د محمد أبو بكر الرحمنو
كاتب سوداني
إن أمة تستشرف المجد والسؤدد، وترنو إلى العزة والكرامة، وتسعى لتوطيد أركان الدين في دولتها، وتهتم ببسط العدل والأمن بين أفرادها لن تبلغ هذه الغايات حتى تتنزه من ثلاث ماحقات: الخوف والتقليد والكلية.
أما الخوف فأكثره أوهام، وما يزال الأعداء والمرجفون يسعون لبث الخوف في كل ناحية، وفي أي مناسبة بين جنبات الأمة وقادتها، فتراهم يهددون ويتوعدون، يستعرضون قوتهم يشمرون عنها الأردان، ويستعملون الأبواق لإيهام الأمة بمدى قوتهم وكثرة عتادهم وفتك سلاحهم وشدة بأس سلاحهم واطلاع أقمارهم على أدق الخبايا والإسرار؛ فكم حرباً كسبوها بالرعب الذي يبثونه ، وكم تنازلاً عن المبادئ والثوابت نالوه بالتهديد والوعيد ، فلم يتكبدوا غير عبارة صاغوها، ولهجة جافة حذقوها، وحزماً وصرامة أظهروها؛ فليت شعري كم بدّل الخوف أمماً وأفراداً، وكم أتلف أنفسا وبلاداً، وكم أشاع في الأرض بلاءً وفساداً، وكم شتت فكراً ثاقباً وقاداً، وكم أذهل عن الغايات، ودعا إلى الخنوع والانقياد.
وكفى بالخوف مذمة أن يتعوذ بالله من الجبن المتعوذون، كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز و الكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال).
وأما التقليد فهو مركب ضعفاء العقل والثقة بالنفس إلى العلو وما هم ببالغيه، يصلح منهاجاً لمن لا منهاج له ولا دين فهو غارق في التيه. المقلد في الذيل فهو تبع بل متسول في موائد أسياده وصانعيه . فهل رأيت مقلداً فاق من قلده فيما قلده فيه؟ بل هو قابع فيما دونه وشأنه المداهنة فهو برائيه. فليت شعري هل تتفوق الأمم بالتقليد، وهي تنسخ نسخ الأعجمي من كتاب عربي تليد، يجمع بذلك الغث والمفيد؟ فالأولى إذن ترك التقليد مطلقاً من الأمم الأخرى، ولكن لا بأس بالاقتباس، فإنه أداة لأخذ الحسن واستخدامه في وجهه الرشيد.
أما الإتباع فهو نهاية التقليد وخاتمة مطافه، وهو تتبع السنن والخطوات، وأشنعه ما كان شبراً بشبر وذراعاً بذراع؛ فمن ركن إلى التقليد فقد ركب مراكب الإتباع: (قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟).
أما الكلّيّة فهو مصطلح أطلقته من عندي؛ وأردت به الاهتمام بالمصالح العامة دون الخاصة، الإجمالية دون التفصيلية، الجماعية دون الفردية؛ فإن همّ الرعاة إذا انصرف إلى مثل هذه الكليات الحياتية (وليست الشرعية) - من نحو الاجتهاد في إدخال أموال المستثمرين وحمايتها ووضع التكاليف عنهم، وتوفير البنيات التحتية، وتحسين مظاهر السلطان، وحفظ هيبة الدولة - واستفرغوا الوسع فيها، وجعلوها على رأس الإهتمامات دون الأخرى، فإنهم بذلك يغفلون عن مصالح أقراد الأمة، بل وربما اعتدوا على حقوقهم وكرائم أموالهم من اجل تحقيق هذه الكليات المزعومة أهميتها لكل الأمة، فلا بأس أن يتضرر البعض في سبيل فائدة الجل بزعمهم، وتلك لعمري قاصمة العدالة، وناشبة الضغينة، ومفرقة الجماعة، وحامية الظالمين، وساحقة المساكين؛ وليت شعري: هل فائدة الكليات إلاّ أنها تحمي الفردية وتعززها؟ فكل الناس ملاق ربه فرداً، (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)؛ فغايتها أنها تحمي الفرد من شر نفسه، من التعدي على غيره صيانة للأفراد والجمع تبع.
وأحسن من ذلك كله ما حذر منه ربنا جل جلاله ورسوله عليه الصلاة والسلام فإنه ورد التحذير من ثلاث، فإن وعيتم خطرها وتركتم ما سبق كفتكم؛ أولها: الوهن؛ وقد عرّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وثانيها التنازع، حيث قال ربنا عز وجل: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وثالثها: التمييز بين الناس في الحكم والمحاسبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد)
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :ثقافة ثقافات فرعية