تبرج المرأةحرام في الإسلام لقوله تعالى: {ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية}[الأحزاب: 33]ثم هو في ذاته عيب يقدح في حمية الرجال ويطعن في غيرتهم، والأمم إذا فقدت غيرتها على حريمها فقد فقدت أكرم خصل الحياة، وأخص صفات الأداب الحافظة لكيان الاجتماع.لقد منيت مدنية هذا العهد بالأباطيل الرافلة في لبوس الحقائق، وبالرذائل الظاهرة بمظهر الفضائل، فكم من عمل باطنه الشهوات البهيمية وحقيقته الرعونات الجسدية، عُد من الكمالات المدنية، واعتبر من مميزات الحضارة الإنسانية، تبكتنا ضمائرنا على غشيانه، وتوبخنا إنسانيتنا من إتيانه، ولكنا مراعاة للتدليس الشائع بيننا نصم آذاننا عن صوت ضمائرنا ونأتيه عياناً جهاراً تحت ظل العادات المحطة وحماية التقاليد الساقطة، ولا زاجر من صوت الرأي العام، ولا وازع من أدب النفس.عمَّ حب الزينة للرجال والنساء فصار الرجل يُعنى بملابسه ووجهه أكثر مما يعنى بصحته وسلامة روحه، باذلا في هذا السبيل ما لا غنى له عنه في تقويم نفسه ومجتمعه، وجرت النساء على هذه الخطة ذاتها، والجميع إنما يتكلف الظهور بهذه المظاهر خارج البيوت لا داخلها، وكلنا يعلم أن الغرض من هذا التكلف استعداد كل من الجنسين للمنازلة في ميدان الأهواء السافلة، وما الرجل إلا أهلنا وأصحابنا، ولا النساء إلا قريباتنا وأخواتنا ولكنا رغما من هذا العلم الثابت، والحق المقرر نسمح به ولا نجد في آدابنا حرجا منه وإن كانت ضمائرنا تتألم له، شعورا بإثمه، وإحساسا بفضاحة جرمه.يحاول أنصار هذه المدنية أن يستروا هذه المخازي تحت اسم الحرية الشخصية وحقوق المرأة فيقولون:أليس لكل فرد في الهيئة الاجتماعية الحق في أن يلبس ما يشاء، ويتكلف من صنوف الزينة ما أراد. فبأي سلطان تحرم علينا التزين وقد نص الكتاب على القدح فيمن حرمها فقال تعالى: {قل من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده}[الأعراف: 32].إننا لا نجادل في الحق الذي لكل فرد أن يلبس ما يشاء وأن يتكلف ما أراد ولكنا ننعي على أهل هذه المدنية تمالأهم على البهتان وتجارؤهم على الزعم بأن هذه الأحابيل الهوائية، من الكمالات الإنسانية ننعي عليهم تواطؤهم على إعطاء الدنية، وتظاهرهم على قدح أنف الحمية.لماذا يكون من احترام الحرية الشخصية أن نسمح للرجال والنساء أن يتجاذبن الأهواء من خلال هذه الأستار ولا يكون من الحرية الشخصية أن نأذن لهم بالمشي عراة الأجساد؟.نحن لا نحارب مبدأ الحرية الشخصية وإنما نحارب مبدأ التمويه والتدليس، نحارب الرياء الكاذب والتظاهر الباطل نحارب أصحاب الأهواء الذين حدوا حدود الآداب على قدر ما يسمح لهم بانتهاك الأعراض، لا على قدر ما يحميها من عدوان العادين، وغارات المغيرين.إن مبادىء هذه المدنية من هذه الوجهة لا تستمد وجودها من أصل الحرية الشخصية المقدس، بل من أصل الإباحة الحيوانية الصرفة، فنريد أن تكون الآداب بحيث تحمي الأعراض من الانتهاك، وتصون النفوس من الفساد.يقولون حقوق المرأة. نعم إن حقوق المرأة يجب أن تصان عن الهضم ولكن هل يعنون بحقوقها أن تخوض في حمأة الأهواء، وتتلطخ بأقذاء الشهوات.إن تبرج النساء الذي دفعهن فيه الرجال اتباعا لأهوائهم، ومرضاة لشهواتهم قد عرف سوء أثره عند أبناء المدنية أنفسهم فقد جاء في دائرة معارف القرن العشرين ما نصه:»إنا لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيء الذي يحدثه حب النساء للزينة يوما فيوما على أخلاقنا، فإن أشهر كتابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الكبير وكثير من أقاصيصنا التي قوبلت بالاستحسان العام قد وصفت بطريقة مؤثرة الخراب الذي يجره على العائلات الشغف الجنوني بالتزين والتبرج. فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقرض مدنيتنا الحالية ويهددها بسقوط سريع جدا وإن شئت فقل بانحطاط لا دواء له» انتهى.هذا هو أثر تبرج النساء، وستلاقي هذه المدنية جزاءها العادل من إباحته إن لم تتداركه بحكمة وروية.
المراجع
الموسوعة.كوم
التصانيف
الفقه العلوم الإسلامية