يشبه حال الدول الغنية مع الدول الفقيرة، ما قاله أحد الشعراء :.
جوعان يأكل من زادي ويطعمني. حتى يقال كريم القدر مقصود.
ولكن الواقع أن الأغنياء هم الذين يأكلون خيرات الشعوب الفقيرة التي تصدر لهم خامات بلادها بثمن بخس لتعود لهم مصنعة بثمن غال جداً، وهم الذين يسيطرون على الاقتصاد العالمي نظراً لقوة اقتصادهم كما تفعل الولايات المتحدة الداعية إلى العولمة وفتح الأسواق وتدفق رؤوس الأموال وتحرير التجارة من كل قيد. وقد يعني الجوع أن الكثرة من الناس لا يحصلون على ما يكفيهم من الغذاء، بينما المطلوب هو حصول كل فرد في العالم على ما يكفيه من غذاء شريطة أن يكون هذا الغذاء آمناً وسليماً وكافياً لحاجاته الجسمية. وقد تعهدت قمة (الفاو) التي انعقدت في روما من (4-6) حزيران الحالي بمحاربة الجوع، هذا إذا التزمت الدول الغنية باتخاذ إجراءات فعالة طويلة الأمد لزيادة إنتاج الغذاء وتحرير التجارة. وإن النجاح في التحرر من الجوع لن يتحقق إلا إذا تضافرت الخبرة المهنية مع الحذق السياسي وعرق المزارع.
وقد اشتكت (قمة الغذاء) من ضعف المحاصيل وارتفاع تكاليف الوقود وتزايد الطلب لا سيما من الدول الآسيوية سريعة النمو بالرغم من توقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتراجع أسعار الأرز والذرة والقمح من مستوياتها القياسية مع بقائها أعلى 50% في السنوات العشر القادمة. ولا يدري المرء كيف يوفق بين هذا الأمر وبين معطيات العلم التي كشف عنها (جريجور مندل) عام 1865 والتي تمثلت في قوانين الوراثة المعروفة، حيث أصبح لبحوث تربية النبات دور مهم في إدماج جينات لها صفات وراثية معينة بقصد تحسين الإنتاج، ولذلك كان أهم إنجاز لهذه البحوث هو استنباط الذرة الهجين للزراعة التجارية المكثفة في الولايات المتحدة، كما جرى تطبيق الأسس العلمية للذرة الهجين هذه على سائر المحاصيل الأخرى من حيث خصوبة التربة ورعاية المحصول، كما جرى تعميم هذه التجربة على معاهد البحوث الوطنية لزراعة الذرة والقمح في آسيا، عن طريق المركز الدولي لزراعة هذين المحصولين. وقد رأت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) أن من الواجب زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 50% بحلول عام (2050) لتلبية الطلب العالمي لهذه السلع الأساسية للشعوب.
وإن صمام الأمان للدول النامية المكتظة بالسكان في مساحات ضيقة ومحدودة حيث استغلت الأراضي الجيدة في زراعة الإسمنت أو غيره من أشكال التحديث المضر، هو في المحافظة على الاكتفاء الذاتي من الغذاء من خلال الإنتاج العالي وتكثيف المحاصيل باستخدام التقنيات والبحوث. وفي الوطن العربي لم يكن شح الموارد المتاحة أو النمو السكاني المتسارع أو عجز الإمكانات المالية هي أسباب الأزمة الغذائية بل مسألة فشل أو خلل في السياسات الزراعية وسوء استغلال ما هو متاح من الموارد.( ملف الأمن الغذائي في الأردن - المجلة الثقافية - الجامعة الأردنية - عدد 68/69 - شباط 2007 مجموعة أساتذة من كلية الزراعة - ص 99-100).