أ وليد الطيب
كاتب سوداني
قبل سنوات صليت المغرب في مسجد بالشعبية شمال بالخرطوم بحري، وعقب الصلاة قام رجل تبدو عليه مخايل النعمة وطمأنينة الإيمان، بدأ حديثه متمهلاً بخلفية عن حياته التي لا ينقصها شيء إلا إدخال السعادة على قلوب العباد، فقد نعم بالحياة في الخليج ورياله ودرهمه ، وقد زوج لجميع أبنائه، وعاد للوطن .. ثم طرح بعد هذه المقدمة المقتضبة فكرته التي ندب نفسها لها، فقال إنها تتلخص في : تزويج الشباب، عبر تقريب وجهات النظر عبر وسيط يرفع الحرج عن الأسرتين، وذلك أن يتقدم كل طرف لمنظمته التي أنشأها خصيصا لهذه المهمة، وقد كشف بما يستطيع أن يقدمه في شركة الإنسانية القادمة، فالذي يملك دارا يتكامل مع صاحب المرتب القليل ويبارك الله لهم في حياتهم .. ودور المنظمة يتلخص في توصيل كل طرف للآخر عبر الأسرتين.. وللأسف انقطعت أخبار هذا الرجل المبارك أو انقطعت أنا عن ذلك المسجد المبارك.. والفكرة ما تزال تحتاج لرجل فيه شيء من حماس الشباب وكذلك اتجاهات الشباب الجديدة لتصل الفكرة لغايتها.
ولو كنت متزوجاً لانبريت لها ولا آلو على شيء فقد أصبح مجتمعنا قاب قوسين أو أدني أن تجرفه موجة هائلة من القيم الغربية الاستهلاكية التي تحول المرأة إلى كائن تتمحور أهميته في جسده والأمة إلى أمة رخيصة تتبع شهواتها، وقد بدأ ذلك التحول.. وما حفلات فناني العرب من أجل دارفور إلا دليل ساطع على هذا التوجه الجديد، فالأمة التي تضن بالمال من أجل إنقاذ بعضها طوعاً وإيماناً واحتساباً وترضى أن تسح المال سحاً من أجل مطربة ورنة دف.. هي أمة في خطر عظيم، وإذا لم يشغل العقلاء أنفسهم بالمجتمع فبم يشتغلون؟
الإحصائيات الرسمية تقول إن أكثر من 70 % من الشباب ناشطون جنسياً.. أي يمارسون الجنس خارج المؤسسة الشرعية- لولا الحياء لكتبت عن موقف رأيته اليوم بإحدى مؤسسات التعليم العالي قبيل كتابتي هذه الكلمات- والمظهر العام آخذ في التراجع، والعنوسة آخذة في الزيادة ، يقول الدكتور حسن مكي إن 80% من العاملين في الدولة من النساء و80% منهن عوانس، ومن نظر في تغير نسب انتشار حاملي فيروس الأيدز يمكن أن يفهم اتجاهات التحول الأخلاقي في البلاد.
وبعيدا عن هذا الوجع كله لو كنت متزوجاً، لأنشأت مؤسسة خيرية غير ربحية، هذه المنظمة استكمال لما بدأه ذلك المعلم الوقور، ولكن باستكمال نقصها وإدخال بعض الوسائل الحديثة مما يتعامل به جيل اليوم، كمواقع الإنترنت وغيرها، وسأبدأ أول ما أبدأ باختيار مجلس استشاري واسع الطيف، يضم علماء ورجال أعمال ورجال مجتمع وخبراء في التربية وعلم النفس ، ليعطي الفكرة مقبوليتها اجتماعياً وهذا المجلس له صلاحيات واسعة لحماية الفكرة من الذهاب في بنيات الطريق، ثم أطلق موقعا ألكترونياً يمكن للشباب التقديم عبره بمثل طريقة مواقع الزواج الأخرى، ويصاحبه مكتب بسيط لاستقبال الطلبات المباشرة، ولا مانع أن يتقاضى المكتب رسوم رمزية لأجر الموظف المحبوس لهذا الغرض وإيجار المكتب وغيرها من التكاليف، أن يتعهد مقدم الطلب أو مقدمته بحضور دورة حتمية في قضايا الأسرة( تربية الأولاد، التعامل مع الزوج ، مهارات حل المشكلات الاجتماعية ، آداب الأسرة في الإسلام.إلخ) ، وكل من يتخلف عن حضور هذه الدور يستبعد طلبه تماماً لأن المؤسسة لا يمكن أن تراهن على شخص لا صبر له مثلما لا تثق في معارفه العامة في هذا الموضوع، وكذلك أن يتعهد في حال وقوع أي خلاف (كبير) مستقبلا مع الطرف الآخر أن يلجأ للمؤسسة في حله قبل أن يتخذ قرار مصيري(الطلاق) ويمكن أن يضمن هذا الشرط في وثيقة الزواج (طبعا تحتاج للنظر في الجانب الشرعي في هذه المسألة).. هذه الدورات يمكن أن تكون مفتوحة لغير أصحاب الطلبات حتى يرتفع الحرج عن الجميع، ولا يشترط أن يكون الرجال في قاعة والنساء في أخرى، مادام لا يوجد اختلاط شرعي، ولعل الله يفتح بين بعضهم بالحق فيلجأ للمؤسسة ولتكمل معها المشوار، لأن بناء هذه العلاقة وطريقة الاتصال الأولى بين طرفيها اختلفت من الجيل السابق و جيلنا الحاضر، وفي السودان وإلى عهد قريب كانت الأسرة هي التي تختار ويأتي دور الأبناء فقط عند الإجراءات الأخيرة ولم تكن الفتاة السودانية تملك حق الرفض وكذلك أخوها، وكان المجتمع بلا مشكلات تقريباً ، حيث كانت زواج بنت العم ضرب من الواجب الاجتماعي والأخلاقي يؤديه الأبناء برضا وطيب نفس متى ما أمر الجد الكبير حفيده بذلك، وبهذه الطريقة كان المجتمع بلا عنوسة أو زواج في سن متأخر كما نرى الآن. ولم يكن متيسراً في المجتمع السوداني أن يرى شاب غريب فتاة من الحي كما يظهر من شعر تلك المرحلة :
حاول يخفي نفسو
هل يخفى القمر في سماه
أبداً... طبعاً : لا
شفناهو شفناهو
الحق أنني – لو كنت متزوجا وأسست هذه المؤسسة- لم ألجأ لهذه المنهجية إلا لأن مجتمعنا السوداني أمام مشكلة حقيقة، ومن اقترب من شيوخنا الأجلاء يسمع صوت الشاكين من عدم وجود طريقة لشريك الحياة ويطلبون منهم العون ولكن بماذا ينشغل العلماء والمشكلات تحيط بهم من كل جانب ؟
ويزيد المشكلة تعقيداً ضعف المنظمات الطوعية المتخصصة في هذا الجانب وعجزها عن استقطاب الراغبين إلى دورها وأنشطتها ، وللحساسيات الاجتماعية دور في ذلك بجانب تقليدية وسائل تلك المنظمات .. فمن يبادر ويحمل لواء هذه الفكرة، ليرى السعادة في ثغور الأطفال القادمين والأمهات الطيبات والآباء الكرام ، وكفى بها من سعادة، تبارك العمر وتزكيه، ويباهي به محمد صلى الله عليه وسلم
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :قصص اجتماعية