الميتافيزيقا metaphysics:

كلمة يونانية وتعني علم ما بعد الطبيعة.
وهو الاسم الذي أطلقه أندرونيقوس الرودسي في القرن الأول قبل الميلاد على تراث أرسطو الفلسفي، الخاص بدراسة الوجود والمعرفة والإلهيات والظواهر الروحية والنفسية، والذي دعاه أرسطو «الفلسفة الأولى»، بعد أن جمعه وجعل موضعه تالياً لموضع كتاب «الطبيعة»، وعلى ذلك فإن «ما بعد الطبيعة» تعني الكتاب التالي في الترتيب لكتاب «الطبيعة» في مجموع مؤلفات أرسطو الذي نشره أندرونيقوس.

ظهرت بدايات الميتافيزيقا أو علم ما بعد الطبيعة مع نشوء الفكر اليوناني القديم، فاهتم الفلاسفة الطبيعيون ما قبل سقراط (المدرسة الإيونية) بالبحث في أصل الأشياء، والمبدأ أو العلة الكامنة وراء وجود العالم، فانطلقوا في بحثهم من الوجود المادي، وردوا العالم إلى أصل أو عنصر طبيعي هو: الماء أو النار أو الهواء أوالتراب، تستخرج منه الكثرة بالحركة والتكاثف والتخلخل.

ثم أخذ هذا المبدأ بالارتفاع عن العالم المادي المحسوس ليصير مع أنكساغوراس (500ـ 428 ق.م) وهيراقليطس(نحو 5400ـ 475ق.م) مبدأ متعالياً خارج الطبيعة هو اللوغوس.

وقد تبلور هذا الانتقال من المادي المحسوس إلى اللامادي المعقول مع بارمنيدِس(ولد نحو 515 ق.م)، أبي الميتافيزيقا اليونانية القديمة، ومؤسس المدرسة الإيلية التي لا تعول على العلم الطبيعي، وتعتقد بعالم موجود واحد وثابت تجعله الموضوع الأول للعقل والمعرفة التأملية، وتصفه بالسكون وتنكر عليه الحركة والكثرة، ومن ثم مع أفلاطون بنظريته المثالية للعالم التي تفسر الوجود برده إلى عالم خارج الطبيعة هو عالم المثل أو الأفكار.

بلور أرسو مفهوم الميتافيزيقا، أو كما يسميها «الفلسفة الأولى»، بوصفها دراسة شاملة لكل ما هو جوهري في الوجود والمعرفة والتفسير، وعدّها أعم العلوم وأسماها، وأكثرها يقيناً وتجريداً ونفعاً، فهي علم المبادئ الكلية للوجود، والعلل الأولية لكل ما هو موجود، التي لا تبلغها الحواس، ولا يستوعبها إلا العقل المتأمل، والتي لا غنى عنها لكل العلوم. فالفلسفة الأولى تبحث عن حقائق الأشياء وأصولها، ومشكلات الوجود المادي واللامادي، وأحوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها إلى المادة، والوجود الواجب وآلية الحدس المباشر، وليس الاستدلال والتحصيل والنظر العقلي.

وهي العلم الإلهي الذي مجاله البحث في الموجود والمطلق، والحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية واستخلاص المعارف القبلية والمجردة الخارجة عن نطاق التجربة.

وعلى هذا تفرعت الميتافيزيقا حسب موضوعاتها إلى عدة مباحث:
علم الوجود (الأنطولوجيا)، والمعرفة (الإبستمولوجيا)، والكوزمولوجيا النظرية أي نظرية الكون وحقيقة المادة، والإلهيات.

وانتقل هذا التعريف للفلسفة الأولى من أرسطو إلى تلاميذه وشراّحه، خاصة الإسكندر الأفروديسي، الذي عرّف الميتافيزيقا (وربما كان أول من استخدم هذا اللفظ للدلالة على هذا العلم)؛ بأنها الفلسفة الأولى التي تبحث في الوجود بما هو موجود. وهي أيضاً «إلهيات» كونها تقف في بحثها عند المبادئ والعلل الأولى، عند موجود أول، هو المحرك الأول اللامتحرك.

وبهذا المعنى كان مصطلح الميتافيزيقا جارياً فيما أعقب ذلك من الفلسفة، فانتقلت الآراء الأرسطية إلى فلاسفة العرب المسلمين، فاستخدم الكندي مفهوم «الفلسفة الأولى» للدلالة على علم «ما بعد الطبيعة»، وعلم الربوبية أي البحث في العلم الإلهي، وعدها الفارابي العلم بالوجود بما هو موجود، وكانت عند ابن سينا العلم الإلهي الذي يبحث في الوجود المطلق وأحواله ولواحقه ومبادئه، فموضوع الميتافيزيقا هو واجب الوجود بذاته. أما ابن رشد فقد استخدم ترجمة اللفظ ليسمي هذا العلم بعلم ما بعد الطبيعة، وفسر تسميته بهذا حسب مرتبته في التعليم أي بعد العلم الطبيعي، وغرضه «النظر في الوجود بما هو موجود».

وقد قسم موضوعات هذا العلم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول يبحث في الموجود المحسوس وأجناسه أي مقولاته العشر، ولواحقه؛ والثاني ينظر في مبادئ الجوهر ونسبتها إلى الله؛ والثالث ينظر في موضوعات العلوم ومبادئها.

وظلّت الميتافيزيقا تنمو في هذا النطاق الذي حدده أرسطو طوال العصور الوسطى، وأخضعها الفلاسفة المدرسيون للاهوت، فأطلق عليها القديس أوغسطين[ر] Augustine كلمة «حكمة»، وجعل موضوعها النفس والله، كما تبناها توما الأكويني[ر] Aquinas في نظرياته عن الخلق والعالم والله والوجود والماهية والنفس الإنسانية وغيرها.

واتخذت الميتافيزيقا في الفلسفة الحديثة منحىً مغايراً اقتصر على البحث في مشكلة الوجود، ومشكلة المعرفة. فعدّها ديكارت جذر شجرة العلوم، ودعا إلى البحث في الميتافيزيقا ليس لأنها تبحث في الله ووجوده وصفاته وفي النفس وخلودها، بل لأنها تبحث في المبادئ التي تقوم عليها العلوم وفي أسس المعرفة، ومعرفة العلل الأولى والأمور المعقولة، فجعلها مدخلاً للعلوم وأساساً لعلم الرياضيات. ووضح في كتابه «مبادئ الفلسفة» أن منهج الميتافيزيقا هو استنباط النتائج من المبادئ.

أكد كَانْت الطابع اللاتجريبي لموضوع الميتافيزيقا التقليدية ومنهجها على السواء؛ أما منهجها فكان قبلياً، أي استخدام العقل الخالص وحده، وأما موضوع دراستها فهو موضوع مفارق؛ فليس من الممكن التحقق من نتائجها أو مناهجها عن طريق الخبرة، إذ تريد الوصول إلى نتائج عن أشياء تجاوز حدود الخبرة ووفقاً لمبادئ لم تقررها الخبرة. ولهذا رفض الميتافيزيقا بمعناها التقليدي لأنه لا يمكن تناول مبادئها ومشكلاتها بالبرهان والتحليل، فأثار مشكلة إمكانية قيام ميتافيزيقا على أساس علمي، تعتمد التحليل منهجاً لها، وتستند إلى نقد العقل، الذي يرسم الحدود التي لا ينبغي للعقل أن يتجاوزها، ويخضع التصورات القبلية للنقد ليردها إلى مصادرها المختلفة: الحساسية، والذهن، والعقل.

وبهذا أقرّ كَانْت أن الميتافيزيقا هي نقد العقل أو الفلسفة النقدية أو الفلسفة المتعالية بعينها، فمبادئها قبلية مستمدة من الذهن المحض، وهدفها الأحكام التركيبية القبلية.

واهتمت الميتافيزيقا الوجودية في الفلسفة المعاصرة بدراسة الوجود البشري وماهية الذات الإنسانية، فوضع الفلاسفة الوجوديون أمثال هايدغر ويسبرز مؤلفات عديدة ميزوا فيها بين الميتافيزيقا العامة أو الأنطولوجية - وهي علم الوجود بما هو موجود - وبين الميتافيزيقا الخاصة أو الوجود الإنساني.

فلم يعد مفهوم الوجود يطلق على وجود العالم وإنما حصرته في الإنسان فظهر من ذلك كثير من المعاني الجديدة لمفهوم الوجود، ولم يعد موضوع الميتافيزيقا دراسة الموجود بمعناه العام وإنما دراسة للموجود بمعناه الخاص المتعين وهو الإنسان.
وبهذا تنوعت موضوعات الميتافيزيقا الوجودية لتشمل مشكلات عديدة مثل مشكلة الحياة، ومشكلة الموت ومشكلة القلق والحرية والاختيار والمسؤولية ومشكلة وجود الله والأدلة على وجوده، ومشكلة السببية والزمان والمكان، وغيرها من المسائل التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإنسان كمشكلة النفس وعلاقتها بالبدن.

 


المراجع

ency.com.sy

التصانيف

العلوم الإنسانية   فلسفة   علم ما بعد الطبيعة