اللاهوت:

مصطلح لغوي من أصل سرياني.
ويعني: الأُلوهَة. أصله «لاهٌ» بمعنى: إله، زيدت فيه الواو والتاء مبالغةً كما زيدتا في جبروت وملكوت وناسوت.

دخل المصطلح اللغة العربية في عصر التدوين مع حركة الترجمة التي قام السريان بجزء كبير منها.
وعلم اللاهوت يبحث في العقائد المتعلقة بالله، يقابله بالإنكليزية theology.

وهذا الاشتقاق يعود إلى ق16م من اليونانية واللاتينية معاً ويعني «علم الآلهة، قصص الآلهة، شؤون الآلهة»، من الاسم والصفة اليونانية القديمة «العارف بشؤون الآلهة» أو  «المتكلم في شؤون الآلهة» وبهذا المعنى الأخير استخدمت الكلمة في الأدب اليوناني القديم وفي الأساطير، إلى أن تحدد معناها دينياً في كتاب «أنساب الآلهة» عند هِسيودُس، ثم انتقلت إلى الفلسفة.

ومع تطور الزمن صارت تعني العلم الإلهي، والحكمة النظرية، والعلم الأعلى؛ لأنه يبحث في الله وصفاته، وتعني أيضاً الفلسفة الأولى؛ لحصولها من العلة الأولى «الله» والعلم الكلي؛ لأنه علم الكليات الشاملة لجميع الموجودات (العالم والإنسان والآخرة) وعلاقتها بالله.
ويرادفه مذهب التوحيد، ومذهب الربوبية، ويقابله عند المسلمين علم الكلام (أو علم أصول الدين- الفقه). وعموماً تنطوي كلمة «اللاهوت» على تعبير منظم للمعتقدات، وبيان مصادرها وسلطتها، وتوضيح علاقتها بمعتقدات أخرى.

والسمات البارزة لعلم اللاهوت هي القطعية المتطرفة والنزعة التسلطية المدرسية، ومحاولة التوفيق بينه وبين العلم؛ لذلك تعرض اللاهوت في كل الأزمنة للنقد الشديد.

كتب أفلاطون محاورات عدة عن الآلهة، واتخذت مع أرسطو معنىً عقلانياً، فصارت الفلسفةالإلهية أحد أقسام الفلسفة النظرية.

تطور علم اللاهوت المسيحي في سياق فكرة التمييز بين طبيعة الألوهية وطبيعة الناسوتية في شخص السيد المسيح، خاصة مع بروز الهرطقات الأريوسية والمونوفيزيقية والنسطورية في القرون الأولى لانتشار المسيحية، فظهرت فلسفات جديدة تسعى إلى الدفاع عن العقيدة وتضع حدوداً للتفسيرات والشروح تحفظ للدين جوهره.

واجتهد علماء الكنيسة وآباؤها الأوائل في شرح تعاليم الإيمان المسيحي الوضعي، وحل ألغاز جميع القضايا والحقائق الدينية على أسس منطقية عقلية مستفيدين من أسس الفلسفة اليونانية لدحر أي هرطقة أو بدعة بالسلاح نفسه.
فبرز في هذا الصدد اتجاهان مختلفان:
الأول: أنكر صلاحية العقل والفلسفة في الدفاع عن العقيدة، واستعار براهينه من الكتاب المقدس والتقليد المقدس ليدافع عن تعاليم الإيمان المسيحي، وقد تمثل هذا في موقف مدرسة آسيا الصغرى التي تزعمها أسقف ليون إيريناي وتلميذه إيبوليت أسقف روما ق3، ومدرسة شمالي إفريقيا التي تزعمها ترتوليان المحامي الغيور على العقيدة، وأشهر كتاب الكنيسة اللاتينية.

الثاني: أشاد بدور العقل وأهمية الفلسفة في بناء قاعدة متينة للعقيدة، وتنقيتها من المؤثرات الغنوصية  الوثنية، وقد تمثل هذا الموقف في مدرستي الإسكندرية وأنطاكية، وكان من أشهر أعلامها آباء الكنيسة كليمنت أسقف الإسكندرية وأوريجين، ثم الأسقف ديونيسيوس المجهول الذي كان لكتابه «اللاهوت الصوفي» (اللاهوت السلبي negative theology نفي الصفات عن الذات الإلهية)، بالغ الأثر في صياغة علم اللاهوت الوسيط، واعتمده آباء الكنيسة اللاتين في مناقشة مضمون الدين المسيحي والتقليد اللاهوتي ودلالات اللغة الدينية، فاعترف بفضله بطرس اللومباردي  في كتابه «الأحكام» ، وأوغسطين
ثم سار على نهجه أشهر لاهوتيي العصر الوسيط أنسلم، وجون سكوت إريجينا ويوهانس إيكهار وبونافنتورا، كما فعل ذلك الفلاسفة واللاهوتيون والمتصوفون اللاحقون أمثال روبرت غروستيست وألبرت الكبير، وأخيراً توما الأكويني الذي أفرد علماً خاصاً سماه «اللاهوت الطبيعي»
تناولت موضوعاته طبيعة الله ووجوده، والصفات الإلهية والخلق وعلاقة الله بالعالم والحرية وخلود الإنسان، وسعى فيه إلى شرح الحقائق الدينية الاعتقادية بالعقل وتبريرها، وفهم الألغاز والأسرار الإيمانية كالثالوث المقدس والتجسد.
وقد عدّ الأكويني هذا العلم أساساً لفهم الدين المسيحي عقلانياً، وتفنيد كثير من المسائل للرد على الهرطقات وإيجاد مسوغات عقلية للعقيدة المسيحية. وقد تأثر بمنهجه كثيرون أمثال ليبنتز الذي تناول موضوع الإلهيات باهتمام بالغ، فبحث في العناية الإلهية والحرية الإنسانية وأسباب وجود البشر.

قامت المدارس والمؤسسات الرهبانية والأديرة التي أُسست في العصر الوسيط بدور مهم في تكوين معظم الجامعات والمعاهد الأكاديمية ونشأتها في أوربا الغربية:؛ كجامعة باريس وأكسفورد، وتفرّد علم اللاهوت بأولوية التعليم فترة طويلة.

وقد اعترف الفكر الغربي بنوعين من اللاهوت: علم اللاهوت الطبيعي المبني على التجربة والعقل، وعلم اللاهوت الديني الأساسي أو الاعتقادي المبني على الوحي، وهو قريب من الإيمانية .

وفي عصر التنوير تغير الأمر عما هو عليه خاصة في ألمانيا، وتنوعت الاتجاهات الإنسانية  وموضوعات الدراسة، وبدأ علم اللاهوت بالتمايز شيئاً فشيئاً وصار أكثر تخصصاً، فتوزعت فروعه في الكليات والجامعات بين أربعة أقسام رئيسة هي علم اللاهوت التفسيري وعلم اللاهوت التأريخي وعلم اللاهوت المنظم وعلم اللاهوت العملي.

تناول القسم الأول تحليل محتويات الكتاب المقدس والتحقيق في أصولها
وبحث الثاني في تطور علم اللاهوت المسيحي منذ عهد آباء الكنيسة وما بعدها مروراً بالإصلاح والإصلاح المقابل حتى الزمن الحاضر
أما الثالث فقد تناول اللاهوت المذهبي الاعتقادي أو الفلسفي وموضوعاته الله والثالوث والعناية الإلهية والإنسان والتبرير والعلم الأخروي، وعالج الأخير اللاهوت الأخلاقي الكنسي والرعوي الطقوس والتبشير .

أدت انقسامات علم اللاهوتة في الفكر المعاصر إلى نشوء حركات متنوعة، لها سماتها المتميزة من غيرها كعلم اللاهوت الجدلي والأرثوذكسي الجديد الذي تبناه كارل بارث وعلم لاهوت المحرقة، كما يمكن الحديث عن لاهوت عالمي، أي الحركة العالمية، ومن منظور أوسع في الحوار بين الأديان هناك علم لاهوت شامل.

يكُن نشاط علم اللاهوت مقصوراًً على الدين المسيحي، بل اتسع مجاله ليشمل دراسة معتقدات الأديان الأخرى، إذ تناول علماء الكلام (المعتزلة وغيرهم) وفلاسفة الإسلام أمثال ابن رشد بعض الموضوعات الإلهية في سياق نقده للغزالي في كتابه «تهافت التهافت»، وكذلك في مؤلفه «فصل المقال بين الحكمة والشريعة» لاقتناعه أن: «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة. وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة»، ولقوله تعالى:  }فَاعْتَبِرُواْ يَا أُوْلِي الأَبْصَار{ (الحشر2)، }أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ{ (الأعراف 185). أما العلم الإلهي (الإلهيات) عند ابن سينا فهو مرادف للفلسفة الأولى وعلم مابعد الطبيعة (الميتافيزيقا) لأن موضوعه الموجود المطلق.

كما كان لعلم اللاهوت ظهور نشط في الفكر اليهودي، تمثل في تعاليم رجال الدين اليهودي والتعليقات التوراتية اليهودية، وقدم الفيلسوف اللاهوتي موسى بن ميمون خير مثال على ذلك في كتابه «دلالة الحائرين».

كذلك لا تخلو الفلسفة البوذية والهندوسية من بعض الإرهاصات اللاهوتية.

 


المراجع

ency.com.sy

التصانيف

العلوم الإنسانية   فلسفة   دين   علوم دينية   التاريخ