{53} وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمَرْأَة . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : فَالظَّاهِر أَنَّ قَوْله : " ذَلِكَ لِيَعْلَم " وَقَوْله : " وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي " مِنْ قَوْل يُوسُف . قُلْت : إِذَا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل الْمَرْأَة فَالْقَوْل بِهِ أَوْلَى حَتَّى نُبَرِّئ يُوسُف مِنْ حَلّ الْإِزَار وَالسَّرَاوِيل ; وَإِذَا قَدَّرْنَاهُ مِنْ قَوْل يُوسُف فَيَكُون مِمَّا خَطَرَ بِقَلْبِهِ , عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْقَوْل الْمُخْتَار فِي قَوْله : " وَهَمَّ بِهَا " . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : " ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " إِلَى قَوْله : " إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم " مِنْ كَلَام اِمْرَأَة الْعَزِيز ; لِأَنَّهُ مُتَّصِل بِقَوْلِهَا : " أَنَا رَاوَدْته عَنْ نَفْسه وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ " [يُوسُف : 51] وَهَذَا مَذْهَب الَّذِينَ يَنْفُونَ الْهَمّ عَنْ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ; فَمَنْ بَنَى عَلَى قَوْلهمْ قَالَ : مِنْ قَوْله : " قَالَتْ اِمْرَأَة الْعَزِيز " [يُوسُف : 51] إِلَى قَوْله : " إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم " كَلَام مُتَّصِل بَعْضه بِبَعْضٍ , وَلَا يَكُون فِيهِ وَقْف تَامّ عَلَى حَقِيقَة ; وَلَسْنَا نَخْتَار هَذَا الْقَوْل وَلَا نَذْهَب إِلَيْهِ . وَقَالَ الْحَسَن : لَمَّا قَالَ يُوسُف " ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " كَرِهَ نَبِيّ اللَّه أَنْ يَكُون قَدْ زَكَّى نَفْسه فَقَالَ : " وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي " لِأَنَّ تَزْكِيَة النَّفْس مَذْمُومَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ " [النَّجْم : 32] وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " النِّسَاء " . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْعَزِيز ; أَيْ وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي مِنْ سُوء الظَّنّ بِيُوسُف .
{53} وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ مُشْتَهِيَة لَهُ .
{53} وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ" إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي " فِي مَوْضِع نَصْب بِالِاسْتِثْنَاءِ ; و " مَا " بِمَعْنَى مَنْ ; أَيْ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي فَعَصَمَهُ ; و " مَا " بِمَعْنَى مِنْ كَثِير ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " [النِّسَاء : 3] وَهُوَ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء الْمَرْحُوم بِالْعِصْمَةِ مِنْ النَّفْس الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ ; وَفِي الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا تَقُولُونَ فِي صَاحِب لَكُمْ إِنْ أَنْتُمْ أَكْرَمْتُمُوهُ وَأَطْعَمْتُمُوهُ وَكَسَوْتُمُوهُ أَفْضَى بِكُمْ إِلَى شَرّ غَايَة وَإِنْ أَهَنْتُمُوهُ وَأَعْرَيْتُمُوهُ وَأَجَعْتُمُوهُ أَفْضَى بِكُمْ إِلَى خَيْر غَايَة ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه ! هَذَا شَرّ صَاحِب فِي الْأَرْض . قَالَ : ( فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَنُفُوسكُمْ الَّتِي بَيْن جُنُوبكُمْ ) .
{54} وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ لَمَّا ثَبَتَ لِلْمَلِكِ بَرَاءَته مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ ; وَتَحَقَّقَ فِي الْقِصَّة أَمَانَته , وَفَهِمَ أَيْضًا صَبْره وَجَلَده عَظُمَتْ مَنْزِلَته عِنْده , وَتَيَقَّنَ حُسْن خِلَاله قَالَ : " اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " فَانْظُرْ إِلَى قَوْل الْمَلِك أَوَّلًا - حِين تَحَقَّقَ عِلْمه - " اِئْتُونِي بِهِ " فَقَطْ , فَلَمَّا فَعَلَ يُوسُف مَا فَعَلَ ثَانِيًا قَالَ : " اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " وَرُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه قَالَ : لَمَّا دُعِيَ يُوسُف وَقَفَ بِالْبَابِ فَقَالَ : حَسْبِي رَبِّي مِنْ خَلْقه , عَزَّ جَاره وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا إِلَه غَيْره . ثُمَّ دَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَلِك نَزَلَ عَنْ سَرِيره فَخَرَّ لَهُ سَاجِدًا ; ثُمَّ أَقْعَدَهُ الْمَلِك مَعَهُ عَلَى سَرِيره فَقَالَ . " إِنَّك الْيَوْم لَدَيْنَا مَكِين أَمِين " قَالَ لَهُ يُوسُف " اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض إِنِّي حَفِيظ " [يُوسُف : 55] بِوُجُوهِ تَصَرُّفَاتهَا . وَقِيلَ : حَافِظ لِلْحِسَابِ , عَلِيم بِالْأَلْسُنِ . وَفِي الْخَبَر : ( يَرْحَم اللَّه أَخِي يُوسُف لَوْ لَمْ يَقُلْ اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَته وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ سَنَة ) . وَفِيل : إِنَّمَا تَأَخَّرَ تَمْلِيكه إِلَى سَنَة لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة : إِنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَلِك قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك بِخَيْرِك مِنْ خَيْره , وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّه وَشَرّ غَيْره ; ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْمَلِك بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ : مَا هَذَا اللِّسَان ؟ قَالَ : هَذَا لِسَان عَمِّي إِسْمَاعِيل , ثُمَّ دَعَا لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَقَالَ : مَا هَذَا اللِّسَان ؟ قَالَ : لِسَان آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ; وَكَانَ الْمَلِك يَتَكَلَّم بِسَبْعِينَ لِسَانًا , فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ الْمَلِك بِلِسَانِ أَجَابَهُ يُوسُف بِذَلِكَ اللِّسَان , فَأَعْجَبَ الْمَلِك أَمْره , وَكَانَ يُوسُف إِذْ ذَاكَ اِبْن ثَلَاثِينَ سَنَة ; ثُمَّ أَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيره وَقَالَ : أُحِبّ أَنْ أَسْمَع مِنْك رُؤْيَايَ , قَالَ يُوسُف نَعَمْ أَيّهَا الْمَلِك ! رَأَيْت سَبْع بَقَرَات سِمَان شُهْبًا غُرًّا حِسَانًا , كَشَفَ لَك عَنْهُنَّ النِّيل فَطَلَعْنَ عَلَيْك مِنْ شَاطِئِهِ تَشْخَب أَخْلَافهَا لَبَنًا ; فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُر إِلَيْهِنَّ وَتَتَعَجَّب مِنْ حُسْنهنَّ إِذْ نَضَبَ النِّيل فَغَار مَاؤُهُ , وَبَدَا أُسّه , فَخَرَجَ مِنْ حَمِئِهِ وَوَحْله سَبْع بَقَرَات عِجَاف شُعْث غُبْر مُقَلَّصَات الْبُطُون , لَيْسَ لَهُنَّ ضُرُوع وَلَا أَخْلَاف , , لَهُنَّ أَنْيَاب وَأَضْرَاس , وَأَكُفّ كَأَكُفِّ الْكِلَاب وَخَرَاطِيم كَخَرَاطِيم السِّبَاع , فَاخْتَلَطْنَ بِالسِّمَانِ فَافْتَرَسْنَهُنَّ اِفْتِرَاس السِّبَاع , فَأَكَلْنَ لُحُومهنَّ , وَمَزَّقْنَ جُلُودهنَّ , وَحَطَّمْنَ عِظَامهنَّ , وَمَشْمَشْنَ مُخّهنَّ ; فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُر وَتَتَعَجَّب كَيْف غَلَبْنَهُنَّ وَهُنَّ مَهَازِيل ! ثُمَّ لَمْ يَظْهَر مِنْهُنَّ سِمَن وَلَا زِيَادَة بَعْد أَكْلهنَّ ! إِذَا بِسَبْعِ سَنَابِل خُضْر طَرِيَّات نَاعِمَات مُمْتَلِئَات حَبًّا وَمَاء , وَإِلَى جَانِبهنَّ سَبْع يَابِسَات لَيْسَ فِيهِنَّ مَاء وَلَا خُضْرَة فِي مَنْبَت وَاحِد , عُرُوقهنَّ فِي الثَّرَى وَالْمَاء , فَبَيْنَا أَنْتَ تَقُول فِي نَفْسك : أَيّ شَيْء هَذَا ؟ ! هَؤُلَاءِ خُضْر مُثْمِرَات , وَهَؤُلَاءِ سُود يَابِسَات , وَالْمَنْبَت وَاحِد , وَأُصُولهنَّ فِي الْمَاء , إِذْ هَبَّتْ رِيح فَذَرَّتْ الْأَوْرَاق مِنْ الْيَابِسَات السُّود عَلَى الْخُضْر الْمُثْمِرَات , فَأَشْعَلَتْ فِيهِنَّ النَّار فَأَحْرَقَتْهُنَّ ; فَصِرْنَ سُودًا مُغْبَرَّات ; فَانْتَبَهْت مَذْعُورًا أَيّهَا الْمَلِك ; فَقَالَ الْمَلِك : وَاَللَّه مَا شَأْن هَذِهِ الرُّؤْيَا وَإِنْ كَانَ عَجَبًا بِأَعْجَب مِمَّا سَمِعْت مِنْك ! فَمَا تَرَى فِي رُؤْيَايَ أَيّهَا الصِّدِّيق ؟ فَقَالَ يُوسُف : أَرَى أَنْ تَجْمَع الطَّعَام , وَتَزْرَع زَرْعًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُخْصِبَة ; فَإِنَّك لَوْ زَرَعْت عَلَى حَجَر أَوْ مَدَر لَنَبَتَ , وَأَظْهَر اللَّه فِيهِ النَّمَاء وَالْبَرَكَة , ثُمَّ تَرْفَع الزَّرْع فِي قَصَبه وَسُنْبُله تَبْنِي لَهُ الْمَخَازِن الْعِظَام ; فَيَكُون الْقَصَب وَالسُّنْبُل عَلَفًا لِلدَّوَابِّ , وَحَبّه لِلنَّاسِ , وَتَأْمُر النَّاس فَيَرْفَعُونَ مِنْ طَعَامهمْ إِلَى أَهْرَائِك الْخُمُس ; فَيَكْفِيك مِنْ الطَّعَام الَّذِي جَمَعْته لِأَهْلِ مِصْر وَمَنْ حَوْلهَا , وَيَأْتِيك الْخَلْق مِنْ النَّوَاحِي يَمْتَارُونَ مِنْك , وَيَجْتَمِع عِنْدك مِنْ الْكُنُوز مَا لَمْ يَجْتَمِع لِأَحَدٍ قَبْلك ; فَقَالَ الْمَلِك : وَمَنْ لِي بِتَدْبِيرِ هَذِهِ الْأُمُور ؟ وَلَوْ جَمَعَتْ أَهْل مِصْر جَمِيعًا مَا أَطَاقُوا , وَلَمْ يَكُونُوا فِيهِ أُمَنَاء ; فَقَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد ذَلِكَ : " اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض " [يُوسُف : 55] أَيْ عَلَى خَزَائِن أَرْضك ; وَهِيَ جَمْع خِزَانَة ; وَدَخَلَتْ الْأَلِف وَاللَّام عِوَضًا مِنْ الْإِضَافَة , كَقَوْلِ النَّابِغَة : لَهُمْ شِيمَة لَمْ يُعْطِهَا اللَّه غَيْرهمْ مِنْ الْجُود وَالْأَحْلَام غَيْر كَوَاذِب قَوْله تَعَالَى : " أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " جُزِمَ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : " ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " جَرَى فِي السِّجْن . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ جَرَى عِنْد الْمَلِك ثُمَّ قَالَ فِي مَجْلِس آخَر : " اِئْتُونِي بِهِ " [يُوسُف : 50] تَأْكِيدًا " أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " أَيْ أَجْعَلهُ خَالِصًا لِنَفْسِي , أُفَوِّض إِلَيْهِ أَمْر مَمْلَكَتِي ; فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهِ ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله : " فَلَمَّا كَلَّمَهُ "
{54} وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ أَيْ كَلَّمَ الْمَلِك يُوسُف , وَسَأَلَهُ عَنْ الرُّؤْيَا فَأَجَابَ يُوسُف ;
{54} وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ف " قَالَ " الْمَلِك : " إِنَّك الْيَوْم لَدَيْنَا مَكِين أَمِين " أَيْ مُتَمَكِّن نَافِذ الْقَوْل ,
{54} وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ لَا تَخَاف غَدْرًا .
{55} قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " قَالَ اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض " قَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : مِصْر خِزَانَة الْأَرْض ; أَمَا سَمِعْت إِلَى قَوْله : " اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض " أَيْ عَلَى حِفْظهَا , فَحَذَفَ الْمُضَاف . " إِنِّي حَفِيظ " لِمَا وُلِّيت " عَلِيم " بِأَمْرِهِ . وَفِي التَّفْسِير : إِنِّي حَاسِب كَاتِب ; وَأَنَّهُ أَوَّل مَنْ كَتَبَ فِي الْقَرَاطِيس . وَقِيلَ : " حَفِيظ " لِتَقْدِيرِ الْأَقْوَات " عَلِيم " بِسِنِي الْمَجَاعَات . قَالَ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَحِمَ اللَّه أَخِي يُوسُف لَوْ لَمْ يَقُلْ اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَته وَلَكِنْ أُخِّرَ ذَلِكَ عَنْهُ سَنَة ) . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا اِنْصَرَمَتْ السَّنَة مِنْ يَوْم سَأَلَ الْإِمَارَة دَعَاهُ الْمَلِك فَتَوَجَّهَ وَرَدَّاهُ بِسَيْفِهِ , وَوَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِنْ ذَهَب , مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوت , وَضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّة مِنْ إِسْتَبْرَق ; وَكَانَ طُول السَّرِير ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضه عَشَرَة أَذْرُع , عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ فِرَاشًا وَسِتُّونَ مِرْفَقَة , ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُج , فَخَرَجَ مُتَوَّجًا , لَوْنه كَالثَّلْجِ , وَوَجْهه كَالْقَمَرِ ; يَرَى النَّاظِر وَجْهه مِنْ صَفَاء لَوْن وَجْهه , فَجَلَسَ عَلَى السَّرِير وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوك , وَدَخَلَ الْمَلِك بَيْته مَعَ نِسَائِهِ , وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْر مِصْر , وَعَزْل قطفير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يُوسُف مَكَانه . قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ لِفِرْعَوْن مَلِك مِصْر خَزَائِن كَثِيرَة غَيْر الطَّعَام , فَسَلَّمَ سُلْطَانه كُلّه إِلَيْهِ , وَهَلَكَ قطفير تِلْكَ اللَّيَالِي , فَزَوَّجَ الْمَلِك يُوسُف راعيل اِمْرَأَة الْعَزِيز , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَ : أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْت تُرِيدِينَ ؟ ! فَقَالَتْ : أَيّهَا الصِّدِّيق لَا تَلُمْنِي ; فَإِنِّي كُنْت اِمْرَأَة حَسْنَاء نَاعِمَة كَمَا تَرَى , وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاء , وَكُنْت كَمَا جَعَلَك اللَّه مِنْ الْحُسْن فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي . فَوَجَدَهَا يُوسُف عَذْرَاء فَأَصَابَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلَيْنِ : إفراثيم بْن يُوسُف , ومنشا بْن يُوسُف . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : إِنَّمَا كَانَ تَزْوِيجه زليخاء اِمْرَأَة الْعَزِيز بَيْن دَخْلَتَيْ الْإِخْوَة , وَذَلِكَ أَنَّ زليخاء مَاتَ زَوْجهَا وَيُوسُف فِي السِّجْن , وَذَهَبَ مَالهَا وَعَمِيَ بَصَرهَا بُكَاء عَلَى يُوسُف , فَصَارَتْ تَتَكَفَّف النَّاس , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْحَمهَا , وَكَانَ يُوسُف يَرْكَب فِي كُلّ أُسْبُوع مَرَّة فِي مَوْكِب زُهَاء مِائَة أَلْف مِنْ عُظَمَاء قَوْمه , فَقِيلَ لَهَا : لَوْ تَعَرَّضْت لَهُ لَعَلَّهُ يُسْعِفك بِشَيْءٍ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : لَا تَفْعَلِي , فَرُبَّمَا ذَكَرَ بَعْض مَا كَانَ مِنْك مِنْ الْمُرَاوَدَة وَالسِّجْن فَيُسِيء إِلَيْك , فَقَالَتْ : أَنَا أَعْلَم بِخُلُقِ حَبِيبِي مِنْكُمْ , ثُمَّ تَرَكْته حَتَّى إِذَا رَكِبَ فِي مَوْكِبه , قَامَتْ فَنَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتهَا : سُبْحَان مَنْ جَعَلَ الْمُلُوك عَبِيدًا بِمَعْصِيَتِهِمْ , وَجَعَلَ الْعَبِيد مُلُوكًا بِطَاعَتِهِمْ , فَقَالَ يُوسُف : مَا هَذِهِ ؟ فَأَتَوْا بِهَا ; فَقَالَتْ : أَنَا الَّتِي كُنْت أَخْدُمك عَلَى صُدُور قَدَمِي , وَأُرَجِّل جُمَّتك بِيَدِي , وَتَرَبَّيْت فِي بَيْتِي , وَأَكْرَمْت مَثْوَاك , لَكِنْ فَرَطَ مَا فَرَطَ مِنْ جَهْلِي وَعُتُوِّي فَذُقْت وَبَال أَمْرِي , فَذَهَبَ مَالِي , وَتَضَعْضَعَ رُكْنِي , وَطَالَ ذُلِّي , وَعَمِيَ بَصَرِي , وَبَعْدَمَا كُنْت مَغْبُوطَة أَهْل مِصْر صِرْت مَرْحُومَتهمْ , أَتَكَفَّف النَّاس , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمنِي , وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْحَمنِي , وَهَذَا جَزَاء الْمُفْسِدِينَ ; فَبَكَى يُوسُف بُكَاء شَدِيدًا , ثُمَّ قَالَ لَهَا : هَلْ بَقِيت تَجِدِينَ مِمَّا كَانَ فِي نَفْسك مِنْ حُبّك لِي شَيْئًا ؟ فَقَالَتْ : وَاَللَّه لَنَظْرَة إِلَى وَجْهك أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا , لَكِنْ نَاوِلْنِي صَدْر سَوْطك , فَنَاوَلَهَا فَوَضَعْته عَلَى صَدْرهَا , فَوَجَدَ لِلسَّوْطِ فِي يَده اِضْطِرَابًا وَارْتِعَاشًا مِنْ خَفَقَان قَلْبهَا , فَبَكَى ثُمَّ مَضَى إِلَى مَنْزِله فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا : إِنْ كُنْت أَيّمَا تَزَوَّجْنَاك , وَإِنْ كُنْت ذَات بَعْل أَغْنَيْنَاك , فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ : أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ يَسْتَهْزِئ بِي الْمَلِك ! لَمْ يُرِدْنِي أَيَّام شَبَابِي وَغِنَايَ وَمَالِي وَعِزِّي أَفَيُرِيدنِي الْيَوْم وَأَنَا عَجُوز عَمْيَاء فَقِيرَة ؟ ! فَأَعْلَمَهُ الرَّسُول بِمَقَالَتِهَا , فَلَمَّا رَكِبَ فِي الْأُسْبُوع الثَّانِي تَعَرَّضْت لَهُ , فَقَالَ لَهَا : أَلَمْ يَبْلُغك الرَّسُول ؟ فَقَالَتْ : قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ نَظْرَة وَاحِدَة إِلَى وَجْهك أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ; فَأَمَرَ بِهَا فَأُصْلِحَ مِنْ شَأْنهَا وَهُيِّئَتْ , ثُمَّ زُفَّتْ إِلَيْهِ , فَقَامَ يُوسُف يُصَلِّي وَيَدْعُو اللَّه , وَقَامَتْ وَرَاءَهُ , فَسَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعِيد إِلَيْهَا شَبَابهَا وَجَمَالهَا وَبَصَرهَا , فَرَدَّ اللَّه عَلَيْهَا شَبَابهَا وَجَمَالهَا وَبَصَرهَا حَتَّى عَادَتْ أَحْسَن مَا كَانَتْ يَوْم رَاوَدَتْهُ , إِكْرَامًا لِيُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا عَفَّ عَنْ مَحَارِم اللَّه , فَأَصَابَهَا فَإِذَا هِيَ عَذْرَاء , فَسَأَلَهَا ; فَقَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّ زَوْجِي كَانَ عِنِّينًا لَا يَأْتِي النِّسَاء , وَكُنْت أَنْتَ مِنْ الْحُسْن وَالْجَمَال بِمَا لَا يُوصَف ; قَالَ : فَعَاشَا فِي خَفْض عَيْش , فِي كُلّ يَوْم يُجَدِّد اللَّه لَهُمَا خَيْرًا , وَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ ; إفراثيم ومنشا . وَفِيمَا رُوِيَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَلْقَى فِي قَلْب يُوسُف مِنْ مَحَبَّتهَا أَضْعَاف مَا كَانَ فِي قَلْبهَا , فَقَالَ لَهَا : مَا شَأْنك لَا تُحِبِّينَنِي كَمَا كُنْت فِي أَوَّل مَرَّة ؟ فَقَالَتْ لَهُ : لَمَّا ذُقْت مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى شَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ كُلّ شَيْء .
الثَّانِيَة : قَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : فِي هَذِهِ الْآيَة مَا يُبِيح لِلرَّجُلِ الْفَاضِل أَنْ يَعْمَل لِلرَّجُلِ الْفَاجِر , وَالسُّلْطَان الْكَافِر , بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ يُفَوِّض إِلَيْهِ فِي فِعْل لَا يُعَارِضهُ فِيهِ , فَيُصْلِح مِنْهُ مَا شَاءَ ; وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَمَله بِحَسَبِ اِخْتِيَار الْفَاجِر وَشَهَوَاته وَفُجُوره فَلَا يَجُوز ذَلِكَ . وَقَالَ قَوْم : إِنَّ هَذَا كَانَ لِيُوسُف خَاصَّة , وَهَذَا الْيَوْم غَيْر جَائِز ; وَالْأَوَّل أَوْلَى إِذَا كَانَ عَلَى الشَّرْط الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : فَإِنْ كَانَ الْمُوَلِّي ظَالِمًا فَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي جَوَاز الْوِلَايَة مِنْ قِبَله عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا - جَوَازهَا إِذَا عَمِلَ بِالْحَقِّ فِيمَا تَقَلَّدَهُ ; لِأَنَّ يُوسُف وُلِّيَ مِنْ قِبَل فِرْعَوْن , وَلِأَنَّ الِاعْتِبَار فِي حَقّه بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْره . الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوز ذَلِكَ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَوَلِّي الظَّالِمِينَ بِالْمَعُونَةِ لَهُمْ , وَتَزْكِيَتهمْ بِتَقَلُّدِ أَعْمَالهمْ ; فَأَجَابَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَب عَنْ وِلَايَة يُوسُف مِنْ قِبَل فِرْعَوْن بِجَوَابَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ فِرْعَوْن يُوسُف كَانَ صَالِحًا , وَإِنَّمَا الطَّاغِي فِرْعَوْن مُوسَى . الثَّانِي : أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَمْلَاكه دُون أَعْمَاله , فَزَالَتْ عَنْهُ التَّبِعَة فِيهِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَالْأَصَحّ مِنْ إِطْلَاق هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُفَصَّل مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ جِهَة الظَّالِم عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام : أَحَدهَا : مَا يَجُوز لِأَهْلِهِ فِعْله مِنْ غَيْر اِجْتِهَاد فِي تَنْفِيذه كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَات , فَيَجُوز تَوَلِّيه مِنْ جِهَة الظَّالِم , لِأَنَّ النَّصّ عَلَى مُسْتَحِقّه قَدْ أَغْنَى عَنْ الِاجْتِهَاد فِيهِ , وَجَوَاز تَفَرُّد أَرْبَابه بِهِ قَدْ أَغْنَى عَنْ التَّقْلِيد . وَالْقِسْم الثَّانِي : مَا لَا يَجُوز أَنْ يَتَفَرَّدُوا بِهِ وَيَلْزَم الِاجْتِهَاد فِي مَصْرِفه كَأَمْوَالِ الْفَيْء , فَلَا يَجُوز تَوَلِّيه مِنْ جِهَة الظَّالِم ; لِأَنَّهُ يَتَصَرَّف بِغَيْرِ حَقّ , وَيَجْتَهِد فِيمَا لَا يَسْتَحِقّ . وَالْقِسْم الثَّالِث : مَا يَجُوز أَنْ يَتَوَلَّاهُ لِأَهْلِهِ , وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَدْخَل كَالْقَضَايَا وَالْأَحْكَام , فَعَقْد التَّقْلِيد مَحْلُول , فَإِنْ كَانَ النَّظَر تَنْفِيذًا لِلْحُكْمِ بَيْن مُتَرَاضِيَيْنِ , وَتَوَسُّطًا بَيْن مَجْبُورَيْنِ جَازَ , وَإِنْ كَانَ إِلْزَام إِجْبَار لَمْ يَجُزْ .
الثَّالِثَة : وَدَلَّتْ الْآيَة أَيْضًا عَلَى جَوَاز أَنْ يَخْطُب الْإِنْسَان عَمَلًا يَكُون لَهُ أَهْلًا ; فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة قَالَ قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا عَبْد الرَّحْمَن لَا تَسْأَل الْإِمَارَة فَإِنَّك إِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَة وُكِلْت إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ غَيْر مَسْأَلَة أُعِنْت عَلَيْهَا ) . وَعَنْ أَبِي بُرْدَة قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى : أَقْبَلْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ , أَحَدهمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَر عَنْ يَسَارِي , فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَل , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاك , فَقَالَ : ( مَا تَقُول يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس ) . قَالَ قُلْت : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسهمَا , وَمَا شَعَرْت أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَل , قَالَ : وَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى سِوَاكه تَحْت شَفَته وَقَدْ قَلَصَتْ , فَقَالَ : ( لَنْ - أَوْ - لَا نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ ) وَذَكَرَ الْحَدِيث ; خَرَّجَهُ مُسْلِم أَيْضًا وَغَيْره ; فَالْجَوَاب : أَوَّلًا : أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا طَلَبَ الْوِلَايَة لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَحَد يَقُوم مَقَامه فِي الْعَدْل وَالْإِصْلَاح وَتَوْصِيل الْفُقَرَاء إِلَى حُقُوقهمْ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْض مُتَعَيِّن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْره , وَهَكَذَا الْحُكْم الْيَوْم , لَوْ عَلِمَ إِنْسَان مِنْ نَفْسه أَنَّهُ يَقُوم بِالْحَقِّ فِي الْقَضَاء أَوْ الْحِسْبَة وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُح وَلَا يَقُوم مَقَامه لَتَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَوَجَبَ أَنْ يَتَوَلَّاهَا وَيَسْأَل ذَلِكَ , وَيُخْبِر بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقّهَا بِهِ مِنْ الْعِلْم وَالْكِفَايَة وَغَيْر ذَلِكَ , كَمَا قَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام , فَأَمَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُوم بِهَا وَيَصْلُح لَهَا وَعَلِمَ بِذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَطْلُب ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام , لِعَبْدِ الرَّحْمَن : ( لَا تَسْأَل الْإِمَارَة وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي سُؤَالهَا وَالْحِرْص عَلَيْهَا مَعَ الْعِلْم بِكَثْرَةِ آفَاتهَا وَصُعُوبَة التَّخَلُّص مِنْهَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبهَا لِنَفْسِهِ وَلِأَغْرَاضِهِ , وَمَنْ كَانَ هَكَذَا يُوشِك أَنْ تَغْلِب عَلَيْهِ نَفْسه فَيَهْلِك ; وَهَذَا مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وُكِلَ إِلَيْهَا ) وَمَنْ أَبَاهَا لِعِلْمِهِ بِآفَاتِهَا , وَلِخَوْفِهِ مِنْ التَّقْصِير فِي حُقُوقهَا فَرَّ مِنْهَا , ثُمَّ إِنْ اُبْتُلِيَ بِهَا فَيُرْجَى لَهُ التَّخَلُّص مِنْهَا , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : ( أُعِينَ عَلَيْهَا ) . الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إِنِّي حَسِيب كَرِيم , وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْكَرِيم اِبْن الْكَرِيم اِبْن الْكَرِيم اِبْن الْكَرِيم يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) وَلَا قَالَ : إِنِّي جَمِيل مَلِيح , إِنَّمَا قَالَ : " إِنِّي حَفِيظ عَلِيم " فَسَأَلَهَا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْم , لَا بِالنَّسَبِ وَالْجَمَال . الثَّالِث : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْد مَنْ لَا يَعْرِفهُ فَأَرَادَ تَعْرِيف نَفْسه , وَصَارَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْله تَعَالَى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ " . الرَّابِع : أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْره , وَهُوَ الْأَظْهَر , وَاَللَّه أَعْلَم .
الرَّابِعَة وَدَلَّتْ الْآيَة أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوز لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصِف نَفْسه بِمَا فِيهِ مِنْ عِلْم وَفَضْل ; قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاق فِي عُمُوم الصِّفَات , وَلَكِنَّهُ مَخْصُوص فِيمَا اِقْتَرَنَ بِوَصْلِهِ , أَوْ تَعَلَّقَ بِظَاهِرٍ مِنْ مَكْسَب , وَمَمْنُوع مِنْهُ فِيمَا سِوَاهُ , لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَة وَمُرَاءَاة , وَلَوْ مَيَّزَهُ الْفَاضِل عَنْهُ لَكَانَ أَلْيَق بِفَضْلِهِ ; فَإِنَّ يُوسُف دَعَتْهُ الضَّرُورَة إِلَيْهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ حَاله , وَلِمَا يَرْجُو مِنْ الظَّفَر بِأَهْلِهِ .
{56} وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ وَمِثْل هَذَا الْإِنْعَام الَّذِي أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ فِي تَقْرِيبه إِلَى قَلْب الْمَلِك , وَإِنْجَائِهِ مِنْ السِّجْن مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض ; أَيْ أَقَدَرْنَاهُ عَلَى مَا يُرِيد . وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ قَوْله تَعَالَى : " وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُف فِي الْأَرْض " دَلِيل عَلَى إِجَازَة الْحِيلَة فِي التَّوَصُّل إِلَى الْمُبَاح , وَمَا فِيهِ الْغِبْطَة وَالصَّلَاح , وَاسْتِخْرَاج الْحُقُوق , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث " [ص : 44] وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ فِي عَامِل خَيْبَر , وَاَلَّذِي أَدَّاهُ مِنْ التَّمْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَالَهُ . قُلْت : وَهَذَا مَرْدُود عَلَى مَا يَأْتِي . يُقَال : مَكَّنَّاهُ وَمَكَّنَّا لَهُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْض مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ " [الْأَنْعَام : 6] . قَالَ الطَّبَرِيّ : اِسْتَخْلَفَ الْمَلِك الْأَكْبَر الْوَلِيد بْن الرَّيَّان يُوسُف عَلَى عَمَل إطفير وَعَزَلَهُ ; قَالَ مُجَاهِد : وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَلَّكَهُ بَعْد سَنَة وَنِصْف . وَرَوَى مُقَاتِل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ أَنَّ يُوسُف قَالَ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم إِنْ شَاءَ اللَّه لَمُلِّكَ فِي وَقْته ) . ثُمَّ مَاتَ إطفير فَزَوَّجَهُ الْوَلِيد بِزَوْجَةِ إطفير راعيل , فَدَخَلَ بِهَا يُوسُف فَوَجَدَهَا عَذْرَاء , وَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ : إفراثيم ومنشا , اِبْنَيْ يُوسُف , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا زليخاء قَالَ : لَمْ يَتَزَوَّجهَا يُوسُف , وَأَنَّهَا لَمَّا رَأَتْهُ فِي مَوْكِبه بَكَتْ , ثُمَّ قَالَتْ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمُلُوك عَبِيدًا بِالْمَعْصِيَةِ , وَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَبِيد بِالطَّاعَةِ مُلُوكًا , فَضَمَّهَا إِلَيْهِ , فَكَانَتْ مِنْ عِيَاله حَتَّى مَاتَتْ عِنْده , وَلَمْ يَتَزَوَّجهَا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ ; وَهُوَ خِلَاف مَا تَقَدَّمَ عَنْ وَهْب , وَذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَلَمَّا فَوَّضَ الْمَلِك أَمْر مِصْر إِلَى يُوسُف تَلَطَّفَ بِالنَّاسِ , وَجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى آمَنُوا بِهِ , وَأَقَامَ فِيهِمْ الْعَدْل , فَأَحَبَّهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء , قَالَ وَهْب وَالسُّدِّيّ وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمْ : ثُمَّ دَخَلَتْ السُّنُونَ الْمُخْصِبَة , فَأَمَرَ يُوسُف بِإِصْلَاحِ الْمَزَارِع , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَوَسَّعُوا فِي الزِّرَاعَة , فَلَمَّا أَدْرَكَتْ الْغَلَّة أَمَرَ بِهَا فَجُمِعَتْ , ثُمَّ بَنَى لَهَا الْأَهْرَاء , فَجُمِعَتْ فِيهَا فِي تِلْكَ السَّنَة غَلَّة ضَاقَتْ عَنْهَا الْمَخَازِن لِكَثْرَتِهَا , ثُمَّ جَمَعَ عَلَيْهِ غَلَّة كُلّ سَنَة كَذَلِكَ , حَتَّى إِذَا اِنْقَضَتْ السَّبْع الْمُخْصِبَة وَجَاءَتْ السُّنُونَ الْمُجْدِبَة نَزَلَ جِبْرِيل وَقَالَ : يَا أَهْل مِصْر جُوعُوا ; فَإِنَّ اللَّه سَلَّطَ عَلَيْكُمْ الْجُوع سَبْع سِنِينَ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْحِكْمَة : لِلْجُوعِ وَالْقَحْط عَلَامَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّ النَّفْس تُحِبّ الطَّعَام أَكْثَر مِنْ الْعَادَة , وَيُسْرِع إِلَيْهَا الْجُوع خِلَاف مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ , وَتَأْخُذ مِنْ الطَّعَام فَوْق الْكِفَايَة . وَالثَّانِيَة : أَنْ يُفْقَد الطَّعَام فَلَا يُوجَد رَأْسًا وَيَعِزّ إِلَى الْغَايَة , فَاجْتَمَعَتْ هَاتَانِ الْعَلَامَتَانِ فِي عَهْد يُوسُف , فَانْتَبَهَ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصِّبْيَان يُنَادُونَ الْجُوع الْجُوع ! وَيَأْكُلُونَ وَلَا يَشْبَعُونَ , وَانْتَبَهَ الْمَلِك , يُنَادِي الْجُوع الْجُوع ! قَالَ : فَدَعَا لَهُ يُوسُف فَأَبْرَأهُ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ أَصْبَحَ فَنَادَى يُوسُف فِي أَرْض مِصْر كُلّهَا ; مَعَاشِر النَّاس ! لَا يَزْرَع أَحَد زَرْعًا فَيَضِيع الْبَذْر وَلَا يَطْلُع شَيْء . وَجَاءَتْ تِلْكَ السُّنُونَ بِهَوْلٍ عَظِيم لَا يُوصَف ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا كَانَ اِبْتِدَاء الْقَحْط بَيْنَا الْمَلِك فِي جَوْف اللَّيْل أَصَابَهُ الْجُوع فِي نِصْف اللَّيْل , فَهَتَفَ الْمَلِك يَا يُوسُف ! الْجُوع الْجُوع ! فَقَالَ يُوسُف : هَذَا أَوَان الْقَحْط ; فَلَمَّا دَخَلَتْ أَوَّل سَنَة مِنْ سِنِي الْقَحْط هَلَكَ فِيهَا كُلّ شَيْء أَعَدُّوهُ فِي السِّنِينَ الْمُخْصِبَة , فَجَعَلَ أَهْل مِصْر يَبْتَاعُونَ الطَّعَام مِنْ يُوسُف ; فَبَاعَهُمْ أَوَّل سَنَة بِالنُّقُودِ , حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ دِينَار وَلَا دِرْهَم إِلَّا قَبَضَهُ ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الثَّانِيَة بِالْحُلِيِّ وَالْجَوَاهِر , حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي أَيْدِي النَّاس مِنْهَا شَيْء ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الثَّالِثَة بِالْمَوَاشِي وَالدَّوَابّ , حَتَّى اِحْتَوَى عَلَيْهَا أَجْمَعَ , وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الرَّابِعَة بِالْعَبِيدِ وَالْإِمَاء , حَتَّى اِحْتَوَى عَلَى الْكُلّ ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الْخَامِسَة بِالْعَقَارِ وَالضَّيَاع , حَتَّى مَلَكَهَا كُلّهَا ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة السَّادِسَة بِأَوْلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَاسْتَرَقَّهُمْ جَمِيعًا وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة السَّابِعَة بِرِقَابِهِمْ , حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي السَّنَة السَّابِعَة بِمِصْرَ حُرّ وَلَا عَبْد إِلَّا صَارَ عَبْدًا لَهُ ; فَقَالَ النَّاس : وَاَللَّه مَا رَأَيْنَا مَلِكًا أَجَلّ وَلَا أَعْظَم مِنْ هَذَا ; فَقَالَ يُوسُف لِمِلِكِ مِصْر : كَيْف رَأَيْت صُنْع رَبِّي فِيمَا خَوَّلَنِي ! وَالْآن كُلّ هَذَا لَك , فَمَا تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ : فَوَّضْت إِلَيْك الْأَمْر فَافْعَلْ مَا شِئْت , وَإِنَّمَا نَحْنُ لَك تَبَع ; وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْتَنْكِف عَنْ عِبَادَتك وَطَاعَتك , وَلَا أَنَا إِلَّا مِنْ بَعْض مَمَالِيكك , وَخَوِّلْ مَنْ خَوَّلَك ; فَقَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام : إِنِّي لَمْ أُعْتِقهُمْ مِنْ الْجُوع لِأَسْتَعْبِدهُمْ , وَلَمْ أُجِرْهُمْ مِنْ الْبَلَاء لِأَكُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاء ; وَإِنِّي أُشْهِد اللَّه وَأُشْهِدك أَنِّي أَعْتَقْت أَهْل مِصْر عَنْ آخِرهمْ , وَرَدَدْت عَلَيْهِمْ أَمْوَالهمْ وَأَمْلَاكهمْ , وَرَدَدْت عَلَيْك مُلْكك بِشَرْطِ أَنْ تَسْتَنّ بِسُنَّتِي . وَيُرْوَى أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَشْبَع مِنْ طَعَام فِي تِلْكَ السِّنِينَ , فَقِيلَ لَهُ : أَتَجُوعُ وَبِيَدِك خَزَائِن الْأَرْض ؟ فَقَالَ : إِنِّي أَخَاف إِنْ شَبِعْت أَنْ أَنْسَى الْجَائِع ; وَأَمَرَ يُوسُف طَبَّاخ الْمَلِك أَنْ يَجْعَل غِذَاءَهُ نِصْف النَّهَار , حَتَّى يَذُوق الْمَلِك طَعْم الْجُوع . فَلَا يَنْسَى الْجَائِعِينَ ; فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ الْمُلُوك غِذَاءَهُمْ نِصْف النَّهَار .
{56} وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ بِإِحْسَانِنَا ; وَالرَّحْمَة النِّعْمَة وَالْإِحْسَان .
{56} وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ ثَوَابهمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَوَهْب : يَعْنِي الصَّابِرِينَ ; لِصَبْرِهِ فِي الْجُبّ , وَفِي الرِّقّ , وَفِي السِّجْن , وَصَبْره عَنْ مَحَارِم اللَّه عَمَّا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْمَرْأَة . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَاخْتُلِفَ فِيمَا أُوتِيَهُ يُوسُف مِنْ هَذِهِ الْحَال عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ ثَوَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا اِبْتَلَاهُ . الثَّانِي : أَنَّهُ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِ , وَثَوَابه بَاقٍ عَلَى حَاله فِي الْآخِرَة .
{57} وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَيْ مَا نُعْطِيه فِي الْآخِرَة خَيْر وَأَكْثَر مِمَّا أَعْطَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ أَجْر الْآخِرَة دَائِم , وَأَجْر الدُّنْيَا يَنْقَطِع ; وَظَاهِر الْآيَة الْعُمُوم فِي كُلّ مُؤْمِن مُتَّقٍ ; وَأَنْشَدُوا : أَمَا فِي رَسُول اللَّه يُوسُف أُسْوَة لِمِثْلِك مَحْبُوسًا عَلَى الظُّلْم وَالْإِفْك أَقَامَ جَمِيل الصَّبْر فِي الْحَبْس بُرْهَة فَآلَ بِهِ الصَّبْر الْجَمِيل إِلَى الْمُلْك وَكَتَبَ بَعْضهمْ إِلَى صَدِيق لَهُ : وَرَاء مَضِيق الْخَوْف مُتَّسَع الْأَمْن وَأَوَّل مَفْرُوح بِهِ آخِر الْحُزْن فَلَا تَيْأَسَنْ فَاَللَّه مَلَّكَ يُوسُفَا خَزَائِنه بَعْد الْخَلَاص مِنْ السِّجْن وَأَنْشَدَ بَعْضهمْ : إِذَا الْحَادِثَات بَلَغْنَ النُّهَى وَكَادَتْ تَذُوب لَهُنَّ الْمُهَج وَحَلَّ الْبَلَاء وَقَلَّ الْعَزَاء فَعِنْد التَّنَاهِي يَكُون الْفَرَج وَالشِّعْر فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِير .
{58} وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَيْ جَاءُوا إِلَى مِصْر لَمَّا أَصَابَهُمْ الْقَحْط لِيَمْتَارُوا ; وَهَذَا مِنْ اِخْتِصَار الْقُرْآن الْمُعْجِز . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : لَمَّا أَصَابَ النَّاس الْقَحْط وَالشِّدَّة , وَنَزَلَ ذَلِكَ بِأَرْضِ كَنْعَان بَعَثَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام وَلَده لِلْمِيرَةِ , وَذَاعَ أَمْر يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْآفَاق , لِلِينِهِ وَقُرْبه وَرَحْمَته وَرَأْفَته وَعَدْله وَسِيرَته ; وَكَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام حِين نَزَلَتْ الشِّدَّة بِالنَّاسِ , يَجْلِس لِلنَّاسِ عِنْد الْبَيْع بِنَفْسِهِ , فَيُعْطِيهِمْ مِنْ الطَّعَام عَلَى عَدَد رُءُوسهمْ , لِكُلِّ رَأْس وَسْقًا .
{58} وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ يُوسُف
{58} وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ لِأَنَّهُمْ خَلَّفُوهُ صَبِيًّا , وَلَمْ يَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ بَعْد الْعُبُودِيَّة يَبْلُغ إِلَى تِلْكَ الْحَال مِنْ الْمَمْلَكَة , مَعَ طُول الْمُدَّة ; وَهِيَ أَرْبَعُونَ سَنَة . وَقِيلَ : أَنْكَرُوهُ لِأَنَّهُمْ اِعْتَقَدُوا أَنَّهُ مَلِك كَافِر : وَقِيلَ : رَأَوْهُ لَابِس حَرِير , وَفِي عُنُقه طَوْق ذَهَب , وَعَلَى رَأْسه تَاج , وَقَدْ تَزَيَّا بِزِيِّ فِرْعَوْن مِصْر ; وَيُوسُف رَآهُمْ عَلَى مَا كَانَ عَهِدَهُمْ فِي الْمَلْبَس وَالْحِلْيَة . وَيَحْتَمِل أَنَّهُمْ رَأَوْهُ وَرَاء سِتْر فَلَمْ يَعْرِفُوهُ . وَقِيلَ : أَنْكَرُوهُ لِأَمْرٍ خَارِق اِمْتِحَانًا اِمْتَحَنَ اللَّه بِهِ يَعْقُوب .
{59} وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يُقَال : جَهَّزْت الْقَوْم تَجْهِيزًا أَيْ تَكَلَّفْت لَهُمْ بِجَهَازِهِمْ لِلسَّفَرِ ; وَجَهَاز الْعَرُوس مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْإِهْدَاء إِلَى الزَّوْج ; وَجَوَّزَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ الْجِهَاز بِكَسْرِ الْجِيم ; وَالْجَهَاز فِي هَذِهِ الْآيَة الطَّعَام الَّذِي امْتَارُوهُ مِنْ عِنْده . قَالَ السُّدِّيّ : وَكَانَ مَعَ إِخْوَة يُوسُف أَحَد عَشَر بَعِيرًا , وَهُمْ عَشَرَة , فَقَالُوا لِيُوسُف : إِنَّ لَنَا أَخًا تَخَلَّفَ عَنَّا , وَبَعِيره مَعَنَا ; فَسَأَلَهُمْ لِمَ تَخَلَّفَ ؟ فَقَالُوا : لِحُبِّ أَبِيهِ إِيَّاهُ , وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَخ أَكْبَر مِنْهُ فَخَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّة فَهَلَكَ ; فَقَالَ لَهُمْ : أَرَدْت أَنْ أَرَى أَخَاكُمْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ , لِأَعْلَمَ وَجْه مَحَبَّة أَبِيكُمْ إِيَّاهُ , وَأَعْلَم صِدْقكُمْ ; وَيُرْوَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا عِنْده شَمْعُون رَهِينَة , حَتَّى يَأْتُوا بِأَخِيهِ بِنْيَامِين .
{59} وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ يُوسُف لِلتُّرْجُمَانِ قُلْ لَهُمْ : لُغَتكُمْ مُخَالِفَة لِلُغَتِنَا , وَزِيّكُمْ مُخَالِف لِزِيِّنَا , فَلَعَلَّكُمْ جَوَاسِيس ; فَقَالُوا : وَاَللَّه ! مَا نَحْنُ بِجَوَاسِيس , بَلْ نَحْنُ بَنُو أَب وَاحِد , فَهُوَ شَيْخ صِدِّيق ; قَالَ : فَكَمْ عِدَّتكُمْ ؟ قَالُوا : كُنَّا اِثْنَيْ عَشَر فَذَهَبَ أَخ لَنَا إِلَى الْبَرِّيَّة فَهَلَكَ فِيهَا ; قَالَ : فَأَيْنَ الْآخَر ؟ قَالُوا : عِنْد أَبِينَا ; قَالَ : فَمَنْ يَعْلَم صِدْقكُمْ ؟ قَالُوا : لَا يَعْرِفنَا هَاهُنَا أَحَد , وَقَدْ عَرَّفْنَاك أَنْسَابنَا , فَبِأَيِّ شَيْء تَسْكُن نَفْسك إِلَيْنَا ؟ فَقَالَ يُوسُف : " اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ; فَأَنَا أَرْضَى بِذَلِكَ
{59} وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أَيْ أُتِمّهُ وَلَا أَبْخَسهُ , وَأَزِيدكُمْ حِمْل بَعِير لِأَخِيكُمْ وَيَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي السِّعْر فَصَارَ زِيَادَة فِي الْكَيْل . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَالَ لَهُمْ بِمِكْيَالٍ وَافٍ .
{59} وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ خَيْر الْمُضِيفِينَ , لِأَنَّهُ أَحْسَنَ ضِيَافَتهمْ ; قَالَ مُجَاهِد . الثَّانِي : وَهُوَ مُحْتَمِل ; أَيْ خَيْر مَنْ نَزَلْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُونِينَ ; وَهُوَ عَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل مَأْخُوذ مِنْ النُّزُل وَهُوَ الطَّعَام , وَعَلَى الثَّانِي مِنْ الْمَنْزِل وَهُوَ الدَّار .
{60} فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ تَوَعَّدَهُمْ أَلَّا يَبِيعهُمْ الطَّعَام إِنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ . " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي " أَيْ فَلَا أَبِيعكُمْ شَيْئًا فِيمَا بَعْد , لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُمْ كَيْلهمْ فِي هَذِهِ الْحَال . " وَلَا تَقْرَبُونَ " أَيْ لَا أُنْزِلكُمْ عِنْدِي مَنْزِلَة الْقَرِيب , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يَبْعُدُونَ مِنْهُ وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى الْعَوْد حَثّهمْ . قَالَ السُّدِّيّ : وَطَلَبَ مِنْهُمْ رَهِينَة حَتَّى يَرْجِعُوا ; فَارْتَهَنَ شَمْعُون عِنْده ; قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّمَا اِخْتَارَ شَمْعُون مِنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْم الْجُبّ أَجْمَلَهُمْ قَوْلًا , وَأَحْسَنهمْ رَأْيًا . و " تَقْرَبُونَ " فِي مَوْضِع جَزْم بِالنَّهْيِ , فَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّون وَحُذِفَتْ الْيَاء ; لِأَنَّهُ رَأْس آيَة ; وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ " تَقْرَبُونَ " بِفَتْحِ النُّون .
{61} قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ أَيْ سَنَطْلُبُهُ مِنْهُ , وَنَسْأَلهُ أَنْ يُرْسِلهُ مَعَنَا .
{61} قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ أَيْ لَضَامِنُونَ الْمَجِيء بِهِ , وَمُحْتَالُونَ فِي ذَلِكَ .
مَسْأَلَة : إِنْ قِيلَ : كَيْف اِسْتَجَازَ يُوسُف إِدْخَال الْحُزْن عَلَى أَبِيهِ بِطَلَبِ أَخِيهِ ؟ قِيلَ لَهُ : عَنْ هَذَا أَرْبَعَة أَجْوِبَة : أَحَدهَا : يَجُوز أَنْ يَكُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَهُ بِذَلِكَ اِبْتِلَاء لِيَعْقُوب , لِيَعْظُم لَهُ الثَّوَاب ; فَاتَّبَعَ أَمْره فِيهِ . الثَّانِي : يَجُوز أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يُنَبِّه يَعْقُوب عَلَى حَال يُوسُف عَلَيْهِمَا السَّلَام . الثَّالِث : لِتَتَضَاعَف الْمَسَرَّة لِيَعْقُوب بِرُجُوعِ وَلَدَيْهِ عَلَيْهِ . الرَّابِع : لِيُقَدِّم سُرُور أَخِيهِ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَهُ قَبْل إِخْوَته ; لِمَيْلٍ كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ ; وَالْأَوَّل أَظْهَر . وَاَللَّه أَعْلَم .
{62} وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قَوْله تَعَالَى : " وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ " هَذِهِ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم ; وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم وَالنَّحَّاس وَغَيْرهمَا . وَقَرَأَ سَائِر الْكُوفِيِّينَ " لِفِتْيَانِهِ " وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; وَقَالَ : هُوَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه كَذَلِكَ . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَهُمَا لُغَتَانِ جَيِّدَتَانِ ; مِثْل الصِّبْيَان وَالصِّبْيَة قَالَ النَّحَّاس : " لِفِتْيَانِهِ " مُخَالِف لِلسَّوَادِ الْأَعْظَم ; لِأَنَّهُ فِي السَّوَاد لَا أَلِف فِيهِ وَلَا نُون , وَلَا يُتْرَك السَّوَاد الْمُجْتَمَع عَلَيْهِ لِهَذَا الْإِسْنَاد الْمُنْقَطِع ; وَأَيْضًا فَإِنَّ فِتْيَة أَشْبَه مِنْ فِتْيَان ; لِأَنَّ فِتْيَة عِنْد الْعَرَب لِأَقَلّ الْعَدَد , وَالْقَلِيل بِأَنْ يَجْعَلُوا الْبِضَاعَة فِي الرِّحَال أَشْبَه . وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة يُسَوُّونَ جَهَازهمْ , وَلِهَذَا أَمْكَنَهُمْ جَعْل بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالهمْ . وَيَجُوز أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا , وَكَانُوا أَعْوَانًا لَهُ , وَبِضَاعَتهمْ أَثْمَان مَا اِشْتَرَوْهُ مِنْ الطَّعَام . وَقِيلَ : كَانَتْ دَرَاهِم وَدَنَانِير . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : النِّعَال وَالْأُدْم وَمَتَاع الْمُسَافِر , وَيُسَمَّى رَحْلًا ; قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يُقَال لِلْوِعَاءِ رَحْل , وَلِلْبَيْتِ رَحْل . وَقَالَ : " لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا " لِجَوَازِ أَلَّا تَسْلَم فِي الطَّرِيق . وَقِيلَ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إِذَا وَجَدُوا ذَلِكَ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الطَّعَام إِلَّا بِثَمَنِهِ . قِيلَ : لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى الرُّجُوع لِشِرَاء الطَّعَام . وَقِيلَ : اِسْتَقْبَحَ أَنْ يَأْخُذ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَته ثَمَن الطَّعَام . وَقِيلَ : لِيَرَوْا فَضْله , وَيَرْغَبُوا فِي الرُّجُوع إِلَيْهِ .
{63} فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي " وَأَخْبَرُوهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرهمْ وَإِكْرَامهمْ إِيَّاهُ , وَأَنَّ شَمْعُون مُرْتَهَن حَتَّى يَعْلَم صِدْق قَوْلهمْ .
{63} فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ أَيْ قَالُوا عِنْد ذَلِكَ : " فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ " وَالْأَصْل نَكْتَال ; فَحُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ اللَّام لِلْجَزْمِ , وَحُذِفَتْ الْأَلِف لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَقِرَاءَة أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم " نَكْتَلْ " بِالنُّونِ وَقَرَأَ سَائِر الْكُوفِيِّينَ " يَكْتَلْ " بِالْيَاءِ ; وَالْأَوَّل اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , لِيَكُونُوا كُلّهمْ دَاخِلِينَ فِيمَنْ يَكْتَال ; وَزَعَمَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالْيَاءِ كَانَ لِلْأَخِ وَحْده . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْكَلَام مِنْ أَحَد جِهَتَيْنِ ; أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : فَأَرْسِلْ أَخَانَا يَكْتَلْ مَعَنَا ; فَيَكُون لِلْجَمِيعِ , أَوْ يَكُون التَّقْدِير عَلَى غَيْر التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ; فَيَكُون فِي الْكَلَام دَلِيل عَلَى الْجَمِيع , لِقَوْلِهِ : " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْل لَكُمْ عِنْدِي " .
{63} فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ مِنْ أَنْ يَنَالهُ سُوء .



المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تفسير القران الكريم