حلبون
تبعد بلدة حلبون Halboun قرابة ٢٨كم عن مدينة دمشق باتجاه الشمال، وتوجد على سفوح أحد جبال القلمون على ارتفاع حوالي ١٣٥٠ م عن سطح البحر، وكذلك تشرف على واد ضيق يمتد من عين الصاحب حتى نبع الفاخوخ، يبلغ طوله إلى قرابة ٧كم، وتلتف به ثلاثة جبال هي: الزهري في الجنوب الشرقي، وقبر زياد في الشمال الشرقي، وشويطة في الغرب، ويدعى هذا الوادي باسم وادي البساتين عند انحداره من الجرود الغربية، وإذا ما بلغ حلبون سمي وادي حلبون، إلى أن يلتقي بوادي منين عند بلدة معربا. وفيه العديد من الينابيع أهمها: نبع حلبون، والفاخوخ، وعين محسن، وعين الحمّة، وعين الصاحب، وغيرها من الينابيع التي كانت سبباً لنشوء حضارة مزدهرة في المنطقة خلال الكثير من مراحل التاريخ.
تتوزع في وادي حلبون وشعابه العديد من المغاور والكهوف التي تشتمل على أدوات صوانية، تثبت سكن المنطقة منذ الازمنة الحجرية القديمة. أما أقدم ذكر لبلدة حلبون فهو يعود إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد؛ إذ كانت خلال هذه الفترة قرية مهمة ذاع صيتها بإنتاج أجود أنواع العنب والخمور، وقد جاء ذكرها في العهد القديم (سفر حزقيال/ الإصحاح السابع والعشرون)، وممّا جاء فيه: «دمشق تاجرتك بكثرة صنائعك، وكثرة كل غنى بخمر حلبون والصوف الأبيض».
ارتفعت أهمية البلدة وتوسعت -على نحو كبير- عبر العصور الكلاسيكية، وخاصة عند اخر العصر الهلنستي وبداية العصر الروماني، عندما خضعت لحكم فرع من العائلة الأيطورية العربية التي اتخذت من آبل (سوق وادي بردى) عاصمة لها في عهد ملكها ليزانياس. وقد عرفت باسم شاليبون Chalybon، والتي ذكرها الجغرافيان استرابون[ر] Strabo(63 ق.م 21م)، وبطلميوس Ptolemy (القرن الثاني ميلادي)، وكانت تصدر النبيذ الفاخر إلى أنحاء مختلفة من الامبراطورية الرومانية. بعد ذلك تبعت- مع منطقة القلمون- لحكم القائد أغريبا Agrippa الثاني (27- 100م)؛ حيث بلغت أوج ازدهارها خلال فترة حكمه، وقد عثر فيها على نقشين كتابيَّين باللغة اليونانية القديمة، يعودان إلى هذه الفترة ويحملان هذا الاسم.
حضرت حلبون عبر هذه المرحلة أعظم فترات الازدهار، وهذا ما تعكسه اللقى التي اتت منها، وبينها العديد من القطع الحجرية المنقوشة والمنحوتة التي تحمل زخارف مختلفة، وقد عثر عليها مبعثرة في أزقة البلدة القديمة وبيوتها ومحيطها، والتي كانت أجزاء وبقايا من منشآت فخمة البناء والهندسة. وإلى هذا العصر تعود قناة جر المياه التي تم نحت جزء كبير منها في الصخور، وتصل إلى نبع الفاخوخ. وقد تمكنت دائرة آثار ريف دمشق ومن خلال المسح الذي أجرته في البلدة ومحيطها بين عامي 2003- 2011؛ من رصد عدد كبير من هذه القطع وتوثيقها، علاوة على بقايا منشآت من بينها معابد ومدافن وأبنية مدنية وقنوات وخزانات تجميع المياه، ولقى متنوعة.
كما تم ايجاد عدد من المواقع الأثرية المحيطة بالبلدة منها: خربة الباطل، وتبعد نحو 4كم عن حلبون باتجاه الشمال، وتضم بقايا معمارية ظاهرة على السطح. وموقعي عين الشجرات وملكتا، ويبعدان نحو 7كم شمال شرقي حلبون، ويضمان بقايا أبنية وعشرات المدافن وخزانات تجميع المياه المنحوتة في الصخر. كما تنتشر على جانبي فج حلبون الصخري عشرات المدافن والمغاور الأثرية، أما مدافن عين الصاحب الشهيرة فلا تبعد أكثر من 3 كم جنوبي حلبون. ومن المواقع المكتشفة قفا القصير، ويبعد 3 كم عن حلبون باتجاه الشمال الغربي، على الطريق الواصل إلى قرية إفرة، يرتفع نحو 1500م عن سطح البحر، وقد أجرت فيه دائرة آثار الريف بعض التحريات الأثرية.
اثناء العصر البيزنطي كانت حلبون شاهدة على دخول المسيحية إلى القلمون بوقت مبكر، وتشهد العديد من اللقى والعناصر المعمارية المكتشفة على هذا العصر، ومن ذلك: ساكف باب أعيد استخدامه في بناء مدخل الجامع (القديم)، ويحمل على واجهته شكل مستطيل نافر يعلوه كورنيش صغير، وضمنه دائرة يتوسطها صليب.
وتدل الدلائل الأثرية على استمرار ازدهار البلدة خلال العصور الإسلامية المتعاقبة، ومن أهمها نقش حجري يحمل نصاً باللغة العربية: «بسم الله الرحمن الرحيم، شيخ محمد ال..، باني، ... سجد على يد الفقير، سنة 258هـ»، وقد استمرت شهرتها بإنتاج العنب ومشتقاته خلال هذه العصور.
ـ آثار بلدة حلبون
تتمحور آثار بلدة حلبون تحت بيوت البلدة الحالية، والتي يعثر فيها بين الحينة والأخرى على بعض اللقى والحجارة التي تحمل زخارفَ ونقوشاً متنوعة يشير العديد منها على وجود بناء مهم كان معبداً خلال العصر الروماني، وتحول إلى دير أو كنيسة خلال العصر البيزنطي، ثم بُني على أطلاله لاحقاً جامع البلدة القديم الذي جرى هدمه منذ عدة عقود. وقد أشار كتاب الدليل الأزرق Guide bleu الصادر في باريس سنة 1956 إلى وجود بقايا هذا البناء في الجامع القديم الذي كان له برج يتقدمه إفريز مُشكّل من ثلاثة أعمدة تحمل تيجاناً جميلة، وتخرج من تحته المياه القادمة في القناة من جهة الفاخوخ.
ومن المكتشفات التي تشير على أهمية البلدة اثناء هذا العصر، وتؤكد وجود أبنية عامة ذات قيمة عالية فيها؛ المعبد ذو الرواق الذي تم بناؤه في عهد أغريبا، وكذلك مجموعة نقوش حجرية تحمل نصوصاً مكتوبة باللغة اليونانية القديمة، وقد تم اكتشاف معظمها منذ القرن التاسع عشر. عثر على ثلاثة منها بالقرب من جامع البلدة والقناة، وتضمنت اسم الملك أغريبا الثاني، ومما ورد في أحدها: « في عهد الملك العظيم ماركوس يوليوس أغريبا Marcus Julius Agrippa ابن الملك العظيم ماركوس يوليوس أغريبا الذي هو صديق الامبراطور وصديق الرومان، في هذا الوقت بني الرواق من مال المعبد». وجاء في نص آخر منقوش على أحد المذابح: «سيلاس بن أماتاناس لقناعته الدينية، قدم لزيوس بل فاروس، سنة 145/146م». وهناك نقش يرد فيه:
«فيليبوس قدم من ماله»، وهناك نقش آخر يرد فيه اسم غير واضح لشخص: «الذي كان سابقاً عبداً لفيليبوس بن ليزانياس». وهناك نص غير مكتمل عثر عليه في الطريق إلى نبع الفاخوخ يذكر اسم: «... ليزاس بن ما...»، هذا علاوة على نصوص أخرى غير واضحة.وثمة عناصر معمارية من الحجارة الكلسية المنحوتة التي تحمل أحياناً بعض الزخارف، وقد تمكنت بعثة المسح الأثري من رصد الكثير من هذه القطع في البلدة، م
ن بينها: قواعد وتيجان أعمدة، وأجزاء من أعمدة أسطوانية الشكل ذات أحجام مختلفة، وثمة مذابح مختلفة الأحجام، يحمل أحدها صورة نصفية لشخص من دون رأس. وقد عثر على نص مؤلف من سبعة أسطر بالكتابة اليونانية، منقوش على مذبح له شكل مثمن الأضلاع مركون في أحد جدران البيوت وفوقه عمود، هذا علاوة على مجموعة من المدافن والتوابيت المنحوتة من الحجارة الكلسية، وهي ذات أبعاد مختلفة، كما وجدت الكثير من معاصر الزيتون والعنب، وأدوات هذه الصناعة.ويقتني المتحف الوطني بدمشق مجموعة من اللقى التي جاءت من حلبون منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ومنها: مجموعة من المرايا الفضية المستديرة التي تحمل إحداها رسماً يتضمن نجمة مثمنة، وثمة خاتم نحاسي مرصع بفص من العقيق وجرس صغير. كانا يستخدمان للحماية وطرد الأرواح الشريرة، وسوار مصنوع من الزجاج الأسود، وبعض القطع النقدية البرونزية التي تعود إلى الامبراطورين كركلا Caracalla (211 - 217م)، وأنطونينوس Antoninus(138 - 161م).
موقع قفا القصير
اقيمت بعثة من دائرة آثار ريف دمشق ترأسها إبراهيم عميري؛ ثلاثة مواسم تنقيب أثري في قفا القصير- بين سنتي 2003 و2005- تمكنت خلالها من توثيق المباني والمعالم الأثرية القائمة. وقد تبين لها وجود معبد تعرضت بعض أجزائه للإزالة، وهو يتألف من كتلتين جنوبية وشمالية، استخدمت في بنائه الحجارة الكلسية القاسية، وله مدخل ينفتح نحو الشمال يتقدمه درج يرتفع نحو 590 سم عن الأرض المجاورة.
ظل من مبنى الكتلة الجنوبية البوديوم الشرقي والغربي، وهما الجزءان الجانبيان اللذان بنيت عليهما الجدران، طول ما تبقى من البوديوم الشرقي 1461سم، وارتفاعه 174سم، وهو مؤلف من ثلاثة مداميك بارتفاعات مختلفة شيدت فوق قاعدة متدرجة مؤلفة من مدماكين، واستخدمت للبناء حجارة ضخمة وصل طول بعضها إلى 335سم. يتوضع البوديوم الآخر إلى الغرب بطول يصل إلى نحو 1085سم، وقد تمت إشادته على سطح الأرض مباشرة ومن دون أساس، بسبب الميول نحو الشرق، وبقي من طوله 1782سم.
رصفت أرضية المبنى بحجارة مشذبة ذات أبعاد هائلة ، بلغ طولها إلى حوالي 170سم وبسماكة 25سم. كما تبين من خلال دراسة درجات المدخل وجود 16درجة للوصول إلى منسوب أرضية البناء، ولم يبق منها إلا أربع درجات فقط.
أما مبنى الكتلة الشمالية فيبعد قرابة 12م عن المبنى الأول من جهة الشمال، وهو ذو جدران عريضة، بقي منها جداران متعامدان بطول 8م وعرض 3م، بنيا فوق البوديوم المؤلف من ثلاثة مداميك، والذي يبلغ ارتفاعه 2م، ويحمل بعض الزخارف. أما مدخله فربما كان من جهة الشمال، وكان يتقدمه درج. وتشير حجارة الكورنيش والقطع الأخرى المنحوتة- المتراكمة أمام البناء- إلى أهميته وفخامة واجهته. وقد عثر بين هذه الحجارة على مذبح صغير، نحتت عليه صورة نصفية لرجل، علاوة على تمثال نصفي لشخص يرتدي الزّي الروماني، نقش اسم صاحبه بجانب الرأس، وعلى الرغم من تعرض بعض الأحرف للإزالة فقد بقي جزء من الاسم وهو: «...ايناس أبيبوس» بمعنى: إيناس بن حبيب. كما عثر على نقش نذري غير مكتمل بالكتابة اليونانية جاء فيه: « صنع لنفسه وأولاده من ماله الخاص، وأهداه...».
كما يرجح أن كتلتي البناء في قفا القصير كانتا تشكلان جزءاً من مجمع ديني كبير جدا ، بني على مراحل كما يتضح من تقنية العمارة وطرازها. ومن المعتقد أن يكون مبنى الكتلة الشمالية ذو الجدران العريضة هيكلاً أو مذبحاً برجياً يتقدم المعبد. ومن هنا تأتي أهمية موقع قفا القصير الذي يعد نقطة وصل بين حلبون ومواقع وادي بردى وجبال الزبداني.
المراجع
arab-ency.com.sy
التصانيف
قرى محافظة ريف دمشق الجغرافيا سوريا قرى