الياس وعلاجة

اليأس هو عبارة عن سلوكٌ بشري، فالتاريخ الطبيعي لم يذكر قطُّ حيوانات كانت يائسة. لكنَّ هذا الإنسان ذاته ، الذي لا يمكن فصله عن اليأس، تعوَّد أن يتعايش معه، إنه يحتمله حتى في حدوده القصوى  اختبرنا جميعنا اليأس وفقدان الأمل في درجاتٍ اختلفت حدتها وسياقها. الكل يصطدم فجأةً في حائط أسئلةٍ قصيرة الكلمات ثقيلة المعنى يطرحها على نفسه بين آنٍ وآن ولا يجد لها جوابًا: "ما الذي أفعله هنا؟"، و"ما المغزى من كل هذا؟

كيف لأي شيءٍ أن يدوم على حاله إن تجرَّدت حياة المرء من الأمل؟ الأمل احساس شخصي، يتكوَّن عند كل شخصٍ في هيئةٍ مختلفة عن المُحيطين به بناءً على تجاربه ومشاعره التي تمنحه وجهات نظره للحياة. قد يكون الأمل بالنسبة لشخصٍ هو عزيمة الاستيقاظ في الصباح، ولآخر هو وضع خطةٍ صغيرةٍ قبل النوم استعدادًا لليوم التالي، أو مخطط كبير يرسم حياةً عريضةً مستقبلية، أو الشعور الغامض الذي يرافقنا في أحلك الأوقات، ويُملي علينا بأن هذا سيمر، أو الدافع الخفي الذي يحثُّكَ على التقدّم لوظيفةٍ مرموقة تتطلب خبراتٍ تتجاوز ما تتمتع به قليلًا.

حيث ان  الباحث وعالم النفس، تشارلز سنايدر، بُنيةً نفسيةً للأمل في ثمانينات القرن الماضي، نشر دراسةً عن الأمل بعنوان: (Hope Theory: Rainbows in the Mind)، يقول فيها إنه صادف أن درسَ ولاحظ تدرجات القوة البشرية خلال دراسته للأمل. يرى سنايدر أن الأمل هو التفاعل بين الأهداف الشخصية وقوة إرادة الفرد مع مقدرته على اكتشاف طريقه وشقِّه. إنه مقدرتكَ على ربط الحاضر الذي تعيشه بالمستقبل الذي تتخيله، إنه "رأس المال" لصحةٍ نفسيةٍ سليمة؛ يرتبط برابطةٍ لا تُكسر بمدى رضا المرء عن نفسه وثقته في تحقيق أهدافه، ويقفُ مثل حائطٍ أمام أحداث الحياة الصعبة والمرهقة، لا ليمنعها، بل لتسهيل وقعها علينا. لكنه أكثر من مجرد قوةٍ دافعة(1)(2).

في دراسةٍ استقصائية تم نشرها في عام 2010، تقول ببساطةٍ إن الأفراد الآملين في حياتهم يؤدون أداءً أفضلَ، ويحققون نتائج أعلى، سواء رياضي أو أكاديمي أو مهني أو صحي. تطرحُ الدراسة سؤالًا مهمًّا: ما المؤثر الأساسي الذي يدفعهم للإنجاز على نحوٍ ملحوظٍ وقابلٍ للقياس حتى في صحتهم الجسدية؟ الإجابة هي التطلُّع للمستقبل بوضع خططٍ والسعي لها، نمطُ حياةٍ يستبق الظروف السيئة قبل حدوثها، لِمَ أنتظر ازدياد وزني حتى أحافظ على صحتي؟ لِمَ أنتظر الوقوع في ضائقةٍ مالية حتى أبدأ في الادخار أو وضع إستراتيجةٍ مالية؟

ليس الأمل يعتبر حاجزًا يمنع صعوبات الحياة فحسب، بل هو عبارة عن  أسلوبٌ يساعدنا على التكيُّف حين تتعطلُ أشياء في حياتنا ظنناها أمورًا مسلَّمًا بها. تشيرُ دراسةٌ إلى أن الأمل محوري حين يُشخَّص الفرد بمرضٍ مزمنٍ أو عضال؛ إذ تتحسَّن صحة الآملين أسرع بسبب ميلهم لإيجاد فرصٍ لتغيير مسار المرض خلال المتابعة مع الأطباء. حتى مع الأمراض التي تستمرُّ مدى الحياة مثل السكر أو القولون، أظهر الآملون مقدرةً عاليةً على تكييف حياتهم وتطويع أهدافهم للتماشي مع تحديات المرض.

لماذا نفقد الأمل ونشعر باللاجدوى؟

في ستينيات القرن الماضي، اكتشف عالمان نفسيان ظاهرةً غيَّرتْ طريقة التعامل مع اليأس وفقدان الأمل. كان "مارتن سليغمان" و"ستيڤن ماير" يدرسان في جامعة بنسلفانيا تحت إشراف عالم النفس التجريبي ريتشارد سولومون. كانت التجربة موجهةً في البداية إلى دراسة تعلُّم الخوف عند الكلاب واستجابتها له. قُيّدت الكلاب ووضعت في قفص، وعُرِّضت لصدماتٍ كهربائيةٍ خفيفة لكن مزعجة، وأُطلِق مع كل صدمةٍ صوتٌ معين لتقرنه الكلاب بألمها. حين حُلَّت قيودها، وأُلقيتْ على مسامعها الأصوات المقترنة بالألم، خالف رد فعلها توقعات الباحثين، إذ إن الكلاب لم تهرب من أقفاصها إلى أماكن آمنةٍ لتتجنب الألم، بل ظلت على حالها في انتظار الصدمات الكهربائية ولم تفعل أي شيء حيال الألم والانزعاج الذي تعرضتْ له.

في البداية حُكم على التجربة بالفشل، لكن الطالبين الباحثين، سيليغمان وماير، توصلا إلى استنتاجٍ مختلف: إن نتيجة التجربة هي الاستجابة السلبية نفسها. حين حاولت الكلاب الهربَ أول مرة وهي مقيدة، لم تُفلح، وخابتْ مساعيها، لذا، تعلَّمت الكلاب أن الهرب من الصدمات الكهربائية لن يُفضي إلى شيء، وعلى ذلك استسلمت حين واجهت موقفًا مشابهًا في المرة الثانية رغم تغيير الظروف من حولها(3).

تمت اعادة اختبار النظرية المبدئية في تجربةٍ معدَّةٍ خصيصًا، وأتت النتائج كما المتوقع، لم تهرب الكلاب التي "اكتسبت" اليأس والاستسلام من المحاولة الأولى، نُشرتْ نتائجها في مجلة علم النفس التجريبي عام 1967. ظهرت النتيجة نفسها حين أجريت التجربة على القوارض ثم البشر، لاحظ الباحثون أنه حين يتعرَّض المشاركون في التجربة إلى ضوضاء عالية أو ألغاز لا حلَّ لها تظهر عليهم الأعراض المعروفة للاكتئاب، مثل فقدان الاهتمام وضعف التركيز والإرهاق والحزن واللاجدوى، واستقرت النتيجة في النهاية على أن "العجز المكتسب" هو نوعٌ فرعي للاكتئاب(4).

لكن ليس الأمر مخيبًا للآمال بشكل كامل ، إذ لاحظ الباحثون أنه حتى حين يُحبَط المشاركون، لا يستسلم بعضهم للإحباط رغم وعيه الكامل بألّا شيء بيده ليفعله، بل يستمر في محاولة استعادة السيطرة على الموقف. إذن، العجز، ومعه فقدان الأمل، لا يكفيان لإدخال المرء في حالةٍ من الاكتئاب. تطرح النظرية سؤالًا في نتائجها: لماذا شعر بعض المشاركين بالعجز إثر عقبات التجربة بشكلٍ عام بينما ظل البعض الآخر مرنًا ومتجاوبًا وغير فاقدٍ للأمل؟

الإجابة كانت ببساطة هي تفسير العقبات. وجهة النظر التي تلقَّى بها المشاركون الموقف الذي تورطوا فيه، هل لاموا أنفسهم أم لاموا التجربة؟ هل ظنوا أنفسهم أغبياء أم وجدوا اللغز صعبًا؟ هل عمموا التجربة على حياتهم أم أبقوا هذا العجز في حيز التجربة؟ يوضح سليغمان أن لكلٍ أسلوبه التفسيري أمام الظروف التي يقع فيها، فالبعض يميل إلى التفسيرات المتشائمة ويصم الموقف بوصماتٍ سلبيةٍ دائمة عقب المرور بوقتٍ عصيب، مثلًا أن تفسر الرسوب في امتحانٍ ما بأنكَ عاجزٌ عن الدراسة بشكلٍ عام وأيًا ما فعلت أو أي جهدٍ بذلت فلن تُجدي المحاولات نفعًا، أو أن يُصابَ طفلك بأذىً في الملعب، فتفسر الموقف بأن ما حدثَ خطؤكَ وحدك وأنك لن تكون أبًا جيدًا أبدًا، فتكون الظروف الصعبة بمثابة استخلاص لجوهر هويتهم وقدراتهم، ويجر في ذيله شكوكًا بأنه لا قيمة لهم، وأفكارًا أخرى محبطةً ومثبطة تلف عالمهم بأكمله مع تعاقب التفسيرات السلبية(5).

كما يقود هذا النوعُ من التفسيرات إلى زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب تدريجيا، إذ يبدأ التعميم بفقدان الأمل في كل شيء، ثم العزوف عن المحاولة، أما التفسير المحايد أو المتفائل فيكتسب سماتٍ أكثر مرونةً في الأوقات الصعبة، ويرونها بمنطق أنها مؤقتة وذات سياقٍ محدد، الرسوب في الامتحان لا يعني الفشل الدراسي، بل امتحانًا صعبًا أو صعوبةً في فهم هذه المادة بالتحديد أو قلَّة نوم مثلًا.


المراجع

aljazeera.net

التصانيف

علاجات   العلوم الاجتماعية   مشاكل وطرق علاجها