سنة على وفاته سنة (1991).
في غمرة جريان الزمن، وفي غفلة عنا ومنا، بتنا لا نعرف كيف تمر الأيام سراعا، ولا ننتبه إلى أنفسنا وهي تهرول في لا اتجاه. فصرنا لا ندري كيف نتذكر موتانا، أو نوطد صلاتنا مع بعضنا، وكأن ما يجري من حولنا لا يسهم إلا في دعوتنا إلى التناسي، وممارسة التباعد الثقافي، الذي لا علاقة له مع التباعد الاجتماعي الذي فرضته الجائحة.
لا إعلام سمعي بصري أو ورقي أو إلكتروني يتذكر الأموات، أو يذكُر الأحياء، أو يوطد الصلات. لا يسعى الكل إلا إلى البحث عما يفرق، أو يعمق الجراح، وكأن في ذلك انتصارا على الزمن، وجريانا نحو اللانهاية. ما أسهل الإعلان عن موت «الأشياء» الرمزية، وما أصعب نفث الروح في تلك الأشياء نفسها. لكننا مهما دربنا أنفسنا على النسيان، تأتي لحظات الذكرى دافقة فتكون استعادة الأشياء الذي طواها التناسي قوية وكأنها وليدة أمس. ثلاثون سنة مرت على فراق الشاعر المغربي، تبدو لي وأنها لم تحدث إلا منذ بضعة أيام؟ وهكذا صرنا غير قادرين على حساب السنين المتباعدة إلا بالأيام القريبة. وصار لسان حالنا يقول: «لبثنا يوما أو بعض يوم».
جعلتني قراءة تذكير الخطيب مشكورا، أعود إلى بداية السبعينيات عند كنت أحترق شعرا، وأتابع كل قصيد أينما تربع على صفحة بيضاء في جريدة، أو مجلة أو ديوان. وكان ما يصدر عن محمد الخمار الكَنوني، على ندرته، من شعر يثير التأمل، ويدعو إلى التفكير، وينتهي بالاستحسان وتقدير صوت شعري نادر ومتميز. كان رائدا من رواد القصيدة المغربية الحديثة. كما كان يمثل مع أحمد المجاطي فرسي رهان القصيدة المغربية والعربية الحديثة، وكلما ذكرت الكَنوني، إلا واستذكرت المجاطي. كانا يشتركان في أشياء كثيرة، فإلى جانب التوتر والقلق الإبداعيين، كانا مجددين لا يصيران على منوال، ولا يقلدان نموذجا. كانت ثقافتهما تجمع بين القديم والجديد. أكاديميان أصيلان، ومُقلاّن حتى أنه يمكن عدهما من «عبيد الشعر». لم يصدر لكل منهما سوى ديوان واحد: «رماد هسبريس» و»الفروسية» وفي سنة واحدة عام (1987) وماتا معا وهما في الخمسينيات من العمر. أحببت الرجلين على ما بينهما من اختلاف ظاهر وباطن. درّساني معا طالبا في فاس، واشتغلت معهما زميلا في الرباط. وظلت العلاقة معهما قوية والمحبة متبادلة.
المراجع
alquds.co.uk
التصانيف
وفيات 1991 الآداب العلوم الاجتماعية