عبد السلام بنعبد العالي
ما الذي نعنيه حينما ننادي بضرورة الخروج عن نمط التفكير الميتافيزيقي، وخلخلة الثنائيات الميتافيزيقية؟.
لا بأس أن نتوقف في البداية عند المعنيين الأساسيين اللذين يعطيان لمفهوم الخارج لتعيين الطريق الأنسب لـ”الخروج” المقصود:
–هناك ما يمكن أن نسميه الخارج الوضعي الذي يصدر عن موقف يميز تمييزا مطلقا، تمييزا ميتافيزيقيا، بين الداخل والخارج.
–ثم هناك مفهوم آخر ينطلق من أن التمييز ذاته بين الخارج والداخل تم “داخل” تاريخ الميتافيزيقا، وأن الخارج الممكن لا يمكن أن يتم إلا بإعادة النظر في مفهوم الداخل ذاته، وتقويض الثنائي خارج/داخل لنحت مفهوم الهامش الذي يقوم على خلخلة كل مركزية.
لا يتعلق الأمر إذن بالتمييز بين داخل وخارج، والإقامة في خارج مطلق، وإنما، كما يقول دريدا، بإقامة :”إستراتيجية شاملة للتفكيك”، تتفادى الوقوع في فخ الثنائيات الميتافيزيقية، و تقيم “داخل” الأفق المغلق لتلك الثنائيات عاملة على خلخلته: ” فأن تفكك الميتافيزيقا معناه أن تقيم جينيالوجيا مفهوماتها وفق أكثر الطرق أمانة، وأقربها إلى الداخل، و لكن في الوقت ذاته، انطلاقا من خارج لا تستطيع هي أن تصفه أو تسميه”.إن الخارج المقصود يقيم إذن داخل الامتلاء الميتافيزيقي ليبين أنه امتلاء وهمي.
جميع الاستراتيجيات التي توخّت خلخلة ثنائيات الميتافيزيقا سواء أسمت نفسها تقويضا أم هدما أم حفرا أم تفكيكا، لم تقم في خارج مطلق، و لم تسع قط إلى التركيب بين الداخل والخارج، وإنما حاولت تجاوز التركيب الجدلي، ولم تعمل قط “على ضم الثنائيات إلى بعضها والتركيب بينها”، و إنما واجهت الفكر الجدلي بفكر الاختلاف لتثبت المباينة difference (حسب اصطلاح نحته دريدا) “كحركة لتوليد الفوارق”، و لتقحم الزمان في “تحديد” الكائن، لا لضمه وحصره، وإنما لجعله معلقا في حركة إرجاء دائم، بحيث يدّخر نفسه، ولكن لا كما هو الأمر في الجدل الهيجلي حيث فهم الادّخار داخل اقتصاد ضيّق، وإنما “هو ادخار حفظ وإرجاء إلى حين”.
وحده هذا المنحى التقويضي الذي “ينخر” الهوية، والذي يقيم فكر الاختلاف مقابل الجدل، يمكّننا من أن نعيد النظر في الثنائيات التي كرستها الميتافيزيقا، والتي تتغذى منها خطاباتنا، ما دام الاختلاف يعيّن الحضور كأثر، فيقيم تباعدا بين الحاضر وبين نفسه، بين الهوية وبين نفسها، ويجعلها “انتقالا ملتويا ملتبسا من مخالف لآخر، انتقالا من طرف التعارض للطرف الآخر”.
هنا تغدو الثنائية قائمة في الواحد، ويصبح الاختلاف قائما في الهوية، والداخل منطويا على خارجه. كتب فوكو: “إن المساواة أ=أ تنطوي على حركة داخلية لامتناهية تبعد كل طرف من طرفيها عن ذاته وتقرب بينهما بفعل ذلك التباعد ذاته. يتعلق الأمر ببعد ايجابي بين المتخالفين، إنه البعد الذي ينقل أحدهما نحو الآخر من حيث هما متخالفان”.
فكأنما تغدو خلخلة الثنائيات إعادة نظر في الأطراف ذاتها، و كأنما ينقل الاختلاف هنا من “خارج” الهوية إلى “داخلـ”ها لخلخلة الهوية الميتافيزيقية، وتفكيك الخارج و الداخل معا.