ما قصة تأسيس اليمن الجنوبي؟ وكيف كانت البدايات؟

كان أوّل حاكم مستقل لليمن كدولةٍ حديثة سنة 1918 هو يحيى محمد المتوكل من العائلة الزيدية. في مرحلة طفولته كانت أجزاء اليمن الشمالي خاضعة للحكم العثماني. وأصبح يحيى إماماً سنة 1904 وكان قادراً على تجميع قوة عسكرية قوية.

استطاع من إجبار العثمانيين على الاعتراف باستقلالية حكمه على اليمن وبقي وفياً للدولة العثمانية حتى تاريخ نشوب الحرب العالمية الأولى لكنه رفض أن يكون طرفاً مشاركاً فيها. ومع نهاية الحرب العالمية سنة 1918 صار هو الحاكم الافتراضي المستقل لدولة اليمن.

وقد اغتيل سنة 1948 ليخلفه ابنه أحمد ومن بعده حفيده محمد ويستمر حكم الزيدية حتى عام 1962.في سبتمبر/أيلول عام 1962 أصبح محمد البدر بن الإمام أحمد بن يحيى إماماً وفي خلال أسبوع واحد قامت عناصر من الجيش، بدعمٍ من منظمات سياسية المختلفة، بانقلاب وأعلنت إنشاء الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي).

محمد البدر حميد الدين إمام اليمن عام 1962هرب الإمام الشاب من قصره المدمّر إلى المرتفعات الشمالية، وبدأ يحشد القبائل لقضيته. ناشد عناصر الجيش الذين سيطروا على اليمن الشمالي المعونة من مصر التي كان يحكمها آنذاك جمال عبدالناصر، وأرسلت مصر المعدات والمساعدات للدفاع عن النظام الجديد لعبدالله السلّال، الزعيم الاسمي لثورة 1962 وأول رئيس لشمال اليمن.

في المقابل، قدّمت السعودية المساعدة والملاذ للإمام وقواته، ضمن صراعها مع جمال عبدالناصر ومشروعه العروبي.كان إنشاء جمهورية في شمال اليمن الحافز الأكبر للعناصر الجنوبية التي تتطلع للقضاء على الوجود البريطاني هناك. كما وافقت مصر على تقديم الدعم لبعض المنظمات التي تناضل من أجل استقلال الجنوب – على سبيل المثال، جبهة تحرير جنوب اليمن المحتلة.بعدها ظهرت حركة التحرير الراديكالية الجديدة التي سُميت الجبهة القومية للتحرير، ومع اقتراب وقت الاستقلال تصاعد الصراع بين المجموعات الوطنية المختلفة، خاصة بين الجبهة القومية للتحرير وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتلّ، وانتهى إلى صراع طويل من أجل الحق في الحكم بعد الانسحاب البريطاني.وبحلول أواخر عام 1967 كان من الواضح أن الجبهة القومية للتحرير كانت الأقوى، واضطر البريطانيون أخيراً إلى الانسحاب ورتبوا نقل السيادة إلى الجبهة القومية للتحرير في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967.

طبقاً ما جاء في موسوعة Britannica.كان للجبهة القومية للتحرير اليد العليا على حساب جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل التي انقسم أعضاؤها ما بين منضم للجبهة القومية أو الرحيل لشمال اليمن، رحل عبدالله الأصنج ورئيس الوزراء  محمد باسندوة لشمال اليمن. وخرج آخر جندي بريطاني من عدن في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967 وتم ضم مشيخات المحمية الشرقية في  حضرموت  إلى الدولة الجديدة.

كان تعداد سكان الجنوب سنة 1967 حوالي مليوني نسمة، بينما كان شمال اليمن يتجاوز 6 ملايين. معظم سكان الجنوب يتركزون في المناطق الغربية في لحج وما حولها، وهؤلاء وحدهم كانوا يشكلون أكثر من 60% من السكان، و10% كانوا من البدو الرُّحَّل. 

تقلد قحطان الشعبي رئاسة دولةٍ لم تكن موجودة من قبل وباقتصادٍ منهار، غادر العمال المدنيون ورجال الأعمال وتوقف الدعم الإنجليزي وقلّل إغلاق قناة السويس سنة 1967 عدد السفن العابرة لميناء عدن بنسبة 75%.كانت الجبهة منقسمة قسمين: اليمين واليسار. قاد قحطان الشعبي اليمينيين الذين لم يريدوا إحداث تغييرات كبيرة في البنية الاجتماعية والاقتصادية السائدة وعارضوا إنشاء قوات شعبية واقتراحات لتأميم الأراضي ولم يكونوا مشغولين بصراع الطبقات الاجتماعية، وإنما أرادوا دوام المؤسسات الموجودة وتطويرها.

وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 1967، صودرت أراضي الرموز الإقطاعية وقسِّم اليمن الجنوبي الى ست محافظات. كان غرض التحرك إنهاء المظاهر القبلية في الدولة وتجاهل الحدود القبلية.

وفي 16 يونيو/حزيران 1969، فَصَلَ قحطان وزير الداخلية محمد علي هيثم، لكن الأخير بعلاقاته مع القبائل والجيش تحالف مع محمد صالح العولقي، وأعادوا تجميع قوى اليسار التي فرقها الرئيس قحطان الشعبي واستطاعوا من اعتقاله ووضعه رهن الإقامة الجبرية. 

اليمن

أعادت الحكومة الجديدة في عدن تسمية الدولة إلى جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. كانت الدولة بحاجة إلى الموارد ولم تتمكن الحصول على المساعدة، سواءٌ من الدول الغربية أو العربية، ما دفعها للجوء إلى الاتحاد السوفييتي، الذي قدّم المساعدة الاقتصادية والتقنية على أمل إدخال دولة عربية في مجالها السياسي الشيوعي.

ومع أوائل السبعينيات أصبح جنوب اليمن دولة ماركسية مُعلنة وبدأت إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد والمجتمع على أسسٍ شيوعية. أعلن اليمن الجنوبي تأييده الكامل للمقاومة الفلسطينيّة، وكانت هذه خطوة طبيعية في السياق العربي.

لكنّ الحكومة الجنوبية اتخذت كذلك خطاً يسارياً راديكالياً، فدعمت ثورة ظفار الشيوعية على حُكم السلطان سعيد بن تيمور لعُمان  وقوّت علاقتها مع الاتحاد السوفييتي، فعلى سبيل المثال قطعت ألمانيا الغربية علاقتها بالدولة لاعترافها بألمانيا الشرقية التي تتبع للسوفييت ، وقطعت  الولايات المتحدة علاقتها كذلك في أكتوبر/تشرين الأول عام 1969 وأصدرت القوى الجديدة دستوراً جديداً، وأممت البنوك الأجنبية وشركات التأمين وغيروا اسم الدولة إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تماشياً مع نهج الماركسية اللينينية الذي انتهجوه.

اليمن الجنوبي ودوره في ثورة ظفار

كانت ثورة ظفار حركة معادية لحكومة سلطنة عمان والنفوذ البريطاني فيها. بدأت الثورة في ستينات القرن الماضي في عهد السلطان سعيد بن تيمور (والد السلطان السابق قابوس) وامتدت إلى سنة 1975 في عهد ابنه السلطان قابوس وأخمدت عام 1975.

كانت الثورة تحمل شكلاً اشتراكياً شيوعياً ومدعومة من الاتحاد السوفييتي وجمال عبدالناصر عن طريق اليمن الجنوبي الاشتراكي، فكان يتم تعليم وتمويل ثوّار ظفار من الاتحاد السوفييتي عن طريق حليفها المجاور: اليمن الجنوبي.

كما موّلها الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي فيما بعد ، إلى جانب بعض الاشتراكيين من الدول العربية. ولكن بعد فترة سلّم أهل المنطقة سلاحهم وأخمدت الثورة، وبقيت المناوشات مع اليمن الجنوبي على الحدود في مناطق ضلكوت وصرفيت. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991، اتحد ثوار ظفار مع حكومتهم بقيادة السلطان قابوس بن سعيد وتم تشكيل جيش خاص بهم يسمى قوات الفرق الوطنية وهو جيش غير نظامي وعددهم يقارب 10 آلاف جندي.

جندي عُماني خلال ثورة ظفاركما كان شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي المتحالف مع الغرب يراقب الموقف في عمان عن كثب، فقد كان يخشى من انتشار الأفكار الشيوعية في دول الخليج.لذلك وفي فبراير/شباط عام 1973 أمدّ الشاه السلطان قابوس بدعمٍ عسكري كبير وبحلول عام 1974 كان في سلطنة عُمان نحو 3 آلاف جندي إيراني و16 مقاتلة فيما قام الأسطول الحربي الإيراني بقطع خطوط إمدادات الثوار الساحلية.

انهيار اليمن الجنوبي ووحدة اليمن

بعد أن استقل اليمن عن بريطانيا سنة 1967، ارتفعت التوقعات في بعض الأوساط بأنه سيكون هناك شكلٌ من أشكال التوحيد بين شمال وجنوب اليمن، خاصة أن كلا الدولتين ادعت علانية أنها تدعم فكرة الوحدة.مع ذلك، لم يكن ذلك سهل المنال والسبب الأساسي في ذلك هو الاختلاف الشديد بين التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للنظامين بحلول نهاية الستينيات. في حين أن الشمال بقيادة عبدالرحمن الإرياني اختار أن يظل اقتصاداً مختلطاً في اقتصاد السوق والحفاظ على العلاقات مع الغرب وكذلك مع المملكة العربية السعودية ، بدأ الجنوب في التحرك بسرعة في اتجاه اشتراكي تحت قيادة الجناح الأكثر راديكالية من جبهة التحرير الوطني، كما أسلفنا.

وأدت الخلافات السياسية إلى حربٍ حدودية قصيرة بين اليمنين الشمالي والجنوبي في سنة 1972. وقد ساهم اليمن الجنوبي في دعم وتمويل حركة معارضة واسعة في اليمن الشمالي. كما أقرّت عناصر قيادية باغتيالهم الرئيس اليمني الشمالي أحمد حسين الغشمي.ومع ذلك، كانت هناك انشقاقات سياسية وأيديولوجية كبيرة داخل الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في اليمن الجنوبي. وشاركت عدّة عوامل في إنهاء حالة الانقسام تلك مثل: اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في كلا اليَمَنَين في نفس الوقت تقريباً وفي نفس المنطقة الجغرافية تقريباً (من مأرب إلى شبوة)، وكانت بعضها محل نزاع بينهما.

ثانياً: قرار ميخائيل جورباتشوف بتخلي الاتحاد السوفييتي عن مساندته لحكومات وسياسات عدد من دول أوروبا الشرقية التابعة له، وبعضها كانت مصادر جنوب اليمن الرئيسية للمساعدة والدعم ما سيؤدي طبيعياً لانهيار النظام اليمني الجنوبي المعزول.

وكان الخيار العقلاني هو الدخول في مفاوضات مع اليمن الشمالي.وقرر الحزبان الحاكمان في أواخر تشرين الثاني من عام 1989 توحيد الدولتين، وتم التنفيذ الفعلي بعد ستة أشهر.

وأقرَّ دستور الجمهورية اليمنية في 22 مايو/أيّار 1990، وتم اعلان دستور الجمهورية الجديد ساري المفعول في ذلك التاريخ.

يمكن لنا عبر هذا الاستعراض التاريخي أن نتساءل: هل محاولات بعض الأطراف الإقليميّة للدفع بانقسام اليمن إلى يمنين جنوبي وشمالي قد تكون صحيحة ومنطقية أم لا؟ إذا قرأنا التاريخ بهدوء فسنعرف أنّ الإجابة بالطبع ستكون: لا.


المراجع

arabicpost.net

التصانيف

اليمن   تاريخ اليمن   التاريخ   الجغرافيا   اليمن الجنوبي