الثورة الصناعية المشكلة السكانية و التلوث
يعتبر موضوع الإحصاء السكاني أحد العناصر الأساسية لتحليل فاعلية الإنسان في المجال الحيوي ، ففي عام 1650م كان عدد سكان العالم نحو 500 مليون نسمة ، و في عام 1970 بلغ عدد سكان العالم الكلي 3600 مليون نسمة ، أما في عام 2000م فقد بلغ العدد 7 مليار نسمة .
و كما أشرت في البحث الخاص بالسكان فإن نسبة الوفيات المرتفعة قد انخفضت جزئيا تبعا للزيادة النسبية في أعمار الناس الناتجة عن الإجراءات الصحية الفعالة ، و لهذا فإن الانفجار السكاني يمثل السبب الرئيسي ليس فقط بالنسبة للتلوث ، و لكن أيضا بالنسبة للأزمات الاجتماعية القادمة ، غير أن هذا الرأي ليس له أساس قوي ، إذ أن الملاحظ أولا أن تزايد مختلف مصادر التلوث أكثر ارتفاعا من نسبة زيادة السكان ، كما أن هناك أشكالا كثيرة للتلوث ليست مرتبطة بالتزايد السكاني ، و من الواضح أنه يتحتم علينا أن نحدد الأوضاع الفعالة بالنسبة للسكان في الوقت الحالي . إن نظرة شاملة لمساحة الأرض ونسبة زيادة السكان ودرجة التقدم الاقتصادي في كل دولة ، تفسر الأوضاع المختلفة في شتى الدول ، فإن زيادة التلوث تبدو مرتبطة بنماذج النمو الاقتصادي و بالتطبيقات المحددة للتكنولوجيا المتقدمة و للتطور نحو نظام المدنية الذي أدى إلى تكوين المدن الواسعة ذات الكثافة السكانية الكبيرة ، إن مشكلة تلوث البيئة بشكل مزعج تظهر لنا في المدن المتقدمة صناعيا ، و هذا يحدث في البلاد الأقل نموا في السكان ، أما في بلاد العالم الثالث – الدول النامية – حيث ترتفع نسبة تزايد السكان ، فإن التلوث ليس له أهمية كبيرة . و الحقيقة أن المحاولات التي جرت لكي تربط مختلف أنواع التلوث بالسكان لا تتعلق إلا بالتلوث الجوي ، و لكننا نستطيع في نفس الوقت أن نؤكد أن التزايد الكبير في التلوث يؤدي إلى أخطر النتائج بالنسبة للسكان في العالم .
التلوث الجوي :
يعتبر الهواء أحد العناصر الأساسية و الضرورية لكل كائن حي ، ففي كل يوم تستقبل رئة كل منا حوالي 15 كجم من الهواء الجوي ، بينما لا يمتص الجمس سوى 2 . 5 كجم من الماء ، و أقل من 1 . 5 كجم من الطعام . و لقد أدرك الإنسان منذ وقت بعيد جدا الخطر الذي يمثله جو ملوث بسبب انفجار بركاني ، أو آثار الغبار الناتج عن لقاح النباتات في أوقات معينة من السنة ، و لكن الإنسان عندما يستخدم النار فهو ينقل بنفسه الخطر إلى الجو ،
يتلوث الهواء عندما توجد مادة غريبة ، أو عندما يحدث تغيير هام في النسب المكونة للهواء مما قد يؤدي إلى نتائج ضارة ، إلى جانب ما و صلنا إليه من المعلومات العلمية و كل ما يسبب مضايقات وإزعاج .
عوامل التلوث :
لقد سبق الإشارة بالتفصيل إلى ذلك ، و نزيد عليها أن هذه المواد الغريبة التي تسبب التلوث الجوي هي عوامل التلوث التي توجد مركزة و معلقة في الجو ، في صورة صلبة أو سائلة أو غازية ، و هذه المواد ليست جزءا من التكوين الطبيعي للهواء ، و توجد بنسب متفاوتة في الهواء . و لعل أهم مصادر التلوث هي الأساليب الصناعية التي تتجاهل الاحتياطات الضرورية لمنع التلوث ، و استخدام مواد الإشعال في المنازل وفي المصانع خاصة الوقود الحفري ( فحم ، بترول ، الخ ) و المواد السائلة مثل زيت الوقود ، و التي ينطلق منها أدخنة أو أتربة بجانب أكسيد الكبريت ، و كذلك السيارات ذات المحركات بسبب خروج عوادم تحتوي على أكسيد الكربون ، الرصاص ، أول أكسيد الكربون ، وذرات صلبة . كما أن اشتعال الفحم أو الزيوت المعدنية المستعملة في توليد الطاقة و العمليات الصناعية ، و في أغراض التدفئة المنزلية تؤدي إلى تصاعد غاز ثاني أكسيد الكبريت الذي يتحد مع الرطوبة الموجودة بالهواء حيث يتحول إلى حامض الكبريتيك . و الرذاذ الناتج عن انتشار هذا الحامض شديد الخطورة ، و يؤدي إلى الظاهرة المعروفة باسم " سموج " و هي كلمة تجمع بين معنى الدخان و الضباب ، و لقد تسبب هذا الضباب في حوادث كثيرة من سنوات عديدة . و لا شك أن المواد الأخرى الخارجة من عوادم السيارات ذات آثار واضحة في عمليات التلوث ، و خصوصا مشتقات الرصاص ، كما أن السليكات توجد بنسب عالية في الجو ويكفي زيارة واحدة إلى مصانع الإسمنت بطره و حلوان لكي نرى الجو الملوث المحيط بمصانع الإسمنت .
كما يكثر أكسيد الحديد في المناطق الموجودة بها صناعة الحديد والصلب . و الهواء من أهم العوامل الجوية المختلفة فهو يستطيع أن يوزع عوامل التلوث في منطقة محددة ، وقد ينقلها بعيدا عن نقطة انطلاقها و من ناحية أخرى ، فإن تقلب درجة الحرارة هام جدا بالنسبة لتلوث الهواء في المدن ، ففي بعض الأحيان نجد أن الهواء الساخن في الطبقات العليا يمنع الهواء البارد و القريب من الأرض من الارتفاع و من توزيع عوامل التلوث . و هناك عوامل جوية أخرى تؤثر على تلوث الجو مثل الإشعاعات الشمسية ، و الرطوبة الجوية . و يصعب تحديد آثار التلوث على نسبة الوفيات إلا في حالات السكان المحدودين ، حيث يمكن ملاحظة و دراسة وجود ارتفاع واضح في الوفيات عقب حدوث تلوث معين ، كما حدث أيام 8 ، 7 ، 6 ، 5 من شهر ديسمبر عام 1952 حيث وصلت نسبة التلوث بالكبريت في مناطق التجمع بلندن إلى أرقام مرتفعة جدا ، مما أدى إلى وفاة 4000 فرد خلال الأيام المذكورة . كما أن العلاقة بين التلوث الجوي و مرض السرطان أثارت عدة مناقشات عديدة ، فقد أثبتت إحدى الدراسات وجود علاقة بين سرطان الصفن و الإقامة في مناطق بها العديد من المداخن ، مع ارتباط ذلك بمدة التعرض للسناج . كما أن أبحاث أخرى أثبتت وجود مواد فعالة ومسببة للسرطان تخرج بكميات ضئيلة من عوادم السيارات ، و كذلك وجود عناصر أخرى ذات خصائص سرطانية مثل مسحوق الفحم ، الذي يستعمل في صناعة إطارات السيارات ، و كذلك الأمينت المستخدم في عدد من الصناعات .
إلا أن البيانات العملية الحالية لا تؤكد بشكل قاطع أن عوادم السيارات تسبب سرطان الرئة ، بل إن تأثيرها في جميع الأحوال أقل بكثير من تأثير التبغ ( إن نسبة الإصابة بسرطان الرئة عند المدخنين تفوق خمسين مرة نسبة الإصابة بهذا النوع من السرطان عند غير المدخنين ) . لقد شغلت آثار التلوث الجوي على الإنسان العلماء لمدة طويلة مما دفع هيئة الصحة العالمية إلى نشر جدول يبين حدود التركيزات المقبولة عند الإنسان ، و التي حددت أربعة مستويات لنقاء الجو و هو كالتالي :
- المستوى الأول : يكون التركيز و مدة تأثير عامل التلويث مساويين ، أو يقلان عن النسب ، التي لا تلاحظ لها أي أثر مباشر أو غير مباشر على الجو و الإنسان .
- المستوى الثاني : يكون التركيز و مدة التعرض مساويين ، أو يفوقان النسب ، التي نلاحظ تبعا لها تهيجا في الحواس ، و آثارا ضارة على النباتات ، و نقصا في وضوح الرؤية ، بالإضافة إلى النتائج الأخرى التي تضر بالبيئة .
- المستوى الثالث : يكون التركيز و مدة التعرض مساويين ، أو زائدين ، على النسب التي تؤدي إلى اضطرابات في وظائف الأعضاء الحيوية ، أو أضرار قد تؤدي إلى أمراض مزمنة ، أو الموت المبكر .
- المستوى الرابع : يكون التركيز و مدة التعرض مساويين ، أو زائدا ، على النسب التي تسبب أمراض مزمنة ، أو موتا مبكرا في الطبقات الضعيفة .
و لا تقتصر آثار التلوث الجوي على الإنسان فقط ، بل إن الحيوانات الأليفة و المتوحشة لم تفلت منه . فإن الأثر الضار لبعض العوامل الملوثة قد نلمسه بوضوح في سلالات البقر و الماعز و الخيول و دودة القز و النحل . كما أن الكلاب هي أكثر الأنواع تأثرا بتلوث الهواء ، إذ تظهر عليها في غالب الأحيان أعراض حقيقية لاضطرابات التنفس و مضايقات مختلفة أخرى . وقد تصاب الحيوانات بأمراض مختلفة عقب تناولها نباتات تحتوي على مواد ملوثة و منها ، على سبيل المثال ، الفلور الذي يسبب الفيلوروز ، و الرصاص المسبب لاضطرابات الجهاز الهضمي ، و الموليبدينم المسبب للأنيميا و أمراض العظام . و لقد استخدمت النباتات كدليل ثابت لمعرفة درجة التلوث ، بسبب تأثير هذه المواد الضارة على الوظائف الحيوية لهذه النباتات ( الغذاء ، النمو ، التكاثر ) و على مظاهرها ( التآكل ، النخر ، التشوهات ) ، و من الأمثلة على ذلك اختفاء حزاز الصخر الذي كان ينمو داخل المدن الأوروبية ، وإن كان موجودا في بعض المناطق التي لا تعاني من التلوث ، و لا ننسى تأثيرات غازات أكاسيد الكبريت ، التي تؤثر على أشجار الصنوبر و غيرها من الأشجار . إن الفلور يضر بنمو الصنوبريات ويمنع تكاثر وظهور عملية التجدد في الغابات . كما أن الصنوبر يعتبر شديد التأثر بمشتقات الفلور الذي ينتج من مصانع الألمنيوم . كذلك يلاحظ أن تأثيرات التلوث الجوي تمتد إلى الأعمال الفنية العظيمة و المباني ، بشكل خطير جدا . فهناك آثار تاريخية كثيرة تعرضت لتقلبات الجو و وقعت فريسة للأدخنة و الأحماض ، و هذه الأضرار تبلغ أقصى درجات الخطورة عندما تكون الأحجار الواقعة تحت تأثير حمض الكبريتيك أحجارا جيرية ، و لقد أثارت هذه المشكلات الخوف و القلق مما دفع المسئولين للقيام بحملات تنظيف لهذه المباني و الآثار تكلفت أموالا طائلة .
تلوث المياه العذبة القارية :
إن الماء عنصر أساسي للحياة ، يمثل ثلثي الوزن الكلي للإنسان ، و حوالي تسعة أعشار حجم النباتات . و وفقا لتعريف هيئة الصحة العالمية لتلوث المياه العذبة " فإننا نعتبر أن المجرى المائي ملوث عندما يتغير تركيب عناصره أو تغيير حالته بطريق مباشر أو غير مباشر بسبب نشاط الإنسان بحيث تصبح هذه المياه أقل صلاحية للاستعمالات الطبيعية المخصصة لها أو لبعضها " . ويتضمن هذا الوصف كذلك ما يطرأ على الخصائص الطبيعية والكيماوية والبيولوجية التي قد تجعل المياه غير صالحة للشرب ، أو غير صالحة للاستهلاك المنزلي ، أو في الصناعة و الزراعة . . . الخ ، بسبب التغيرات الحرارية الناتجة عن المياه الساخنة ، و هو ما يسمى بالتلوث الحراري .
المطلوب الكيماوي العضوي من الأكسجين : إننا نستطيع أن نحدد درجة تلوث المياه بقياس المطلوب كيماويا و عضويا من الأكسجين ، و هو يفيد في قياس وزن الأكسجين ( بالوحدة المائية ) المذاب و المستعمل خلال التطور العضوي بواسطة البكتيريا الحيهوائية ( أي التي تعيش في حالة وجود الأكسجين فقط ) التي يحتوي عليها الماء . وهذه القيم تبدأ من حوالي 1كجم/1 ( في المياه الطبيعية ) و300 - 500 كجم/1 ( في المياه الغير معقمة ) . . إذا تزايد تركيز عناصر التلويث فإن ذلك يؤدي إلى زيادة استهلاك الأكسجين المذاب في الماء ، وقد يؤدي إلى اختناق عدد كبير من الأحياء المائية ، و عند هذه المرحلة ، فإن عمل البكتيريا الحيهوائية التي تستطيع القيام بعملية التنقية الذاتية في الظروف العادية يستبدل بتأثير البكتيريا اللاهوائية التي تساعد على فساد الماء .
المراجع
platform.almanhal.com
التصانيف
النظام البيئي بيئة أحداث بيئية العلوم البحتة