ومن أجل فهم عملية خلق وتطور التكنولوجيا هذه فأنه يلزم مراعاه بعض العوامل الأساسية الاتية:
- أولا : مما تؤكده العملية التاريخية فى هذا الجانب من التطور الاقتصادى التكتيكى، أن تكوين رأس المال الاجمالى قد ساهم بحجم كبير فى الناتج القومى الأجمالى فى البلدان المتقدمة فقد تمثلت مساهمته عام 1875 ما بين 10-12 % بينما بلغ اكثر من 20 % عام 1975. وإذا كان الناتج القومى الجمالى الحقيقى ارتفع لاكثر من 20 ضعفا فمعنى ذلك ان الحجم الحقيقى لتكوين رأس المال ارتفع إلى ما يقرب من 40 ضعفا بمعدل سنوى 3. 8 % تقريبا، بمقارنة ذلك النسب بشبيهها فى البلدان النامية نجد فى غضون ربع قرن ن الزمن عام 1950 – 1975 ارتفع تكوين رأس المال من 8/1 إلى 5/1
- ثانيا : وفى دراسة العامل السابق _ وهو تكوين رأس المال _ كان الاقتصاديون يستدون بعض العوامل التى تدخل فى تكوين رأس المال _ ولكنها أساسية فى تكوين المهارات البشرية التى هى العامل الحاسم فى كل العمية التكنولوجية فى كل مراحلها، من مرحلة المحاكاه، ثم الفك والتكييف حتى أن وصلت إلى استحداث عمليات تكنيكية جديدة، والتطور التكنولوجى فى أجمالية يصبع عقيما إذا اختفى منه عامل المهارة. والمهارة البشرية تحددها عوامل اساسية تبدأ من صحة العامل إلى تعليمه وتدريبه إلى استمرار حياته بشكل طبيعى، وهى عوامل لا يمكن أن تهمل لانها تكون ما اطلق عليه فى عالم المعاصرة بالتكنولوجيا الاجتماعية _ وقد اوضحت الدراسات أن نسبة الاستثمارات فى هذا الجانب تصل إلى قرابة 40 % من أجمالى الاستثمارات وحسب رأينا ان ذلك كان أحد العوامل التى أدت إلى تفوق أمريكا فى العلوم التكنولوجية والابحاث بكل فروعها حتى فى العلوم العسكرية .
- ثالثا : ويعتبر دور الدولة ذات اهمية حيوية كما أشرنا فى الفع الأول، ولكن المنظور التاريخى لهذا الدور قبل قرن من الزمن يؤكد على أن دور الحكومات كان يتوقف على أعمال السيادة فقط ثم تكوين الجيوش أما للدفاع عن الحدود، واما لتحقيق أطماع الحكام ونزواتهم فى تكوين أمبراطوريات واسعة عن طريق الغزوات، ثم تمويل هذه الأعمال عن طريق جباية الضرائب وأحيانا أخرى عن طريق السخرة المفروضة على أفراد المجتمع .
وكان يقع تطور الحرفة على الحرفيين ذاتهم، وبتمويل منهم دون مشاركة الدولة - كما كان يقع العبء الاكبر لتطور العلوم أو حتى احياءها على الاشخاص، وأن كانت مشاركة الدول فى هذا العبء محدودا، وكان هذا لغياب الدور الاجتماعى للدولة فى ذلك الوقت. ولكن الحاجة فرضت قوتها على وظائف الدولة، ففى العصر الحديث تكونت الحكومات المركزية التى تتولى المسئوليات الاجتماعية والاقتصادية بجانب مسئولياتها الاخرى. وتفاقم دور القطاع الحكومى فى بلدان الاقتصاد السوقى حتى أصبح يقدم قرابة ثلث اجمالى الناتج القومى فى اقتصاديات هذه البلدان. وأصبح اجمالى دور الدولة فى العالم كله حاليا بمثابة المعجل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية .
وبهذا _ الايجاز نصل إلى عرض لكيفية النقل التكنولوجى وتطوره خلال المائة عام الأخيرة فى العالم المتقدم وفى نهاية هذا الجزء نرى ضرورة تناول كيفية هذا التطور ولكن فى الجزء الاخر من العلم وهو " عالم الفقراء " وعلى الرغم من عدم الكفاية للمعلومات المتاحة لدراسة هذا التطور خلال مائة عام ( ذاك طبيعة المعلومات عن البلدان النامية ) فإنه يمكننا بدء الدراسة فيما بعد الحرب الثانية وبالتحديد من بداية عام 1950- كما حددته الدراسة الرائعة فى هذا المجال للاستاذ / ارثور لويس وكذلك بعض الدراسات لهيئات منظمة الأمم المتحدة. فكما هو معروف أن فترة الربع قرن الماضية احتوت على معدلات مرتفعة لنمو المجتمع الدولى كله فكانت فترة غنية بالبلدان النامية فى استيعاب التكنولوجيا أكثر من أى فترة سابقة منذ الثورة الصناعية. وكان اهم ما يميز النقل التكنولوجى لهذه البلدان هو انتشار المعرفة فى عملية الانتاج، وذلك لتحقيق هدفا اتجهت غليه كل البلدان النامية التى أخذت تحرر من الاستعمار، وهو مضاعفة أنتاجها بسرعة يمكنها من الاستقلال والاعتماد على نفسها، كما أدى المبدأ الذى اتبعته معظم هذه البلدان هو احلال التصنيع محل الواردات إلى زيادة بل والتركيز على عامل المعرفة الانتاجية وذلك لتحقيق المزيد من الانتاج للاستهلاك النهائى .
وإذا اتبعنا فى قياسنا هنا نفس الؤشر الذى سبق الاعتماد عليه فى حالة البلدان المتقدمة لقياس الاثر التكنولوجى على اقتصاديات البلدان النامية، وهذا المؤشر هو : التغير فى الناتج الحقيقى للفرد وذلك خلال الفترة من عام 1950_1975. فتدلنا دراسة الاستاذ / لويس _ أن الناتج الاجمالى الحقيقى للبلدان النامية قد تضتعف إلى اربعة أضعاف، وكان نمو 5 % سنويا. وقدرت الدراسة أن هذا المعدل ما يقرب من خمسة أضعاف معدل النمو فى النصف الأول من القرن العشرين، وهو يفوق حتى ذلك المعدل التاريخى للنمو الذى حققته البلدان المتقدمة. كما ان ارتفاع الاستثمار الاجتماعى فى البلدان النامية أدى إلى انخفاض معدل الوفيات، كما أن مؤشر متوسط العمر فى هذه البلدان أخذ فى الارتفاع _ وكانت النتيجة المباشرة لذلك تسارع نمو السكان فبلغ معدلا سنويا قدة 2. 5 % سنويا، وكان لذلك الارتفااع فى السكان مع ضعف الاستثمارات الأثر البالغ على معدل الانتاجية الفرد خلال 25 سنه الاخيرة من عام 1950حيث كان ينمو ببطء بلغ 0. 5 % سنويا _ وهناك من الددراسات التى قدرات المعدل بأقل من ذلك .
وتشير دراسة الاستاذ / لويس أن هناك فى العالم الثالث اليوم قرابة 103 بلدا تستخدم المعرفة التكنولوجية فى نظامها الانتاجى، وان القدرة على استخدام هذة المعرفة تختلف نسبيا من بلد إلى أخر وذلك لأنها تتوقف على عوامل أخرى كثيرة منها : مستوى التعليم والمهارة، وقوة البناء الأساسى للاقتصاد القومى، ومعدلات النمو الصناعى وحجم السوق المتاح أمام هذه البلد إذا كان فى الداخل والخارج، ومستوى الخدمات الأنتاجية، كذلك الموارد الطبيعية، ومستوى التنمية، ونقطة البدء فى التنمية، ونوع السياسات الاجتماعية فى البلد النامى .
وفى دراسة للأمم المتحدة ان 64 بلدا يزيد فيها الناتج الفردى على 3000 دولار فى عام 1975، وتضم 39 % الاخري التى تضم أكثر من ثلاث أخماس سكان البلدان النامية. فقد زاد اجمالى ناتجها الحقيقى بنسبة 306 % سنويا ولم يزد ناتج الفرد فيها إلا بنسبة 1. 3 % سنويا، وتشمل هذه المجموعة معظم البلدان التى يمكن اعتبارها انها تواجه صلب مشكلة النمية ويدخل ضمن هذه البلدان عدد من أكبر بلدان آسيا ومعظم أقل البلدان النامية نمو .
وإذا حسبنا معدل متوسط لكل المجموعة 130بلدا ناميا للوصل فيها إلى معدل ناتج الفرد فيها ستجده قرابة 105 % فى بلدان العالم النامى وذلك خلال الربع قرن الأخير. وفى حالة أثر النقل التكنولوجى للعالم النامى على القطاعات الرئيسية _ كما تظهر فى بيانات الحولية الاحصائية للأمم المتحدة لعام 1968 تلاحظ :
- ان الغيرات التى طرأت على تركيب الانتاج فى البلدان النامية كانت هامشية إلى حد بعيد سواء كانت فى عام 1950 أو ما قبلة. فتوضح احصاءات الحولية ان الاسهام النسبى لاهم قطاع فى هذه البلدان وهو القطاع الزراعى فى الناتج المحلى الاجمالى كان عام 1950 يمثل قرابة 37 % بلغ عام 1975 22 % .
- بينما بلغ اسهام قطاع الصناعة الذى يشمل ( التعدين _ الصناعات التحويلية والكهرباء _ الغاز – والتشيد _ النقل والموصلات ) من 26 % عام 1950إلى 39 % _ كما نرى فى عملية احلال نسبى فى المشاركة القطاعية فى اجمالى الناتج المحلى .
- كما ان قطاع الخدمات ظل ثابتا نسبيا عند 37 % _ وحتى 39 % بينما اخذت التغيرات فى قطاع العمالة نفس اتجاه التغير أى الانخفاض فى الزراعة والارتفاع فى الصناعة، وان كان بشكل أقل وضوحا فقد انخفض التوظيف فى قطاع الزراعة من 71 % عام 1960 إلى 63 % عام 1970
- بينما ارتفع فى قطاع الصناعة من 9 % عام 1950إلى 14 % عام 1970 .
- واختلاف معدل النمو فى قطاع الزراعة والصناعة خلال الفترة 1960 _1975 _ يعكس إلى حد كبير كيفية الاستفادة من حيازة التكنولوجيا فى كل من القطاعين، فقد بلغ نمو الناتج الصناعى بمعدل 7 % سنويا مع الارتفاع فى العمالة قدرة 4. 4 %وارتفاع ضمنى فى الانتاجية قدرة 2. 6 %، بينما كان معدل النمو المناظر فى قطاع الزراعة أقل كثيرا حيث بلغ 2. 7 & للناتج، بينما بلغت زيادة العمالة إلى 1. 3 % سنويا والانتاجية إلى 1. 4 % سنويا .
- وفى استمرار الدراسة للتغيرات التى حدثت فى القطاعات الرئيسة لاقتصاديات البلدان النامية على أثر النقل التكنولوجى فيها _ نجد أن هناك اختلافات واضحة فيها بين البلدان، وفيما يتعلق بمدى الانتقال السنوى من الزراعة إلى الصناعة .
قد أظهرت البلدان النامية التى يزيد فيها دخل الفرد على 800 دولار سنويا – انتقالا سريعا بشكل واضح، عنها فى حالة البلدان ذات الدخل الأقل، فقد هبط نصيب الزراعة فى هذه البلدان بحلول عام 1975 إلى 15 % _ بينما ظل هذا النصيب مرتفعا إلى 40 % فى البلدان التى يقل نصيب الفرد فيها عن 800 دولار .
وكان الانعكاس الطبيعى لزيادة معدل النمو الصناعى هو أحداث التغيرات الهيكلية فى نظام الصناعة _ التى من الطبيعى ان تقوم على أساس تجهيز الناتج المعدنى ولانتقال إلى تصنيع المنتجات القائمة على هذا الناتج المعدنى. ولكن حتى الان ما تزال الصناعات الاستهلاكية تسهم بقرابة نصف الناتج الصناعى، وأن كان من الملاحظ أن النسبة هبطت خلال العقد والنصف الاخرين، وتمكن نقط الضعف فى تركيبها الصناعى فى قطاع المنتجات الرأسمالية أو المواد التى تتجسد فيها التكنولوجيا المتقدمة والتى تمثل أساسها فى رفع أنتاجية القوى العاملة .
المراجع
shorouknews.com
التصانيف
الارض والفضاء بيئة تكنولوجيا العلوم التطبيقية العلوم البحتة