كان ديكارت يربط الحدس والبداهة واليقين بالوحدة والبساطة، ويربط الاستنباط والتردد والشك بالتعدد والتركيب. البداهة حضور المعنى في الذهن. إنها وحدة الفكر وأفكاره. و هي أيضا وحدة الموضوع المدرَك. في الحدس ليس هناك إلا طريق واحد، بل ليس هناك طريق. الحدس وحدة وتوحّد ومباشرة.

أما اللامباشرة فهي لف و دوران. إنها نهج في حاجة إلى "منهج" يعيّن "قواعد توجّه العقل"، و تضبط سير فكر يواجه تعدّد السبل، وحيرة الاختيار.

في المباشرة أنت أمام منفذ واحد ما عليك إلا أن تأخذه، أوعلى الأصح هو الذي يأخذك. أما في اللامباشرة ، حيث لا تظهر الأمور طبيعية، فأنت أمام تعدد المنافذ، وعليك أن تراجع حساباتك، وأن "تعد نقودك"، وتعمل حسك النقدي، كي تأخذ أسلم السبل.

في المباشرة والوثوق أنت مأخوذ، أما في اللامباشرة والنقد فأنت الذي تؤاخذ وتحاسب وتعمل الفكر.

في الوثوق أنت تحت قهر البداهة وعنفها، أما في النقد والمراجعة فأنت تحتار وتختار.

لا يكون الفكر الوثوقي الدوغمائي إذن عنيفا بما يترتب عليه من أعمال و ما يصدر عنه من أقوال، و إنما بما هو ينشد، أو لنقل بما هو يشدّ إلى ما يعتقد أنّه طبيعي مسلّم به. العنف هنا عنف بنيوي. انه مبدأ وليس نتيجة.

انه نسيج الفكر الدوغمائي. و هو غالبا ما يتقوى و يتضاعف حينما ترتبط الوثوقية أيضا بالتشنج واحتكار الحقيقة و قمع الآراء المخالفة. لكن الوثوقي، قبل أن يرفض الاختلاف مع غيره، يبدأ أولا بالامتناع عن الاختلاف مع نفسه، أو، على الأصح، بالخضوع لاستحالة الاختلاف مع الذات. فقبل أن يسد الوثوقي الأبواب على الغير، يسدها على نفسه، و قبل أن يمارس عنفه على الآخرين، يرزح هو نفسه تحت ضغط البداهة وعنفها


المراجع

alawan.org

التصانيف

فكر   مصطلحات    الفلسفة