رغم ندرة البساتين كان الربيع يزهو, رسم ذاته العطرة بخيلاء, تمطى

بتلاوينه على بقايا بيارات في أطراف البلدة المجاورة, والبرتقال تنفس

أريجا طيبا, و شذا أزهار تسلل عبقا حتى حارات المخيم, أما الصبار فسيج

البساتين متعملقا شامخا, و هو يشهر ألواحه لتنغرز أشواكها في أكف

المتجرئين على ثمار البرتقال العليِّة, وأمّا الأحراش فعادت الجنة الحرام,

تشابكت و تعقدت فيها الأغصان, لا يدخلها غير كلاب عباس, وجيوش

الزواحف المنفلتة, لتنقش رمالها بآثار طقوسها المجنونة .
و في الظهيرة تدخل الحارة في سبات, الأولاد يختفون, و النسوة يتقلبن

على ظهورهن قرب الرجال, و تسري نمنمة ترخي ثقلا, فينام الناس نومة

القيلولة, ماء الصنبور ينقطع, و يخلو أسمنت قاعدته من المتزاحمات, و

فرن المخيم يغدو جحيما مهجورا, أما نول الحاج صالح فيمتطيه القماش,

و مكوكه يستلقي بعيدا

يأتي الحاج صالح من المرحاض المخصص في الحارة للرجال، و بيده

إبريق الفخار, يُعجل حتى لا يتكاثر مكتشفوه, وعنه تمر صبية خجلة تحمل

إبريقها, فتتجاهله منكّسة الرأس, و تمضي إلى مرحاض النساء

و يتعثر الحاج صالح في قمبازه, يتعثر في عقدته اليومية, امرأته هي

الأخرى تذهب أمام ناظريه, يعترض مرة و مرة, حتى تنفجر مهرولة,

ملعون الذي كان وراء بناء المراحيض في الشوارع .
قالوا لهم :
ــ ابنوها لنا في بيوتنا .
فردوا :
ــ هذه مؤقتة لأيام, ثم تعودون إلى مراحيضكم .
و إلى البيت يعود مستعجلا, ليأتي إلى قطعة الصابون, فتهرب من جوار

الزير الدجاجات المستأنسة بظله, يغسل يديه, و يتوضأ, ثم يصلي الظهر,

وعلى أسمنت الأرض تجاوره زوجته .
حملق في الليمونة المزهرة في صحن الدار, شتم بلفور و ابن غوريون, و

شتم جيوش السلاطين, التي غادرت المجدل بلا سابق إنذار, و رأى

طائرات اليهود الثلاث - أيامها - تأتي و تروح, لتصرع بصليات

( الفوكرز ) عسكر العرب المكشوفين, عائلة إبراهيم الهراس تمزقت و هم

في غفلة ينتفون ريش السمان, والبرميل الملتهب مزّق عائلة محمود

حجازي, أدخلها في حفرة معفرة بالنار والتراب, صبحية بدر وهي عروس

صُرعت خلف جدار, ومحارب أبو الذنين تجرأ؛ فزحف إلى المقبرة؛ ليحفر

قبرا لصبحية؛ فاندفن فيه, و استمرت السماء تقصف سبعة عشر يوما بلا

تمييز .
قالوا :
ــ لا تنسحبوا من غير أن تخبرونا .
و ردت عسكر العرب :
ــ عيب, نحن لا ننسحب .

و انسحبوا بأمر, تاركين الناس نهبا للطائرات .
الناس سألت :
إلى أين ؟
ــ قالوا :
ــ أيام و نعود نحن و أنتم
و شتم الحاج صالح بجوار زوجته
شتم اليهود و العرب و الأمم المتحدة, فسمع لغطا, ثم طرقا علي الباب, و

لما نهض وجد الجيران .
ــ أبو كلوسه جاءه الإفرح
مشى معهم إلى بيت أبي كلوسة
قال :
ــ الحمد لله الذي أراحه .
و قالوا :
ــ كم نازعه عزرائيل قبل أن يقطفه
قالوا :
ــ أيام لا نعرفه أميتٌ أم أحي
أبو كلوسة صنع الشاي لجيش العرب في مجدل عسقلان, وفي عصر يوم

عاد يهرول ممتقعا و يقول :
ــ ضاعت ذقوننا, و ضاعت البلاد
دخلت اليهود الساعة التاسعة من ذلك المساء, تمركزوا في مركز الشرطة

ليطلقوا النار كالمجانين, أبو كلوسة قرر أن يتسلل من الغرب ليعرف ما

يفعله اليهود, ثمة عربة جيب كانت تطلق و تمشط الطريق ما بين المجدل

و عسقلان, و لما تجرأ أبو كلوسة أكثر أصابوه, نزف فزحف إلى الكروم,

فحملوه إلى غزة و هو يقول :
ــ حرام عليكم, ادفنوني تحت جميزتي
مات الآن أبو كلوسة ،ارتاح، وأراح، جاءوه في غرفة القرميد, تقدم إليه

الحاج صالح، ليسدل له الجفنين, فتحرك الميت، وهمس:
ــ يا حاج صالح لا تدفني إلا في مجدل عسقلان
ارتعد الحاج صالح، ثم شهق، والميتُ رفع ذراعا و قال :

يحــ أريد أن أرتاح
و أكمل ليخنقهم :
ــ احملوني .
حملوه, فهمس :
ــ إلى مجدل عسقلان
كان كومة لحم تردد:
ــ هيا .
و حضرت البلدة لمشتهيها
لحظة الدفن
تهيج المحمول, رأي الآلاف على الشاطئ في (إبرة أيوب) تموج, وتمارس

ألعابها, فتقافز أبو كلوسة, صرع الشبان و سابق الفرسان, كأنه كان

يودع مجدل عسقلان .

في ثلاثاء نيسان الأخيرة . كان هناك يرضع رضعته الأخيرة, ازدان مع

الرجال بهنادي ' الألاجا و الشاهي ' وتباري معهم أمام الصبايا المتمايلات

بأثواب الحرير الشامي, كنّ هناك أمامهم يهزجن المواويل, و يناشدن

البحر المليح منح الشفاء للعليل, مثلما منح من قبل أيوب, و يطلبن

للعاقرة فرصة الحمل العزيز
في نيسان الأخير
استمروا إلى المساء, ثم انتقلوا إلى تلال عسقلان التاريخية, باتوا تحت

الأشجار, ثم تدفقوا على موسم وادي النمل, لا شيء يعكر صفوهم, إلى أن

قطف البحر قرص الشمس الباهت, لحظتها احتشدوا كأنهم إلى ساحة

الوغى ذاهبون, جيشا عرمرما تقودهم فرق الدراويش المرعدة, و الفرق

الكشفية صاحبة الطبول الهادرة .

في نيسان الأخير ...
انطلقت المدائح إلى العنان, و الناس رددوا بخوف ' دستور يا حسين '

يقودهم شيخ مجدلي خرج ممتطيا فرسه, و رأسه تزينه عمامة بيضاء,

رافعا ' سنجق ' الحسين, و عشرات المشايخ تجاوره, بألبسة تومض في

شمس الغسق المغادرة, كانت (الكاسات) تنصفق, و الطبل يجن, و زفة

( سنجق الدراويش) احتدمت من مقام الحسين إلى المجدل .

وهنا أطبق أبو كلوسه عينيه, فثقل على الرؤوس, ومضوا لا يدرون إلى

أين

اتجهوا جنوبا, ثم غربا, ففوجئوا بالأمر :
ــ شمالا يا ربع, شمالا
صدقت الناس المعجزة, فأمسوا في رحلة العودة يمضون واثقين, انشرحت

الصدور, حتى أن الحاج صالح قال :
ــ لم نحضر الفؤوس لهدم السياج
و قالت العجوز صفية :
ــ ادفنوه بجوار زوجي و طفلي
فهاجت نداءات :
ــ عند أمي
ــ عند أخوتي
ــ عند أبي و جدي .
فرفع أبو كلوسة رأسه, مبتسما في الحفل المريع, و صاح :
ــ الآن ارتحت
و شهق .
  • -bbbbbb-

    • في تلك الليلة ناموا مفجوعين, عادوا مع أبي كلوسه بنظرهم إلى البلاد,

      لامست عيونهم الحدود, زاروا سماءهم, فرمقوا طيورا محلقة هناك,

      فرضي أبو كلوسة و مات .
      ناموا مثقلين .
      تمطي الحاج صالح, ثم تنهد فجاء الجراد
      رآه بأم عينه, هجم تدفعه السماء بالطائرة المجنونة, في البدء, كانت

      قيلولة سماء راكدة، ونهارٍ أصفر.
      و أول ما كان, هدير الطائرة .
      قالوا :
      ــ هجموا .
      لكن الجراد هو الذي هجم, جاء بجحافله الأولى ,
      فقالوا :
      ــ الطائرة ترش رصاصا يتطاير .
      ــ ترشنا حصىً منثورا .
      و صار الفراغ طبقا جهنميا, سدّ الكون فانطفأت عين الشمس
      ثمّ هوى الجرادُ
      انقض على أغصان الأحراش, فأمست عناقيد حمراء بأجنحة متزاحمة

      تهتز, شجرة الكينيا أصبحت طودا محمرا, و التوتة الكبيرة الرابضة على

      مدخل القصر الكبير أمطرت جرادا، أخذ يتراقص بحجم حبة السردين,

      وليمونة العجوز صفية اهتزت, فلطمت صاحبتها, الجراد اكتسح كل

      التفاصيل، وحتى دجاجات الحارة تصايحن, نول الحاج صالح رآه عفريتا

      يتقطع, و رأى هول الأهوال , المنجد خليل التلمس ينهض, ليتمطى كالقادم

      من صحبة أهل الكهف, رمق الجراد, ثم غادر أرض الكينيا, ليغوص في

      الأحراش، ثم يعود, و بيده ذات البندقية, و صاح الحاج صالح :
      ــ يا منجد خليل
      و تصايحت الناس, أطلق المنجد خليل رصاصاته, أطلقها بإتقان حبة،

      حبة . لكن الجراد أمام الطائرة زحف فوقهم غيوما حمراء. و رأى الحاج

      صالح ولده يلتقط جرادة كبيرة, داعبها, ثم قطع رأسها, فانسحبت معه

      الأمعاء, التهمها الولدُ العفريتُ صارخا:
      ــ كلوه
      و استطال الولد العفريت, كبر و صاح :
      ــ كلوه يا ناس قبل أن يأكلكم
      فاتبعوه, استحسنوا السمين، فصفوه في صوان, فرن المخيم نشط, و

      الجراد أضحى بروتينا مرصوصا . بعدها الأشياء اتشحت بالرماد, لكنّ

      الأحراش صارت عيدانا تجردت, وشجرة الكينيا انتصبت وسط الحارة

      تشهر عصيا واقفة, و توتة القصر الكبير معوجةً تعرّت, و ظلت العجوز

      صفيه حائرة ترقب ليمونتها, والمنجد خليل كان لم يزل علي انكفاءته,

      رأسه تأتي و تروح,والولد العفريت عاد يجاوره غارقا في تأمله, أما الشيخ

      قدوحة فكان يتقلب، وينتفض, والحاج صالح حلقه يغصُ مذهولا بزوجته

      التي في نومها تموج، و تصيح :
      ــ الجراد
      و في المساء, كادت الناس يصيبها مسّ, عندما تحادثت عن كابوس

      جماعي امتطاهم
    • -bbbbbb--bbbbbb-

    جاء الصيف, و حرارته أضحت سياطا, عندها حمي الوسيط, و استبسل

الجميع في الاستماع إلى المذياع الكبير,
الشقيري عاد إلى المدرسة, و الناس هتفت :
ــ شعبك جبار يا عروبة, حديد و نار يا عروبة .
الأناشيد صدحت, غنوا مع المذياع :
ــ راجعين بقوة السلاح
راجعين كما رجع الصباح
من بعد ليلة مظلمة .
ثم هزجوا مع صوت محطة أخرى :
ــ إدبح يا خيّ اذبح
رددوا الأغنية ثملين, و هم يدبكون, ذابحين بأياديهم الهواء
و عاد المذيع يصيح :
ــ يا عرب, أن الأوان يا عرب .
فهللوا, و زغردت النسوة .
و هدرت أغنية .
ــ في البحر حندفنكم .
و صرخ المذيع صاحب الصوت الثخين :
ــ تجوّع يا سمك .
و مطّ الكلمات المتوعدة .
ــ تجوّع, تجوّع .
صعدوا الآفاق, طافت البلاد و جاءت, البيوت و الكروم
و البحور و القبور .
غنوا جماعة :
ــ جيشنا, جيشنا .
و طعنهم الشيخ قدوحة :
ــ خراب
و في اليوم التالي تجمعوا على عجل حول المذيع, قيل جمال عبد الناصر

سيخطب, انتظروه و تعلقوا بالمفاتيح, لهثوا مع الرئيس, وتقطعت

الأنفاس, جاء صوته قويا رنانا, هاجم إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل،

فضربت أيادي الناس الفراغ, أعلن عن طرد مراقبي الأمم المتحدة, و

إغلاق خليج العقبة . فتصايحت الناس, الدنيا الآن ستنفجر .
رقصوا و هتفوا .
ــ الحرب, الحرب
هاجوا, و جروا إلى الشارع العام، انطلق الجنود, والمدنيون حفروا

الخنادق في الأزقة وفي الأحراش, ومرّت صفيةُ العجوز بالحاج صالح

الضارب معوّله في الأرض و صاحت :
ــ لا تحفر, فقط احزم المتاع.
المعلم فاروق خطب في الطابور :
ـ أبنائي الطلبة, الآن ستبدأ حرب التحرير, و اللاجئون يعودون .
فهتفت الأولاد, و عيونهم معلقة في السماء .
الصبية تهاني تسللت حذرة إلى الكينيا, رق القلب و داعبه الشوق, اقتربت

من المتعبد تحتها و لامسته, جاءت في غفلة إلى شفتيه و لثمته, فانتفض

و وقف كما لم يقف منذ شهور ..
كادت تزغرد, رأت بريقا يتماوج في عينيه, تشجعت فأمسكت بيده, قررت

أن تأخذه, لكن المنجد خليل تحدث ,
ــ عودي .
صدمها, فانكسرت, و لمّا تذهب. توجهت بعينها إلى الولد العفريت:
- و أنت يا أبو سرة
لكن الولد العفريت لم يجب كان تعلق بالمنجد خليل, ثم هتف :
ــ أنت تتحدث يا منجد خليل
و ظل ينط حتى وصل عنقه, طوّقه، و قبّله, ثم صاح :
ــ عودي يا عفريتة .


رواية, الجزء الخامس, عمر حمش

المراجع

موسوعة الصداقة الثقافية

التصانيف

تصنيف :فنون   أدب  أدب عربي