صاحب الجلالة الحب
دق الجرس في مكتب سكرتير رئيس الديوان الملكي، وهرول الأستاذ أبو السعود ياسين، يضع طربوشه بسرعة على رأسه، و يزرر جاكتته و هو في طريقه إلى الباب، ثم عاد بعد دقيقة و قال الأستاذ درويش مخلص رئيس التحرير “آخر خبر” الذي كان يجلس على كنبه من الجلد في مكتب السكرتير: إن معالي رئيس الديوان الملكي في انتظارك.
و قام الأستاذ درويش و مشى وراء السكرتير، و انحرف عن يمين الغرفة في ردهة مفروشة بالبساط الأحمر، و مزينة بصور الزينة الكبيرة. و بعد سبع خطوات، دق السكرتير على باب غرفة مغلقة، ثم فتح الباب، و انحنى، و دعى درويش للدخول.
و دخل درويش غرفة كبيرة جداً، في يسارها مكتب صغير، وقف وراء إبراهيم حمدي باشا رئيس ديوان الملك فاروق، بوجهه الأحمر، و شعره الأبيض، و قامته الفارعة، و على شفتيه ابتسامة ترحيب. و صافحه رئيس الديوان بحرارة ودعاه إلى الجلوس و هو يقول:
- ماذا جرى يا درويش، هل من المعقول أنه عندما أقترب من القصر، تبتعد انت عن القصر؟
و ابتسم ابراهيم باشا ابتسامته الساخرة و قال و قد بدا حاجباه الرماديان خشنين أكثر من المعتاد:
- لقد عينت في هذا المنصب منذ وقت غير قصير. و خلال هذه المدة جاءني كل الصحفيين يهنئونني بالمنصب. و أنت الوحيد الذي لم يهنئني. حتى خصومي من الوفدين جاءوا لتهنئتي و أنت صديقي القديم لم تحضر لزيارتي، و لم تتصل بي، و لم تتطلبني في التليفون، مع أنك كنت قبل ذلك لا تكف عن زيارتي و الاتصال بي. كنت صديقي و أنا نائب، صديقي و أنا في المعارضة، صديقي و أنا وزير.. فما بالك انقطعت عني؟
قال درويش:
- الواقع أنك تستحق التعزية على هذا المنصب، لا التهنئة
قال ابراهيم باشا وهو لا يزال يبتسم:
- كان واجباً إذن أن تحضر لتعزيني، إن واجب الصديق أن يكون أول من يقف بجوار صديقه عندما يقع في كارثة
قال درويش:
- خشيت أن أصدمك برأيي. إنني أؤمن أنك آخر من يصلح لهذا المنصب.. أنت كنت زعيم الشباب في ثورة 1919، و هذا المقعد الذي تجلس عليه يحول الثائر إلى سياسي. أنت كنت أعظم خطباء الحركة الوطنية، و هذا المقعد يستوجب أن يكون شاغله أبكم لا يتكلم.. أنت رجل صريح، تتكلم و كأنك تخطب، و تتحدث و أنت جالس في صالونك كأنك تواجه الجماهير الحاشدة..


تأليف: مصطفى أمين

المراجع

موسوعة روضة الكتب

التصانيف

تصنيف :ثقافة