جماعة الـ (47):
هي تجمع أدبي حر من كتّاب وشعراء ونقاد ألمان، بدأت نشاطها في عام 1947 عقب الحرب العالمية الثانية.
كان الهدف
من اللقاء إصدار مجلة أدبية جديدة بعنوان"العقرب"تكون لسان الكتاب الشبان
في ألمانيا بعد الحرب. وكان ريشتر وأندريش أسس في العام نفسه مجلة
بعنوان "النداء" حققت نجاحاً كبيراً وتخطت مبيعاتها مئة ألف نسخة، غير أن
السلطات الأميركية في برلين منعتها بسبب ما تحتوي من نقد لقوات الاحتلال
الأميركية والبريطانية والفرنسية.
مصير المنع كان أيضاً من نصيب
مجلة "العقرب" التي لم يسمح لها بالصدور على الإطلاق.
هكذا فكر ريشتر وزملاؤه
في تنظيم ملتقى للأدباء الشبان، يقرأ كل منهم فيه من أعماله غير المنشورة،
ثم يتم النقاش حول العمل.
لم يكن يخطر في بال أحد آنذاك أن ذلك اليوم في
شهر أيلول من العام 1947 كان ساعة ميلاد الجماعة التي كانت تحولت مع مرور
الزمن إلى أسطورة أدبية، أي "جماعة 47" التي يحتفل الوسط الأدبي في ألمانيا
هذه الأيام بمرور ستين سنة على تأسيسها.
تركت "جماعة 47" أثراً حاسماً في
تطور الأدب الألماني بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي رحابها تفتحت
موهبة هاينريش بول مثلاً نوبل 1972 الذي حصل على جائزة الجماعة عام 1951،
كما قرأ غونتر غراس نوبل 1999 خلال اجتماعها عام 1958 فصلاً من
روايته "الطبل الصفيح" التي لم يكن قد انتهى من كتابتها، فحصد على الفور
إعجاب الحاضرين وجائزة العام. وضمت ملتقيات الجماعة شباناً سرعان ما أصبحوا
نجوماً في سماء الأدب الألماني، مثل الشاعر هانز ماغنوس إنتسنسبرغر
والروائي أوفه يونسون والشاعرة النمسوية إنغبورغ باخمان.
كان الصحافي هانز فيرنر ريشتر هو المحرك لأنشطة هذه الجماعة حتى توقفها
عام 1967.
كان هو الذي يقوم بدعوة الكتاب الذين يعرفهم أو الذين يزكيهم أحد
لحضور الاجتماع السنوي. كان اللقاء يدوم ثلاثة أيام ويعقد كل عام في مكان
مختلف، ولا يحضره الأشخاص أنفسهم بالضرورة.
لم تكن هناك عضوية أو لوائح تنظيمية أو سعي لفرض نوع معين من الأدب.
كان
المشاركون يفهمون هذا الاجتماع على أنه ورشة عمل أدبية وساحة لتجريب
الجديد.
على رغم ذلك كان هناك طموح سياسي واضح إلى إحداث تغييرات في
المجتمع عبر الأدب، ومحاربة عقلية الخنوع للدولة التي أدت بالألمان إلى
كارثة النازية.
أرادت الجماعة في بداياتها أن تكون مدرسة لتعلم
الديموقراطية عبر الأدب، وكان الشعار الذي رفعه مؤسسها ريشتر: النقد
والسجال والقلق. أما السؤال الذي يواجهه الجميع فهو: ما فرصة نشوء أدب جديد
وسط أنقاض ما بعد الحرب؟ أدب يستخدم لغة أخرى بسيطة وصادقة، بعيداً
من "عنتريات" خطاب هتلر ووزير دعايته يوزف غوبلز. أدب آخر غير أدب الكبار
الذين هاجروا من ألمانيا مثل توماس مان وبرتولت بريشت.
في هذه الأجواء عقد
الاجتماع الأول، وعنه وعن طموح أدباء جيله قال الناقد ريشتر فيما بعد:"جيل
كجيلنا يبدأ دائماً على نحو راديكالي، ويريد أن يمحو كل شيء سبقه. من ناحية
أخرى كان الأدباء الذين هجروا ألمانيا إلى المنافي نموذجاً لنا، إلا أننا
كنا نريد أن نتمايز عنهم."
ومع حصول عدد من أعضاء الجماعة على الشهرة، ازداد اهتمام الصحافة
الأدبية بالجماعة التي انضم إليها نقاد معروفون مثل هانز ماير ومارسيل رايش
رانيتسكي.
كانت الاجتماعات الأولى دائرة مغلقة من الكتاب الذين يقرأون
وينتقد بعضهم بعضاً، ولكن بعد ذلك تحولت إلى ملتقى كبير يجذب الصحافيين والنقاد
المحترفين والناشرين.
غير أن الشروخ بدأت تستشري في هذه المؤسسة الأدبية
منذ الستينات، إذ فضل عديد من الكتاب الشبان العمل السياسي الحزبي المباشر.
بدت"جماعة 47"عشية الحركة الطالبية عام 1968 بعيدة كل البعد من الواقع
السياسي، لهذا بقي أدباء مثل إنتسنسبرغر والمسرحيّ بيتر فايس والشاعر إريش
فريد بعيدين من الجماعة لأنهم كانوا يعتبرون مسائل مثل الصراع في فيتنام
وقضايا العالم الثالث أهم بكثير من النقاشات التي تدور في دائرة مغلقة من
الأعضاء. عجزت الجماعة عن استيعاب التيارات الأدبية الجديدة أو المواهب
الشابة المتمردة، فكانت بداية نهايتها.
لعل إطلالة الكاتب النمسوي بيتر هاندكه في اجتماع عام 1966 خير تعبير عن
هذا الصدع الذي أصحاب المؤسسة وأدى إلى انهيارها. تجرأ الشاب البالغ من
العمر آنذاك ثلاثة وعشرين سنة وحضر الاجتماع السنوي بلا دعوة. أطل هاندكه
على الأعضاء في هيئة فوضوية وشعر طويل وصل إلى الأكتاف، ثم شتم الحاضرين
واتهمهم بـ"العنة اللغوية"وپ"العجز عن الوصف". بالطبع كان هدف هاندكه من
هذا الظهور أن يستفيد من شهرة الجماعة ليرسخ سمعته كاتباً شاباً مستفزاً.
غير أن شهرة هاندكه الأدبية تكونت وترسخت خارج هذه المؤسسة الأدبية التي
أصبحت في نظر الشبان، هرمة ويقيس الاحتضار، وهو ما حصل فعلاً في العام
التالي، 1967، حين التقى أعضاء الجماعة للمرة الأخيرة معلنين وفاة المؤسسة
التي شهدت عشرين سنة حافلة. فيما بعد وجه عدد من الأدباء الشبان النقد
الحاد إلى"جماعة 47"التي كانت في رأيهم سلطوية وامتداداً لتــراث الــمجتمع
الــبطريركي، بل وأطلقت عليها النمسوية إلفــريده يلينك نــوبل 2004"نادي
الســاديين".
وعلى رغم مرور ثلاثين سنة على انتهاء هذه الأسطورة ما زال أعضاء الجماعة
يتذكرون بحنين بالغ اجتماعاتهم وتأثيرها في الأدب الألماني بعد انتهاء
الحرب العالمية الثانية.
المراجع
alhayat.com
التصانيف
اللغات وآدابها الآداب الجرمانية التاريخ