عبد معروف 

تعد صخرة الروشة واحدة من أروع معالم السياحة في بيروت، ومن أشهر المعالم الأثرية في لبنان عامة، وهي عبارة عن صخرتين هائلتي الحجم، إحداهما أكبر من الثانية، والكبيرة هي الصَخرة المجوفة من أسفلها، ويبلغ ارتفاعها ما يقارب 70 مترا، ويبلغ ارتفاع الصخرة الثانية الصغيرة حوالي 25 مترا وقد تأثرت بعوامل التعرية الجوية التي تعرضت لها عبر الزمن، ما أدى إلى جعلها مُدببة الشكل.

احتار علماء الجيولوجيا في معرفة عمرها الحقيقي والكيفية التي تكونت بها، ويقال إنها تكونت منذ آلاف السنين نتيجة الزلازل القوية التي قضت على العديد من الجزر المأهولة في ذلك الوقت وظهرت بدلا منها صخور عديدة منها الروشة وغير ذلك من الاجتهادات.

وقد عثر علماء الآثار في صخرة الروشة على صوان وأدوات أساسية تم عرضها في المتحف الأثري في الجامعة الأمريكية في بيروت، والتي تدل على أن الإنسان قد سكنها قديما.

وإطلاق كلمة “روشة” على هذه الصخرة يعود إلى أصل آرامي، حيث تلفظ “روش” وتعني بالعربية رأس، إلا أن بعض الباحثين يرون أن اللفظة جاءت من أصل فرنسي، حيث تعني كلمة “روش” باللغة الفرنسية الصخرة، ويرجح أن التسمية لم تطلق عليها إلاّ خلال فترة الحكم الفرنسي للبنان.

كانت صخرة الروشة في بيروت إحدى المحطات الأساسية لمستشرقي القرنين الثامن والتاسع عشر الذين وفدوا لاستكشاف الشرق الأوسط في ظل الحكم العثماني. وتبرز الصخرة وتطغى بوضوح على سائر المشهد في الرسومات التي أعدّها أولئك المستكشفون الأوائل، وبين عامي 1831 و1840 أثناء حملة محمد علي باشا على بلاد الشام – أطلق الكثير من الخبراء الفرنسيين الذين رافقوا ابراهيم باشا اسم “لا روشيه” على هذا الموقع الصخري، بعدما كان يُعرَف سابقاً باسم “مغارة الحمام”.

حقول التوت

عدد هائل من مخطوطات القرن التاسع عشر تصف بيروت من خلال صخرتها، في ذلك الوقت، كان ما يعرف اليوم بمنطقة الروشة عبارة عن مساحة زراعية شاسعة، فيها أنواع مختلفة من الزراعات. فحقول التوت كانت منتشرة على السهول المطلة على البحر، وأشجار الصبار كانت تفصل بين الحقل والآخر. وفي مطلع القرن العشرين، كانت حقول الخس وبساتين أخرى منتشرة في منطقة الروشة من بيروت. وبقيت المنطقة على حالها حتى خمسينيات القرن الماضي حين بدأت عمليات البناء فيها. كانت بيروت في تلك المرحلة تتحول إلى معلم أساسي للسياحة في المنطقة، وكانت الناحية الأكثر جاذبية فيها في اتجاه ساحلها: منطقة ذات بولفارات واسعة على الطريقة الباريسية، فيها أشجار نخيل، ومقاهٍ على الكورنيش تطل على البحر الذي تتلاطم أمواجه على هذه الكتلة الصخرية في خليج صخرة الروشة.

حركة الحداثة

تظهر خريطة بيروت للعام 1961 فنادق فخمة عدّة أقيمت في منطقة الروشة وتطل على البحر: فندق “فيدرال” وفندق “الكارلتون” فضلاً عن مبانٍ سكنية فخمة صممها معماريون مشهورون مثل “مبنى شمص” لفيليب كرم، ومبنيي “شيل” و”غندور” من تصميم واثق أديب وكارل شاير. ينتمي هؤلاء المعماريون إلى ما يسمى بحركة الحداثة في لبنان، التي تحّدر روادها من عائلات ذات نفوذ اجتماعي وسياسي، وخاصةٍ العائلات الإقطاعية والطبقة البورجوازية المدينية. طغت هذه المباني الحديثة و”أساليب الحياة” التي روّجت لها على البطاقات البريدية لبيروت الستينيات. المطاعم المزدهرة والفنادق الفاخرة والمسابح الخاصة والمباني العالية والسيارات الجديدة، مع خلفية صخرة الروشة، كانت الوحيدة الحاضرة في البطاقات البريدية لبيروت، لا سيما في العام 1967 السنة السياحية العالمية لبيروت. جميعها مثلت انعكاساً لاقتصاد وطني قائم على التجارة والخدمات على حساب قطاعات إنتاجية كالزراعة أو الصناعة.

رصيف الروشة هو أيضاً الموقع الذي انتقل إليه تجار أسواق وسط بيروت العتيقة مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. حيث حول هؤلاء التجار رصيف كورنيش الروشة عام 1976 إلى سوق شعبي يستبدل أسواقهم في وسط بيروت. في العام 1982 باشر رئيس بلدية بيروت آنذاك شفيق السردوك تدمير السوق.

تعتبر صخرة الروشة اليوم، من المعالم السياحية الرئيسية في لبنان، حيث تشكل مزاراً مهماً للعديد من السياح خصوصاً للاستمتاع برؤيتها ومشاهدتها عن قرب وأخذ الصور التذكارية، وفي الغالب يقوم الزوار بجولة بحرية بالقوارب والتي تبحر حول صخرة الروشة وتعبر في التجويف الموجود فيها.

أعلام ويافطات

كما كانت صخرة الروشة على مدى السنين مكاناً لتنظيم النشاطات الوطنية والاجتماعية والرياضية وغيرها، إذ قام بتسلقها بعض المغامرين والهواة، واعتلت صخرتها أعلام ويافطات لها دلالات ومناسبات، حتى أن بعض المرشحين للانتخابات النيابية اللبنانية وضعوا خلال فترة الحرب الأهلية صورهم عليها.

وتقطن الصخرة صيفاً وشتاء أعداد هائلة من الطيور كالنورس واليمام، وتحتوي على أعشاب خضراء وحشرات صغيرة تقتات منها الطيور، كما يصعب على الزائر الصعود إليها فيكتفي بمشاهدتها من على الأرصفة المجاورة، وتكمن روعتها في مشاهدتها عن بعد خاصة وقت غروب الشمس.

وعلى السواحل المطلة على الصخرة يمارس المواطنون رياضة المشي والركض، واستئجار الدراجات النارية والهوائية والقيام بجولة مميزة، وستستمتع أيضا بتناول بعض الحلويات والمأكولات الشعبية التي يقوم ببيعها الباعة المتجولين على طول الساحل.

كما تقام في منطقة الروشة العديد من الفعاليات والأنشطة الترفيهية الثقافية والرياضية وعدد من المهرجانات والخطابات، ويقوم بعض الهواة بتسلق الصخرة، ويتوافد إليها الكثير من الرسامين والعازفين الجوالين، كما يوجد هناك عدد كبير من المقاهي المطلة على الصخرة والبحر، والمطاعم التي تقدم أشهر أنواع المأكولات اللبنانية، والوجبات من مختلف المطابخ العالمية، وأشهى أنواع المأكولات البحرية.

وتمتاز صخرة الروشة بقربها من العديد من المعالم التاريخية والطبيعية البارزة مثل كورنيش بيروت وشارع الحمراء وقصر سرسق ومتحف الجامعة الأمريكية، وغيرها الكثير من الأماكن السياحية المميزة.

حارسة بيروت

أطلق اللبنانيون أسماء كثيرة على صخرة الروشة: “حارسة بيروت” و”صخرة الحب” و”صخرة العشاق” لكن الأسماء كلها تبقى لمعلم سياحي واحد ولموقع أثري لا يبعد أكثر من 50 مترا عن شاطئ بيروت الغربي.

كما أطلق اللبنانيون على صخرة الروشة “صخرة الموت ” ليس فقط لأنها مكان للانتحار فحسب بل أيضا لأنها مكان لممارسة هواية القفز عن الصخرة المرتفعة في اتجاه البحر التي شكلت ظاهرة مقلقة خصوصا بعد تزايد ضحاياها والذين كان آخرَهم فتى لا يزيد عمره على 15 عاما.

ويعتبر يوم الأحد من كل أسبوع لدى هواة ممارسة القفز عن صخرة الروشة، يوما مقدسا حيث يتبارزون في القفز من زوايا مرتفعة لإحراز البطولة، وبعد كل نجاح تراهم يبحثون عن المكان الأكثر ارتفاعا من زوايا ونتوآت صخرة الروشة، ولو انهم يعترفون بشعورهم بالخوف للوهلة الأولى عندما تطأ أقدامهم الصخور العالية التي تشعرهم برهبة الموت وحدة المنافسة على حد سواﺀ.

تتراوح أعمار الشباب المتحمسين لممارسة هذه الهواية بين 13 و20 عاما وبعد مناقشات عدة جمعتنا بالهواة المتواجدين هنا على صخرة الروشة يأتي الجواب “كلها موتة”.

واعتبرت الدكتورة نهى فياض من وزارة الشباب والرياضة اللبنانية ان المشكلة الأساسية تكمن في عدم وجود قرار رسمي يحظر ممارسة هذه الهواية في الأماكن العامة وترى أن هذه المسألة لن تواجه رفضا أو تجاذبا سياسيا لأنها تخدم المصلحة العامة وهي بعيدة كل البعد عن النطاق السياسي.

وقالت لـ”القدس العربي” إن القفز من الأماكن العالية يتطلب رؤية وتركيزا وشروطا أولية، فعمليا من يقفز عن ارتفاع 6 أمتار عليه ان يكون في موقع يبلغ فيه عمق البحر مترين على الأقل، وكلما ارتفعت المسافة كلما توجب توخي الحذر والتأكد من عمق المياه. كذلك على الهواة أن يتأكدوا من عدم وجود شيء صلب وإلا يحذر عليهم القفز، لأن حياتهم في خطر.

ونوهت إلى أن بلدية بيروت وبعد التنسيق معها قامت بوضع سياج حديدي يمنع الصعود على “الدرابزين” إلا ان السياج لم يحد من حماس الشباب وتهورهم كأن شيئا لم يكن، وبقيت ظاهرة القفز ترخي بظلالها على صخرة الروشة أكثر من ذي قبل.

وأكدت فياض أن بلدية بيروت تعهدت ببناﺀ منصة مخصصة تستوفي الشروط المطلوبة للقفز وتحافظ على السلامة العامة والأهم من ذلك ترشيد وتوجيه هذه الهواية ضمن إطارها الخاص. واعتبرت ان تصرف المراهقين أقرب للانتحار وبعيد جدا عما يسمى بالهواية.

صخرة الروشة التي شكلت عنوانا لجمال العاصمة اللبنانية بيروت واعتبرت أيقونة بحرها الجميل، جمعت العشاق وهم يتهامسون عبارات الحب، مع المغامرين حتى الموت.


المراجع

alquds.co.uk

التصانيف

آثار لبنانية   العلوم الاجتماعية