عاشت أياما صعبة ولم تعترض.. فقدت حياتها الزوجية.. قالت لست أول المطلقات ولا آخرهن.. ابتعدت كثيرا عن بناتها من زوجها الأول.. وقررت بدخلها البسيط.. أن تواصل الحياة..

انتقلت من بلدها للعيش مع عمتها في القاهرة.. حتي كان هناك من يرقبها.. ويرغب في الزواج منها. وببساطتها وجدت فيه طيبة القلب.. فوافقت رغم فقره الشديد.. كان عش الزوجية هو أحد بيوت الصفيح في منشية ناصر.. وافقت.. غرفة بدروم عمارة انتقلت اليه، كانت سعادتها لاتوصف.. لم يتسلل الحقد إلي قلبها يوما.. كانت راضية.. قانعة.. زوجها يقود عربة كارو لدي أحد تجار الخشب.. دخله اليومي بضعة جنيهات.. كانت تنفق منها علي بيتها الصغير جدا.. لم تكن مثل كل النساء.. لم تعرف يوما النطق الصحيح لكلمة كوافير.. كانت نظافتها هي كل زينتها.. لم تحلم يوما بأكثر من شقة كاملة المرافق.. في أبسط الاحياء الشعبية.. ليس من أجلها ولكن من أجل بناتها.. مرت السنوات وتتابعت الأيام.. بلا أمل في حياة أفضل وللحق لم تكن تطمع وطلبها كما تقول سوي في الستر.. ..

ولم تكن الايام رحيمة بها.. المنزل القديم الذي يسكنون في أسفله تحت سطح الأرض.. لم يستطع احتمال الزلزال.. تراقص.. خارت قواه.. وأصبح عرضه للانهيار بفعل رياح قوية.. قد تهب في ليلة شتاء ممطرة.. مسئولو البيت.. قرروا إخلاء المنزل.. أغلب سكانه كان لديهم أماكن أخري.. الا اسرة وطنية.. فأخذت طريقها ومتاعها القليل علي عربة كارو باتجاه مساكن الايواء العاجل.. غرفة واحدة احتوت داخلها وطنية وزوجها وابنتاها.. مريم وهدي.. جنيهات قليلة.. كانت تكفي وطنية واسرتها.. أما الزوج فكان يكتفي باثنين من الجنيهات للذهاب إلي عمله والعودة.. وشراء عدد من السجائر بما تبقي معه.. أما وطنية وابنتاها.. فعليهم أن يدبروا أمر السكن والطعام.. والملابس.. حياة أقرب إلي الموت.. وكانت هذه المرأة أقوي من الجميع بعنادها وأصرارها علي البقاء.. كرامتها تسبق خطواتها.. ترفض أن يساعدها أحد.. تأبي إلا طعام زوجها ومسكنه.. كانت دائما تري أنها مستورة والحمد لله.. رؤية نسبية.. تختلف هي والبسطاء من الآخرين ممن تعني لديهم كلمة 'مستورة' أرقام يسبقها أصفار عديدة.. .. علمت وطنية بناتها عفة النفس.. وأن الموت جوعا أفضل كثير من الطريق الآخر.. كانت تخرج إلي العمل أحيانا.. وترفض أن يغادرن البيت في مساكن الايواء.. اعتذرت لهن كثيرا من عدم قدرة أبيهم علي مصاريف الدراسة.. فلم تذهبا إلي أيه مدرسة قط.. وكأن التعليم ليس إلزاميا طالما أن نفقاته أصبحت كبيرة.. لايستطيع قائد الكارو احتمالها.. عم علي هو رب الأسرة.. يخرج في الصباح الباكر.. طيل حياته ومنذ طفولته.. له وجهه واحدة إينما كان.. منطقة زينهم لدي أحد تجار الأخشاب مهمته نقل الخشب علي عربة الكارو التي يملكها صاحب المخزن.. أجرة اليومي.. بضعة جنيهات.. عمره تخطي الخامسة والخمسين.. ملامح وجهه الحادة تحمل سنوات طويلة من الشقاء.. هو الآخر قانع بحياته.. يرفض أن يخرج من منطقة زينهم فمنذ طفولته وهو يعمل في نفس المكان ونفس العمل.. الحصان هو رفيق رحلته.. يقول عن زوجته.. منذ سنوات كثيرة لا أعرف عددها.. شاهدت وطنية عند عمتها في زينهم كانت في زيارة لها.. وفي اليوم التالي ذهبت إلي عمتها وطلبت الزواج من ابنة أخيها.. كانت ومطلقة.. وافقت عمتها.. جارتنا في زينهم.. ورزقني الله بابنتنا مريم.. أقصد المرحومة (مريم) التي ماتت العام الماضي.. بعد ان اشتعلت فيها النار.. 'سبحان الله البني أدم مننا زي الشمع أمام هذه النار'.. 'هدي كمان ساحت.. وبكي عم علي وتركنا وانصرف.. الست وطنية رغم الالم الكبير التي تشعر به بسبب توالي الكوارث عليها إلا أنها لم تستطع أن تتركنا وتنصرف.. فهي لاتتحرك الا بصعوبة بسبب جلطة شلت يدها وساقها.. قالت الحمد لله.. علي كل شيء.. عيناها لم تعد قادرة حتي علي البكاء.. فهي خلال عامين فقط فقدت ثلاث من بناتها حرقا.. أولهن من زوجها الأول.. والأخيرة هدي.. منال.. ابنتها الكبري.. تزوجت وسافرت مع زوجها للعمل في العريش فهناك ربما يبتسم لها القدر.. كانت الأم سعيدة بحياة أبنتها الجديدة، رغم عدم قدرتها علي دفع 'أجره' السفر لزيارتها.. نادرا ما يرسل اليها زوج ابنتها.. وغالبا لاتري وطنية ابنتها إلا كل عام.. أيام قليلة.. وترحل عنها عائدة إلي حياتها التي اعتادتها.. لكنها فوجئت في أحد الايام بقريب لها من بلدتهما بالشرقية يصل اليها ويطلب منها أنتسافر إلي البلد.. والسبب ابنتها الكبري أصابها مكروه.. وتريد رؤيتك.. لم تشعر وطنية بنفسها منذ سماع هذه الكلمات.. وطيلة الطريق تطلق العنان لخيالها لمعرفة نوع المكروه الذي أصابها.. أمام اصرار مرافقها ألا يبلغها بشيء، وادعي عدم معرفته بشيء.. السواد يسكن المنزل القديم المتهالك.. أنين مكتوم يتصاعد من نوافذ المنزل.. صوت القرآن يتردد في جنبات البيت.. رأت حفيدها ربما لأول مرة.. بين يدي احدي قريباتها.. صرخت.. وعرفت أن المكروه الذي أصاب ابنتها هو الموت.. بكت.. القت بنفسها بين النسوة المتشحات بالسواد.. لتغوص بينهن.. ساعات وأيام.. وأصبحت ابنتها الكبري مجرد ذكري.. رحلت عن عالمنا تاركة طفلها المولود قبل عدة أشهر.. عادت وطنية إلي شقة الايواء العاجل بمدينة السلام.. الجيران يقدمون لها العزاء.. زوجها.. الذي كان مشغولا بعمله لحظة سفرها.. لم يستطع الغياب عن عمله ليسافر معها أو اليها.. والسبب الاقوي انه لايملك أجرة السفر..

أشهر قليلة.. ولم يكتمل العام.. والحزن يحاصر قلبها الذي لم يعرف الفرح الا نادرا.. وربما هي لاتعرف للسعادة طعما في حياتها.. ابنتها الكبري مريم كانت برفقة أمها زيارة بعض الأقارب والجيران القدامي بمنطقة زينهم.. احدي الجارات سيدة عجوز.. ذهبت اليها مريم لتساعدها في اعداد الطعام.. اشتعل فيها 'وابور الجاز'.. وفجأة وبدون سابق انذار.. دوي انفجار.. صوت 'وابور الجاز' وهو ينفجر اخترق أذن وطنية.. لم تهتم كثيرا ولكنها توقفت عن الحديث مع احدي جاراتها.. شعرت أن شيئا ما يحدث.. ربما صدمة عنيفة ستهزها بعد لحظات.. دخان كثيف اسود يتصاعد من منزل الجيران.. صراخ مريم.. النار تلتهم جسدها.. هرع الجميع.. ولكن النار كانت أسرع.. سقطت مريم بعدما احترقت تحملها الجيران.. والام تهرول خلفهم صوب مستشفي قصر العيني.. عشرون يوما.. والفتاة التي كانت تملأ الدنيا صخبا قبل دقائق. لم تعد قادرة علي ادراك ما حولها.. نسبة الحروق كما قال الاطباء.. كبيرة.. وهو ما يعني.. النهاية المحتومة.. معركة نشبت بين الفتاة مريم وأمها وطنية مع الموت.. الام تتشبث بالأمل في انقاذ ابنتها.. ومريم والنار قد شوهت ملامحها، وفي الوقت والموعد المحدد.. فارقت مريم الحياة.. وكادت وطنية ان تلحق بابنتها.. حملتها مع الاقارب والجيران إلي مثواها الأخير.. بعد عشرين يوما.. لم تنم فيها الأم، لا أحد يعرف حجم الألم والمعاناة التي عاشتها.. الدواء مرتفع الثمن.. وهي تطلب من زوجها أن يستدين.. لانقاذ مريم.. ولكن زادت الديون ولم تنج مريم ابنة العشرين عاما.. وفي المقابر بالقرب من السيدة نفيسة ظلت وطنية تبكي.. وهي تستند إلي احدي قريباتها.. حتي سقطت مغشيا عليها.. وعادت مرة أخري الي مستشفي قصر العيني، لم تذهب إلي قسم الحروق.. ولكن الي قسم المخ والاعصاب.. جلطة في المخ الذي لم يعد قادرا علي استيعاب ما يحدث.. خلال عام تحترق ابنتاها.. وبعد عدة أيام.. لم تستطع وطنية أن تحرك ذراعها وساقها.. وتنطق بصعوبة الدواء غالي.. والزوج قائد عربة الكارو لم يترك أحد إلا واستدان منه طيلة عشرين يوما أمضتها أبنته الكبري مريم في المستشفي.. غادرت وطنية المستشفي الي حيث الإيواء العاجل.. القت بجسدها بمساعدة ابنتها الباقية 'هدي' علي سريرها المتهالك.. شاردة عيناها تري ولاتبالي.. تسمع كلمات الشفقة والمواساه من الجيران.. ولاترد.. وكلما أفاقت من غيبوبة الحزن.. تحتضن ابنتها هدي.. وتبكي بلا دموع.. ورغم توالي المأسي الا أن الست وطنية كانت صامدة.. استجمعت إيمانها.. وبدأت تعود إلي الحياة.. تفقد صوابها اذا غابت عنها ابنتها الوحيدة هدي.. ليس بسبب مساعدتها علي الحركة ولكن خوفا عليها..

هدي ابنة ال 18 عاما، هي الأخري عاشت أياما صعبة لم تكن مثل زميلاتها.. داهمتها ما يسمي الصدمة النفسية.. كانت تصرخ وحدها في بعض الاحيان وتبكي وتشعر أن أيدي الأيام الصعبة تخنقها.. ولكن رفاهية الذهاب إلي طبيب، بعيدة عن من هدي واسرتها.. هي مريضة وعليها فقط انتظار الشفاء. 4 اشهر مرت، وهدي تزداد مرضا.. وأمها تحاملت علي نفسها حتي تخفف من ابنتها الباقية.. بدأت تسند إلي عصا في حركتها.. قبل.. أيام قليلة ماضية، قررت وطنية أن تذهب إلي أمها حتي ولو بساق واحدة.. 'ولاد الحتة' ساعدوها لتركب ميكروباص إلي الزقازيق.. وقبل أن تغادر.. طلبت من هدي أن تهتم بنفسها وترعي غرفة الايواء العاجل في غيابها.. سافرت.. وطنية.. وبقيت هدي مع أبيها.. تعد له الطعام عدة أيام.. وهدي تمضي طيلة النهار وحدها، مستقبلها لاتعرف له أيه ملامح.. حاولت كثيرا أن تعمل لمساعدة أسرتها.. ولكن مرضها النفسي ظل يطاردها في كل مكان.. زاد الفشل المآسي المتتالية.. .. ويبدو أنها سمعت همسا من الجيران عن نية أبيها في الزواج من أمرأة أخري غيرها.. هكذا أكتملت الدائرة.. قررت هدي أن تنهي حياتها بنفس طريقة شقيقتيها.. 'النار' هي التي تقهر الانسان.. قررت أن تضع النهاية.. ظلت تبحث في غرفة الايواء العاجل عن جاز.. فلم تجده سألت الجيران.. وأخيرا هداها تفكيرها لشراء الجاز.. استقلت سيارة ميكروباص.. في يدها اناء بلاستيك لتحمل به الجاز..

عادت إلي المنطقة بيدها أداه موتها.. وستشعل النيران في جسدها.. لتحلق بأختيها منال ومريم.. .. فعلت هدي ما قررته.. وقفت أمام باب غرفتها.. سكبت 'الجاز' علي ملابسها.. ثم اشعلت عود ثقاب.. ينتهي كل شيء.. ويحاول الجيران عبثا انقاذها، لكن النار كانت أقوي.. التهمت هدي فورا وسقطت أرضا.. بعدما تحولت إلي قطعة كبيرة من الفحم.. وطنية كانت لدي أمها.. الجيران أسرعوا بالاتصال بأحد أرقام التليفون التي تركتها.. استدعوها علي عجل.. لكنها لم تلحق بمراسم الدفن.. ونامت هدي إلي جوار بقايا جسد أختيها.. وطنية، لم تفقد صبرها.. ومازالت صابرة تجلس امام غرفة الايواء العاجل.. ولسان حالها يقول : لماذا....؟ اللهم لا اعتراض.


المراجع

مملكة القصص الواقعية

التصانيف

قصص