سبأ

{1} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ مَكِّيَّة فِي قَوْل الْجَمِيع , إِلَّا آيَة وَاحِدَة اُخْتُلِفَ فِيهَا , وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ " الْآيَة . فَقَالَتْ فِرْقَة : هِيَ مَكِّيَّة , وَالْمُرَاد الْمُؤْمِنُونَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . ( وَقَالَتْ فِرْقَة : هِيَ مَدَنِيَّة , وَالْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ ; كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَغَيْره ; قَالَهُ مُقَاتِل . وَقَالَ قَتَادَة : هُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ . وَهِيَ أَرْبَع وَخَمْسُونَ آيَة .

" الَّذِي " فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى النَّعْت أَوْ الْبَدَل . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ , وَأَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب بِمَعْنَى أَعْنِي . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ " الْحَمْد لِلَّهِ أَهْل الْحَمْد " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب وَالْخَفْض . وَالْحَمْد الْكَامِل وَالثَّنَاء الشَّامِل كُلّه لِلَّهِ ; إِذْ النِّعَم كُلّهَا مِنْهُ . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ فِي أَوَّل الْفَاتِحَة .

{1} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ قِيلَ : هُوَ قَوْله تَعَالَى : " وَقَالُوا الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ " { الزُّمَر : 47 } . وَقِيلَ : هُوَ قَوْله " وَآخِر دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " { يُونُس : 10 } فَهُوَ الْمَحْمُود فِي الْآخِرَة كَمَا أَنَّهُ الْمَحْمُود فِي الدُّنْيَا , وَهُوَ الْمَالِك لِلْآخِرَةِ كَمَا أَنَّهُ الْمَالِك لِلْأُولَى .

{1} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فِي فِعْله .

{1} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ بِأَمْرِ خَلْقه .

{2} يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ أَيْ مَا يَدْخُل فِيهَا مِنْ قَطْر وَغَيْره , كَمَا قَالَ : " فَسَلَكَهُ يَنَابِيع فِي الْأَرْض " { الزُّمَر : 21 } مِنْ الْكُنُوز وَالدَّفَائِن وَالْأَمْوَات وَمَا هِيَ لَهُ كِفَات .

{2} يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ مِنْ نَبَات وَغَيْره

{2} يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ مِنْ الْأَمْطَار وَالثُّلُوج وَالْبَرَد وَالصَّوَاعِق وَالْأَرْزَاق وَالْمَقَادِير وَالْبَرَكَات . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب " وَمَا نُنَزِّل " بِالنُّونِ وَالتَّشْدِيد .

{2} يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ مِنْ الْمَلَائِكَة وَأَعْمَال الْعِبَاد ; قَالَهُ الْحَسَن وَغَيْره

{2} يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ بِأَوْلِيَائِهِ

{2} يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ لِذُنُوبِ عِبَاده وَخَطَايَاهُمْ

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ قِيلَ : الْمُرَاد أَهْل مَكَّة . قَالَ مُقَاتِل : قَالَ أَبُو سُفْيَان لِكُفَّارِ مَكَّة : وَاللَّات وَالْعُزَّى لَا تَأْتِينَا السَّاعَة أَبَدًا وَلَا نُبْعَث .

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " قُلْ " يَا مُحَمَّد " بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ " وَرَوَى هَارُون عَنْ طَلْق الْمُعَلِّم قَالَ : سَمِعْت أَشْيَاخنَا يَقْرَءُونَ " قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَيَأْتِيَنَّكُمْ " بِيَاءٍ , حَمَلُوهُ عَلَى الْمَعْنَى , كَأَنَّهُ قَالَ : لَيَأْتِيَنَّكُمْ الْبَعْث أَوْ أَمْره . كَمَا قَالَ : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَة أَوْ يَأْتِيَ أَمْر رَبّك " { الْأَنْعَام : 158 } . فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّار مُقِرُّونَ بِالِابْتِدَاءِ مُنْكِرُونَ الْإِعَادَة , وَهُوَ نَقْض لِمَا اِعْتَرَفُوا بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْبَعْث , وَقَالُوا : وَإِنْ قَدَرَ لَا يَفْعَل . فَهَذَا تَحَكُّم بَعْد أَنْ أَخْبَرَ عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل أَنَّهُ يَبْعَث الْخَلْق , وَإِذَا وَرَدَ الْخَبَر بِشَيْءٍ وَهُوَ مُمْكِن فِي الْفِعْل مَقْدُور , فَتَكْذِيب مَنْ وَجَبَ صِدْقه مُحَال .

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ بِالرَّفْعِ قِرَاءَة نَافِع وَابْن كَثِير عَلَى الِابْتِدَاء , وَخَبَرُهُ " لَا يَعْزُب عَنْهُ " وَقَرَأَ عَاصِم وَأَبُو عَمْرو " عَالِمِ " بِالْخَفْضِ , أَيْ الْحَمْد لِلَّهِ عَالِم , فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى قَوْله : " لَتَأْتِيَنَّكُمْ " . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " عَلَّام الْغَيْب " عَلَى الْمُبَالَغَة وَالنَّعْت .

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ أَيْ لَا يَغِيب عَنْهُ , " وَيَعْزِب " أَيْضًا . قَالَ الْفَرَّاء : وَالْكَسْر أَحَبُّ إِلَيَّ . النَّحَّاس وَهِيَ قِرَاءَة يَحْيَى بْن وَثَّاب , وَهِيَ لُغَة مَعْرُوفَة . يُقَال عَزَبَ يَعْزُب وَيَعْزِب إِذَا بَعُدَ وَغَابَ .

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ أَيْ قَدْر نَمْلَة صَغِيرَة .

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وَفِي قِرَاءَة الْأَعْمَش " وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ " بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَطْفًا عَلَى " ذَرَّة " . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " مِثْقَال " .

{3} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فَهُوَ الْعَالِم بِمَا خَلَقَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء .

{4} لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ مَنْصُوب بِلَامِ كَيْ , وَالتَّقْدِير : لَتَأْتِيَنَّكُمْ لِيَجْزِيَ .

{4} لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ بِالثَّوَابِ , وَالْكَافِرِينَ بِالْعِقَابِ .

{4} لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ .

{4} لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لِذُنُوبِهِمْ .

{4} لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَهُوَ الْجَنَّة .

{5} وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ أَيْ فِي إِبْطَال أَدِلَّتنَا وَالتَّكْذِيب بِآيَاتِنَا .

{5} وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ مُسَابِقِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَفُوتُونَنَا , وَأَنَّ اللَّه لَا يَقْدِر عَلَى بَعْثهمْ فِي الْآخِرَة , وَظَنُّوا أَنَّا نُهْمِلهُمْ ; فَهَؤُلَاءِ " لَهُمْ عَذَاب مِنْ رِجْز أَلِيم " وَيُقَال : عَاجَزَهُ وَأَعْجَزَهُ إِذَا غَالَبَهُ وَسَبَقَهُ

{5} وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ و " أَلِيم " قِرَاءَة نَافِع بِالْكَسْرِ نَعْتًا لِلرِّجْزِ , فَإِنَّ الرِّجْز هُوَ الْعَذَاب , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاء " { الْبَقَرَة : 59 } . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَحَفْص عَنْ عَاصِم " عَذَاب مِنْ رِجْز أَلِيم " بِرَفْعِ الْمِيم هُنَا وَفِي " الْجَاثِيَة " نَعْتًا لِلْعَذَابِ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد بْن قَيْس وَمُجَاهِد وَأَبُو عَمْرو " مُعَجِّزِينَ " مُثَبِّطِينَ ; أَيْ ثَبَّطُوا النَّاس عَنْ الْإِيمَان بِالْمُعْجِزَاتِ وَآيَات الْقُرْآن .

{6} وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ لَمَّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي إِبْطَال النُّبُوَّة بَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم يَرَوْنَ أَنَّ الْقُرْآن حَقّ . قَالَ مُقَاتِل : " الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم " هُمْ مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ جَمِيع الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ أَصَحُّ لِعُمُومِهِ . وَالرُّؤْيَة بِمَعْنَى الْعِلْم , وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى " لِيَجْزِيَ " أَيْ لِيَجْزِيَ وَلِيَرَى , قَالَهُ الزَّجَّاج وَالْفَرَّاء . وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ قَوْله : " لِيَجْزِيَ " مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : " لَتَأْتِيَنَّكُمْ السَّاعَة " , وَلَا يُقَال : لَتَأْتِيَنَّكُمْ السَّاعَة لِيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم أَنَّ الْقُرْآن حَقّ , فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْقُرْآن حَقًّا وَإِنْ لَمْ تَأْتِهِمْ السَّاعَة . وَالصَّحِيح أَنَّهُ رُفِعَ عَلَى الِاسْتِئْنَاف , ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . قُلْت : وَإِذَا كَانَ " لِيَجْزِيَ " مُتَعَلِّقًا بِمَعْنَى أُثْبِت ذَلِكَ فِي كِتَاب مُبِين , فَيَحْسُن عَطْف " وَيَرَى " عَلَيْهِ , أَيْ وَأُثْبِت أَيْضًا لِيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم أَنَّ الْقُرْآن حَقّ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُسْتَأْنَفًا . " الَّذِي " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول أَوَّل لـ " ـيَرَى " " وَهُوَ الْحَقّ " مَفْعُول ثَانٍ , و " هُوَ " فَاصِلَة . وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ " هُوَ " عِمَاد . وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ . و " الْحَقّ " خَبَره , وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي , وَالنَّصْب أَكْثَرُ فِيمَا كَانَتْ فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام عِنْد جَمِيع النَّحْوِيِّينَ , وَكَذَا مَا كَانَ نَكِرَة لَا يَدْخُلهُ الْأَلِف وَاللَّام فَيُشْبِه الْمَعْرِفَة . فَإِنْ كَانَ الْخَبَر اِسْمًا مَعْرُوفًا نَحْو قَوْلك : كَانَ أَخُوك هُوَ زَيْد , فَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الِاخْتِيَار فِيهِ الرَّفْع . وَكَذَا كَانَ مُحَمَّد هُوَ عَمْرو . وَعِلَّته فِي اِخْتِيَاره الرَّفْعَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَكُنْ فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام أَشْبَهَ النَّكِرَة فِي قَوْلك : كَانَ زَيْد هُوَ جَالِس , لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا الرَّفْع .

{6} وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أَيْ يَهْدِي الْقُرْآن إِلَى طَرِيق الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ دِين اللَّه . وَدَلَّ بِقَوْلِهِ : " الْعَزِيز " عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَالَب . وَبِقَوْلِهِ : " الْحَمِيد " عَلَى أَنَّهُ لَا يَلِيق بِهِ صِفَة الْعَجْز .

{7} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل " وَإِنْ شِئْت أَدْغَمْت اللَّام فِي النُّون لِقُرْبِهَا مِنْهَا ! " يُنَبِّئكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق " هَذَا إِخْبَار عَمَّنْ قَالَ : " لَا تَأْتِينَا السَّاعَة " { سَبَأ : 3 } أَيْ هَلْ نُرْشِدكُمْ إِلَى رَجُل يُنَبِّئكُمْ , أَيْ يَقُول لَكُمْ : إِنَّكُمْ تُبْعَثُونَ بَعْد الْبِلَى فِي الْقُبُور . وَهَذَا صَادِر عَنْ فَرْط إِنْكَارهمْ . الزَّمَخْشَرِيّ : " فَإِنْ قُلْت : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْهُورًا عَلَمًا فِي قُرَيْش , وَكَانَ إِنْبَاؤُهُ بِالْبَعْثِ شَائِعًا عِنْدهمْ , فَمَا مَعْنَى قَوْلهمْ : " هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئكُمْ " فَنَكَّرُوهُ لَهُمْ وَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الدَّلَالَة عَلَيْهِ , كَمَا يُدَلّ عَلَى مَجْهُول فِي أَمْر مَجْهُول . قُلْت : كَانُوا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الطَّنْزَ وَالْهُزُؤ وَالسُّخْرِيَة , فَأَخْرَجُوهُ مَخْرَج التَّحَكِّي بِبَعْضِ الْأَحَاجِي الَّتِي يُتَحَاجَى بِهَا لِلضَّحِكِ وَالتَّلَهِّي , مُتَجَاهِلِينَ بِهِ وَبِأَمْرِهِ . و " إِذَا " فِي مَوْضِع نَصْب وَالْعَامِل فِيهَا " مُزِّقْتُمْ " قَالَهُ النَّحَّاس . وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهَا " يُنَبِّئكُمْ " , لِأَنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرهُمْ ذَلِكَ الْوَقْت . وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهَا مَا بَعْد " إِنَّ " , لِأَنَّهُ لَا يَعْمَل فِيمَا قَبْله , وَأَلَّا يَتَقَدَّم عَلَيْهَا مَا بَعْدهَا وَمَعْمُولهَا . وَأَجَازَ الزَّجَّاج أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهَا مَحْذُوفًا ; التَّقْدِير : إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق بُعِثْتُمْ , أَوْ يُنَبِّئكُمْ بِأَنَّكُمْ تُبْعَثُونَ إِذَا مُزِّقْتُمْ . الْمَهْدَوِيّ : وَلَا يَعْمَل فِيهِ " مُزِّقْتُمْ " ; لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَيْهِ , وَالْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يَعْمَل فِي الْمُضَاف . وَأَجَازَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنْ يَجْعَل " إِذَا " لِلْمُجَازَاةِ , فَيَعْمَل فِيهَا حِينَئِذٍ مَا بَعْدهَا لِأَنَّهَا غَيْر مُضَافَة إِلَيْهِ . وَأَكْثَرُ مَا تَقَع " إِذَا " لِلْمُجَازَاةِ فِي الشِّعْر . وَمَعْنَى " مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق " فُرِّقْتُمْ كُلّ تَفْرِيق . وَالْمَزْق خَرْق الْأَشْيَاء ; يُقَال : ثَوْب مَزِيق وَمَمْزُوق وَمُتَمَزِّق وَمُمَزَّق .


المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تفسير القرآن الكريم